القبض على عصر الاتصالات بوساطة البيان الإلكتروني – مصطفى غربز

سواء أدركت المؤسسات الإعلامية ذلك أم لا، فالحقيقة التي ينبغي تذكرها دائماً، هي أن الإعلام المكتوب أو المرئي ليس محللاً محايداً ومستقلاً للانقلابات الموصوفة بما بعد الحداثية في الحياة السياسية التركية، وأنه، على العكس، يتدخل إما بدور المتعاون أو بدور مفشل المخططات.

الكثير من الكتاب الصحافيين وصف بيان منتصف الليل في السابع والعشرين من أبريل 2007 (الذي نشر على الموقع الإلكتروني لقيادة أركان الجيش) على أنه انقلاب “بعد – حداثي”. فما هو الشيء ما بعد الحداثي في الانقلاب المذكور؟ هل بسبب إعلانه عبر الانترنت، أم لأنه لم ينطو على عمل مسلح، أم لأنه تحقق بوساطة نص مفتوح على مختلف التأويلات؟ ربما كل ذلك معاً، لكن الخاصية الأهم التي تميز الانقلابات العسكرية بعد الحداثية عن تلك الحديثة، ليس تحققها بوساطة الإنترنت، بل تغيّر شكلها وفقاً لطريقة قراءتكم لها. بعبارة أخرى، لا يصبح الانقلاب ما بعد الحداثي انقلاباً حقيقياً، إلا إذا “تمت قراءته” كذلك. هذه الخاصية تفسد ما يحفظه عن ظهر قلب محللو الانقلابات العسكرية الحديثة المألوفة.

إن تمتع كيفية قراءتنا للأحداث بأهمية تفوق أهمية الأحداث ذاتها، هو ظاهرة جديدة نتجت عن تعاظم قوة الميديا. في إطار هذه الظاهرة، لا تنبثق الأحداث وتنتهي داخل فترة زمنية محددة، بل تتطور وتتخذ قواماً لها داخل مسار زمني أطول. والأهم من ذلك، أننا، أي من “يقرؤون” الحدث ويفسرونه، نصبح جزءاً منه. لعل هذا ما يدفعنا إلى وصف الأحداث بما بعد الحداثية. وبصرف النظر عن الصفة التي نطلقها على الأحداث، علينا أن نشدد على الحقيقة التالية: إن كون بيان السابع والعشرين من أبريل “إنذاراً” يرتبط بصلة وثيقة، بموافقة الميديا والنخبة التي تراقب الأحداث وتقرؤها، أو عدم موافقتهما، على ذلك. وبالعودة إلى انقلاب الثامن والعشرين من فبراير 1997، سنرى أنه لم يكن نتيجة بيان مماثل للجيش، بقدر ما كان مساراً تضمن اقتناع مجموعة سلطوية (عسكرية ومدنية) وإقناعها للجمهور بذلك. بهذا المعنى، من الخطأ الفصل بين البيان العسكري والتأويلات اللاحقة بشأنه. إن تصريحات “يالتشن كوتشوك” على شاشة محطة “سكاي ترك” ليلة التاسع والعشرين من أبريل، والتي اقتبسها، في اليوم التالي، الكاتب “علي بولاتش”، لافتة في هذا السياق: “الثامن والعشرون من أبريل، يوم نشر بيان الجيش، هو تاريخ مهم. ففي التاريخ نفسه من العام 1960، أي قبل شهر واحد من مبادرة الجيش في السابع والعشرين من مايو، تحرك شباب الجامعات في أنقرة واستانبول. تلك المسيرات والمظاهرات هي التي مهدت الأرض أمام الانقلاب. كنت بين أولئك الشباب. واحزر من كان معنا أيضاً؟ صبيح كاناد أوغلو وأحمد نجدت سيزر (رئيس الجمهورية الحالي) ودينيز بايكال” (زعيم حزب الشعب الجمهوري الحالي).

بتصريحاته هذه، لم يقم يالتشن كوتشوك بتأويل الحدث وحسب، بل شارك في صنعه. فهذه التصريحات تنطوي على تحذير للحكومة مفاده أن مشكلة انتخابات الرئاسة يمكن أن تؤدي إلى انقلاب مماثل لانقلاب العام 1960. يظهر لنا هذا المثال خاصيةً أخرى للانقلاب ما بعد الحداثي، عنينا بها الاستخدام الكثيف للرموز. فقد حمّل المثقف الماركسي البارز يوم الثامن والعشرين من أبريل معاني رمزية، فأشار إلى مسيرات أنقرة واستانبول (1960) بوصفها الحركة التمهيدية للانقلاب الذي جاء بعد شهر. مظاهرات ساحة تشاغليان في استانبول وساحة تاندوغان في أنقرة (أبريل 2007) هي المكافىء الراهن لمسيرات العام 1960. الكتاب الصحافيون الآخرون، ساهموا بدورهم في مسار الأحداث إيجاباً أو سلباً. هنا بالضبط ما يميز الانقلاب ما بعد الحداثي: سواء أدركنا ذلك أم لا، بتحليلاتنا الشخصية للحدث، نخطو خطوة عملية إما لوقف المسار أو لدعم تقدمه. وتتوقف نتيجة مساهمتنا على قوتنا النسبية. القراءات التي أكدت على الديموقراطية ساهمت في قطع الطريق أمام تحول بيان قيادة الأركان إلى “إنذار”. النص نفسه كان من الممكن أن يدخل التاريخ بوصفه انقلاباً عسكرياً، بمساهمة الأخبار غير المسؤولة والتوضيحات المغلفة بموضوعية كاذبة، في وسائل الإعلام. إن المسار الذي أطلقه بيان الثامن والعشرين من فبراير 1997، ولم تمح آثاره بعد، مملوء بأمثلة من هذا النوع.

إن كلاً من ظاهرة الانقلاب ما بعد الحداثي، وتنامي دور “قراءة الحدث” على حساب الحدث نفسه، ليسا شيئاً يخص تركيا وحدها. قام فاغنر – باسيفيتشي بتحليل حادثة اختطاف ألدو مورو (رئيس الحكومة الإيطالية) في العام 1978 وما أعقبها من قراءات، فزوّد علم الاجتماع بمفهومي “الدولة – المسرح” theater – state، و”الدراما الاجتماعية” socıal drama (انظر: Robın E. Wagner-Pacıfıcı: The Moro Morality Play, The University of Chicago Press, 1986). سيتم استخدام هذه المفاهيم، لاحقاً، بصدد محاولة اغتيال ستيفن لورنس واغتيال المخرج السينمائي الهولندي ثيو فان غوخ. وتقدم تركيا، في الآونة الأخيرة، معطيات غنية، بوصفها ميداناً لتطبيق مفهومي الدولة – المسرح والدراما الاجتماعية. فالأحداث السياسية تتحول إلى مشهد كبير يضم المجتمع. إن الأحداث الإرهابية المتلاحقة ذات الخلفية القومية، والهجوم المسلح على مقر مجلس الدولة الذي وقع في شهر مايو من العام الماضي، الذي سرعان ما أُطلقت التصريحات بشأنه من نوع “تلطخت السياسة بالدم” قبل توفر الوقت اللازم لدراسة الحدث وفهمه، لهي مما يدعو إلى الانتباه. علينا ألا ننسى أن الهجوم الإرهابي المذكور لم يتم على يد “إسلاميين” كما زعم في الحين. وإذا كان الرأي العام التركي يعرف هذه الحقيقة، فإن الأوساط الدولية لم تقرأ الحادثة على النحو نفسه. يمكننا أن نمثل على ذلك بمقالة رئيس اللجنة البرلمانية التركية – الأوروبية جوست لاجنديك (المنشورة في صحيفة الزمان في 2 مايو 2007). فوفقاً للاجنديك وغيره من الأوروبيين، ما تزال حادثة الهجوم المسلح على مقر مجلس الدولة على صلة وثيقة بمشكلة الحجاب. والحال أن أي مواطن تركي عادي بات، في غضون عام، يملك من المعلومات والأدلة ما يقنعه بأن الحادثة المذكورة قد تم التخطيط لها بهدف إيقاع الأذى بقطاع اجتماعي له حساسية معينة في مجال الدين. جان بوديارد الذي اشتهر بكتاباته حول تفوّق قراءات الحدث على الحدث نفسه أهميةً، وتحول “الوهمي” إلى “واقعي” بفعل جهات صاحبة مصلحة، فجر فضيحة مدوية حين قال إن حرب الخليج لم تكن حرباً، وإنها لم تقع أبداً.ُ

في هذا الزمن الذي تحولت فيه السياسة إلى لعبة تفاعلية ذات خيارات متعددة، من الواضح أنه لا يتوجب علينا إطلاق صفة ما بعد الحداثة على كل واقعة، غير أنه، علينا، بالمقابل، أن نقرأ الأحداث ونحللها بطريقة صحيحة وبوعي مسؤول. سواء أدركت المؤسسات الإعلامية ذلك أو لم تدركه، فالحقيقة التي ينبغي التوكيد عليها تكراراً، هي أن الإعلام المكتوب والمرئي ليس محللاً مستقلاً ومحايداً للانقلابات ما بعد الحداثية، بل يلعب دوراً مشجعاً أو معطلاً لها.

* مصطفى غربز: أستاذ في جامعة كونيكتيكت الأميركية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق