القبليّات، والتوقعات، لمفسّري الوحي… معطيات فهم النّصوص 2/2

2. التوقّعات المرشدة للمفسّر
إنّ توقّعات المفسّر، التي تدفعه للسّؤال عن النّص وفهمه، تعتبر من مقدّمات ومقوّمات فهم النّص، والظاهر أنّ الإنسان يندفع لطرح السّؤال وتتبادر إلى ذهنه دوماً سلسلة من الأسئلة، ففي المرتبة الاُولى تطرح أسئلة أمام الإنسان تكون حياته مرتبطة بالجواب عنها، أي الأسئلة المتعلقة بالمعيشة “من قبيل الأسئلة عن الحكومة، والسّياسة، والاقتصاد” وفي مرتبة ثانية فيما لو أراد الإنسان أن يعيش حرّاً فينبغي طرح أسئلة عن معنى الوجود والمصير، بالإمكان طرح نموذجين من هذه الأسئلة: النّموذج الأوّل: من أين أتيت؟ وإلى أين أتوجّه؟ ولأي غرض أعيش؟ النموذج الآخر: ماذا يمكنني أن أصير؟ ماذا ينبغي أن أصنع؟ بماذا يمكنني أن أعلق أملي؟ ما هو الإنسان؟ “ويرى كانط أنّ هذه الأسئلة الأربعة تمثّل الأسئلة الرئيسيّة للإنسان”.
إنّ الإنسان عندما يطرح أيّ سؤال فإنّ هذا السؤال ناشيء عن توقّع خاص وعلاقة معيّنة، وهذه العلاقة والتوقّع تتناسب حتماً مع قبليّات تمثّل مقوّمات ذلك السّؤال، إذن فالسّؤال مسبوق دوماً بعلاقة معيّنة وتوقّع خاص.
فلو لم يكن للإنسان علاقة بفهم نص معيّن فإنّه لا يتحرّك على مستوى تفسيره وفهمه، فتفسير النّص، حاله حال أيّ عمل إرادي آخر، ناشيء من علاقة معيّنة ويهدف لتحقيق منظور خاص، وهذا الهدف لا يمكن أن يكون مجهولاً مطلقاً، ويجب أن يملك للإنسان على الأقل تصوّراً إجمالياً عنه، فهدف الشّخص الذي يريد تفسير نص فلسفي يختلف عن هدف الشّخص الذي يريد فهم نصّ تاريخي، فالأوّل يتحرّك لتحصيل أجوبة عن أسئلته الفلسفيّة الكليّة، والثّاني بصدد العثور على أجوبة عن أسئلته الجزئيّة والتي تتعلق بحادثة تاريخيّة معيّنة، وهذان نمطان من الأهداف مختلفان، فلو كان هدف الشّخص من تفسير نصّ فلسفي الحصول على جواب تاريخي، فإنّ هذا الهدف غير صحيح، وبالتّالي لا يحصل هذا الشّخص من ذلك النّص الفلسفي على أي فهم، وهكذا فيما لو كان هدف الشّخص من فهم النّص التّاريخي الحصول على جواب فلسفي، وهذا الموضوع حاله حال جميع الأعمال الإرادية الأخرى، فالمتوقّع في تفسير النصوص هو الوصول إلى هدف موجود في ذهن الشخص، ويتوقّع الحصول على جواب له، والنقطة المهمّة أنّ هذا التوقّع لا يمثّل حالة نفسانية فقط، بل يعتبر من مقدّمات ومقوّمات عملية التفسير والفهم، بمعنى أنّ المفسّر إنّما يحصل على أجوبة من النص فيما لو كان يتوقّع الحصول عليها منه، وهذا التوقّع المعيّن للمفسّر من شأنه أن يرسم مسيرة السؤال بحيث لا يطلب من نص فلسفي جواباً تاريخياً، أو يطلب من نص تاريخي جواباً فلسفياً.
إذا تحرّكنا على مستوى إقصاء وإبعاد هذه السّلسلة المترابطة من التوقّعات والقبليّات ولم نهتم بتنقيحها لغرض الحصول على تفسير وفهم صحيح، فمن الممكن حينئذ أن يطلب من نصّ فلسفي جواباً تاريخياً، ولا يبعد أن يطلب هذا الشّخص جواباً فلسفياً من نصّ تاريخيّ، والكثير من الأشخاص أرادوا إقتباس أجوبة من النّصوص الدينيّة تتّصل بالعلوم التجريبيّة وألفوا كتباً ضخمة في تفسير هذه النّصوص بهذه المنهجيّة، ومن هذه الجهة فإنّ تفسير “الجواهر” للطنطاوي لم يحظ بالقبول في العالم الإسلامي، فالمتاهة التي يعيشها المفسّر في تفسير النص القرآني ناتجة عن المتاهة في القبليّات والتوقّعات للمفسر الناشئة من هذا الخلط والخطأ في طرح الأسئلة، فعندما يطرح سؤال غير صحيح لابدّ أن نتوقّع جواباً غير صحيح، وينتهي الأمر إلى تفسير غير صحيح.
إنّ أهميّة تنقيح القبليّات والتوقّعات والأسئلة للحصول على تفسير صحيح للنّصوص الدينيّة يحظى بأهميّة أكبر من تفسير النّصوص الأخرى، فالنّصوص الدينيّة تتحدّث عن معنى الوجود ومصير الإنسان، وتنقيح القبليّات والأسئلة والتوقّعات المتعلقة بتفسير هذه الأسرار والتّعقيدات الكامنة في النّصوص صعبة جدّاً وتحتاج إلى قابليّة خاصة.
أن يصير الشخص مفسّراً للنصوص الدينية أصعب بكثير من أن يصير فيلسوفاً ومتألهاً، والغالبيّة السّاحقة للمخاطبين للنّصوص الدينيّة لا يستطيعون استلام الرّسالة في هذه النصوص إلاّ من خلال وساطة المفسّرين، والذين ينبغي أن يكونوا من النّخبة وأهل الخبرة، وأصعب عمل لهؤلاء المفسّرين وهؤلاء الوسطاء في نقل الرّسالة المعنويّة “لا الحكّام على الأرض” يتمثّل في تنقيح المقدّمات والمقوّمات في عملية التّفسير.
إنّ دور التوقّعات والقبليّات للمفسّر في عمليّة التّفسير لا يقبل الإنكار، ولكن المعضلة فيما يتّصل بهذا الموضوع تتمثّل في كيفيّة تحصيل الاطمئنان بتطابق علاقة المفسّر وتوقّعاته مع علاقة وتوقّعات الخالق للنص والموجد له؟ كيف يمكن تحصيل الأسئلة التي يطرحها المفسّر في مقابل النص؟ وهل أنّ هذه الأسئلة متطابقة مع رغبة الموجد للنص والذي يريد الإجابة عنها؟ الظاهر أنّ الانطباق في الجملة بين هاتين الطائفتين من التوقّعات ضروري لحصول الفهم، وتشخيص هذا الموضوع إنّما يكون مشكلاً فيما لو كان النص قد كتب في زمان بعيد جدّاً، فكيف يمكن تشخيص التوقّعات والأسئلة لأفراد البشر الذين عاشوا قبل آلاف السنين وأبدعوا النصوص مورد البحث؟ أضف إلى ذلك كيف يمكن للمفسّر الاطلاع على جميع التوقّعات والقبليّات الظاهرة والخفيّة والتي تصوغ أسئلته حيال النص؟ وعلى أيّة حال فإنّ المفسّر هو الذي يجب عليه في كل مورد ومن خلال “فن التفسير” أن يتغلب على هذه المشكلات ويتحرك باتجاه حلّها.

3. أسئلة عن التّاريخ
إنّ القبليّات والتوقّعات والأسئلة وأحياناً الاطلاع على تفاسير الآخرين للنّص، تدعو المفسّر للبحث عن “ماذا يقول النص”؟ وفي هذه المرحلة يجب على المفسّر أن يتحرّك للبحث عن “سؤال من التّاريخ” ويمكن التعبير عنه بـ “الإصغاء للتّاريخ” أيضاً، وهذا العمل عبارة عن البحث عمّا يريده صاحب النص وما يريد إفهامه للمخاطبين، وفي هذه المرحلة يجب توضيح عدّة مسائل من خلال تحقيق تاريخي، وهي: أيٍّ من التوقّعات تدفع المؤلف لإبداع النص؟ وما هي الظروف التاريخيّة التي نشأ فيها النص؟ وما هي الظروف التاريخيّة للمخاطبين في ذلك الوقت؟ وما هي القضايا والإمكانات اللسانيّة التي استخدمت لخلق النص وتدوينه؟ مثل هذه الأسئلة إنّما يمكن الإجابة عنها من خلال تحليل تاريخي، التحليل الذي ينبغي أن يتمّ دون تدخل من المفسّر، والاستفادة من قواعد وقوانين اللغة والمحاورة والتي يطلق عليها القدماء أحياناً بـ “قواعد التفسير”، تنفع في هذه المرحلة، كما أنّ جميع مباحث الألفاظ في علم الأصول الإسلامي تتعلق بهذه المرحلة، والتحقيقات الجديدة المتعلقة بمنهجيّة النّقد التاريخي فتحت أبواباً واسعة فيما يتصل بهذه المواضيع وبيّنت بوضوح التعقيدات المطروحة عن الأسئلة التاريخية.
وهنا نشير إلى عدّة أمور أساسية فيما يتّصل بموضوع “ماذا يقول النص؟” والذي يجب على كلّ مفسّر أن يطلع عليها:
1. دراسة المعنى الحرفي للكلمات والعبارات.
2. دراسة دور “الرّسالة” أو “المضمون” للنّص، وهذا يعني تأثير النّص في صياغته الخاصّة وفيما يتعلق بظروفه ووقعه الخاص على المخاطبين.
3. المراد الجدي للمتكلّم: فماذا يقصد المتكلّم أو الكاتب من إيجاد النص؟ وما هو الهدف الذي يرومه من إيجاد النص؟
4. التأثير الذي يوجده النص مورد البحث على الأشخاص الآخرين بغض النّظر عن موجد النص.
ومن بين هذه المواضيع الأربعة فإنّ الموضوع الثاني يرتبط أكثر ببحثنا في هذه المقالة ويعتبر مفتاحاً أساسياً لفهم النصوص، وهذا ما نروم توضيحه.
إنّ “الإظهارات اللسانيّة” التي تمثّل النّصوص المدوّنة قسماً منها، هي الأثر الناشيء من “الخطاب” في نفس المخاطبين ودور “الدّعوة” ترتبط بهذه المسألة، وهذه الإظهارات تطلب من المخاطبين استجابة معيّنة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين أساسيين:
1. معرفة الحقيقة أو الواقع.
2. القيام بعمل معيّن أو ترك عمل معيّن.
ونطلق على النّمط الأوّل “الدّعوة للمعرفة” ونطلق على النّمط الثّاني “الدّعوة للعمل”.
وأهمّ أنماط الدّعوة للمعرفة عبارة عن “الاستفهام التقريري” وفيه يطلب من المخاطب الإقرار والإذعان لحقيقة معيّنة، و”الاستفهام الاستدلالي” والغاية منه إعطاء رؤية خاصة للمخاطب، و”الاستفهام الإخباري” والغاية الإخبار عن حقيقة معيّنة، و”الإخطاري” والغاية منه لفت نظر “المخاطب” لظاهرة معيّنة ومورد خاص، و«الإيضاحي» الغاية منه إيصال المخاطب لفهم ظاهرة معيّنة، و”الإيجابي”والغاية منه تصديق المخاطب بحقيقة معيّنة.
إنّ الدّعوة للعمل أيضاً، والتي تهدف إلى تحريك المخاطب باتّجاه القيام بعمل أو منعه عنه، يمكنها أن تكون بصيغة الإيجاب أو التّحريم، الإيجاب والتّحريم القانوني أو الايجاب والتّحريم القيمي.
وما تقدّم بيانه يعتبر آليات لفهم المعنى الذي يريده موجد النص، أمّا الاستفادة من هذه الآليات فلا يتيسر إلاّ من خلال سلسلة من الأحكام و”اتخاذ المواضع”، والمسألة المهمّة جدّاً، دراسة “المحك” لهذه الأحكام والقاعدة التي ينطلق منها اتخاذ المواضع، فصحيح أنّ النص يفيد معنىً، ولكن إفادة المعنى إنّما تتيسر فيما إذا كان المفسّر يعلم مسبقاً ماذا يقصد الموجد للنص من المعنى الذي يريد إيصاله للمخاطب، وماذا لا يريد من معنى؟ وتشخيص هذه المسألة يحتاج إلى تحكيم ومحك، والبحوث المتعلقة بهذا المحك أو التّحكيم لم تتضح لحدّ الآن بشكل مقبول ومرضي، ومن هذه الجهة تطرح أسئلة من هذا القبيل: هل أنّ المفسّر يستطيع أن يصوغ مثل هذا المحك دون الارتباط بظروف تاريخية خاصّة؟ وهل يستطيع أن يصغي للتاريخ بهذه الصورة بحيث إنّ النص ينطلق في الحديث عمّا في باطنه ويعكس المعنى المقصود لموجد النص بعينه؟ وهل أنّ توقّعات المفسّر في اُفقه التاريخي تمثّل مانعاً وعائقاً في هذا الطريق؟ ومع وجود هذه الأسئلة الأساسية فإنّ المفسّر يجب عليه أن يبذل جهده لتنقيح هذه المواضيع الأربعة، وإلاّ فإنّه بدلاً من تفسير النص، يتحرك على مستوى إسقاط آرائه وميوله على النص.

4. كشف مركز معنى النّص
المقصود من “مركز معنى النص” هو “الرّؤية الأصليّة” التي تدور حولها جميع المعاني الموجودة في النص، ويجب الكشف عن هذه الرؤية الأصلية، وبذلك يتمّ فهم جميع النص على فرض ابتنائها على هذه الرؤية، وهذا المركز للمعنى لا يمكن الكشف عنه بآليات اعتباطية وغير منهجية ودون محك ومعيار، إنّ منهجيّة الكشف عنه تتمثّل في”السّؤال من التّاريخ” أو الإصغاء للتّاريخ، والذي تقدّم الكلام عنه في البحث السّابق.
الشّخص الوحيد الذي يستطيع تفسير نصّ معيّن هو الذي يرى وجود “وحدة” للنّص، ويعتقد بأنّ النّص، مضافاً إلى معاني كلّ كلمة وجملة في النّص، يملك “وحدة” متّسقة ومتناسبة وتفيد معنى “واحداً”، وبعبارة أخرى، لا يمكن فهم أي شيء من النّص إلاّ «معنى واحد»، وربّما يكون معنى النّص في نظر المفسّر وآخرين مهمّاً أو غير مهمّ، مقبولاً أو غير مقبول، ولكن وحدة المعنى غير هذه الصفات، وكلّ معنى فقط بقيد «الواحدية» قابل للفهم، وكلّ نص مدين لهذه الوحدة في مركز معناه، وذلك المركز هو الذي يمنح المعنى وحدته، ولا يمكن فهم جميع مضمون النص إلاّ بالكشف عن مركز المعنى، ومركز المعنى هذا يمنح جميع أجزاء النص الحياة والمعنى، لأنّ هذه الأجزاء إنّما يتيسر فهمها فيما يتصل بذلك المركز.
ومع هذه الأهميّة الرئيسيّة للكشف عن مركز معنى المتن لغرض التفسير وفهم المعنى فسوف يطرح في هذا الموضوع أيضاً سؤال مثير، وهو أنّ المفسّر بإعمال هذا المنهج في السؤال من التاريخ إلى أي حدّ يتوصل إلى مركز المعنى، كما هو الواقع؟ هل أنّ المفسّر يستطيع في مقام التفسير أن يجرّد نفسه كلياً عن تجاربه التي عاشها في ظلّ الظروف التاريخيّة له ومن ثم برزت أمامه أسئلة حيويّة ومهمّة بسبب هذه التجارب، أو أنّ هذا العمل غير ممكن أساساً، وعليه فإنّ الكشف عن مركز المعنى، قليلاً أو كثيراً، يقع تحت تأثير تجارب وأسئلة المفسّر؟ وفي هذه الصورة من الممكن أن يقع كلّ مفسّر تحت تأثير تجارب وأسئلة متفاوتة ويحصلون على مركز لمعنى النص بشكل متفاوت نسبياً عن المعنى الذي يحصل عليه الآخرون ويستنبط من النص فهماً خاصاً وبالتالي تتحصل فهوم متفاوتة من جميع النص، وهل باستطاعتنا اجتناب هذه المؤثرات بحيث يمكننا أن نتصل بمركز المعنى ونستنطق النص ويكشف لنا النص عن مضمونه وباطنه تماماً وبدون نقيصة وزيادة؟ هل أنّ هذا العمل ممكن؟
لا شك أنّ هذا السّؤال يعدّ سؤالاً أساسياً لاستنطاق وفهم النصوص والذي يجد علماء الهرمنيوطيقا الطريق طويلاً أمامهم في مجال العثور على جواب واضح لهذا السؤال، واللافت أنّ أهميّة هذا السؤال فيما يتصل بتفسير النصوص الدينية تتضاعف مرات عديدة، لأنّه، كما ألمحنا إليه آنفاً، أنّ النصوص الدينية ترتبط بمسائل رمزية ومعقدة وقضايا سهلة وممتنعة والكشف عن مركز المعنى لهذه النصوص يواجه صعوبة خاصة ويستدعي قابلية خاصة وتجربة فنيّة لعملية التفسير تختلف كلياً عن غيرها.

5. ترجمة معنى النّص في الاُفق التّاريخي للمفسّر
إنّ ضرورة هذا العمل التفسيري المهم إنّما تتضح تماماً فيما إذا كان موجد النص والمفسّر له يعيشان في عصرين مختلفين، فعندما يعيش المفسّر في اُفق تاريخي متفاوت عن الاُفق التاريخي لموجد النص، وتكون تجارب كل واحد منهما عن نفسه وعن العالم مختلفة، فينبغي، للعثور على معنى النص في الاُفق التاريخي للمفسر، القيام بترجمة خاصة، ومن المعلوم أنّ هذه الترجمة، ليست ترجمة من لغة إلى لغة أخرى، بل هي ترجمة تجارب إلى تجارب أخرى، وبعبارة أخرى أنّ فهم تجارب الماضين يتحقق من خلال طرح الأسئلة الناشئة من تجارب الحاضرين، وهذا التفاوت في التجارب معلول تاريخيّة حياة الإنسان، وفي أعماق الثقافات والحضارات المختلفة والرؤى والأديان المتفاوتة ثمة تجارب متفاوتة أيضاً، فتجربة الإنسان عن نفسه وعن العالم في عصر تبعية الإنسان المطلقة لقوى الطبيعة وعدم إمكانية التصرف فيها تختلف قطعاً عن تجربته عن نفسه وعن العالم في هذا العصر الذي سيطر فيه الإنسان على قوى الطبيعة واستخدمها لصالحه، واليوم أيضاً نرى أنّ تجارب الغربيين عن أنفسهم وعن العالم تختلف عن تجارب سكان الشرق، ومفتاح فهم نصوص العصور الماضية يكمن في فهم تجارب البشر في ذلك العصر.
وهنا قد يكون من اللازم الإشارة إلى نقطتين مهمتين:
الاُولى: أنّ السّعي لفهم تجارب الماضين لا يعني الموافقة على تجاربهم، فالمفسّر بإمكانه مواجهة تلك التجارب بروح النقد.
والأخرى: أنّ المفسّر عندما يسعى لتفسير نصوص العصور القديمة، فربّما يبتلي بنوعين من الانحراف، الانحراف الأوّل: أن يتحرك في عملية تفسير النص وتقديمه للمخاطبين بحفظ هيكلية نسق ذلك النص القديم الذي لا يصلح للفهم من قِبل المخاطبين للمفسّر، بنحو من صياغة البيان الأصلي للنص بشكله وهيكليته القديمة، والانحراف الثاني أن يقوم بترجمة نسق النص في اُفقه التاريخي المعاصر، وبدلاً من أن يستنطق النص نفسه فإنّه يسعى لإسقاط أسئلته ومقبولاته على النص لكسب تأييده وتطبيق آرائه على النص، وفي كلتا هاتين الصورتين لا يستطيع تفسير النص بشكل صحيح ولا يحصل على الفهم المطلوب منه، والتفسير الصحيح للنص إنّما يكون ممكناً ويحصل المفسّر على فهم سليم فيما لو كان المفسّر والمخاطبون له يعيشون مع النص في حال «مواجهة» وحينئذ تتجلى هذه الحقيقة وأنّ المعنى الخفي للنص في حال ظهور، وتطبيق ذلك المعنى على الأسئلة والقبليّات للمفسّر لا تستدعي مثل هذه المواجهة وبالتالي لا يتمّ الكشف عن المعنى الخفي، وهذا المعنى لا يعني أنّه من الممكن أو يجب في مقام التفسير أن يكون ذهن المفسّر فارغاً من أي سؤال ومعرفة، وسبق أن ألمحنا إلى أنّ هذا الأمر ليس فقط غير ممكن، بل إنّ القبليّات ونمط الأسئلة تعتبر من المقدّمات والمقوّمات المهمة لفهم النص، أمّا ما ننفيه هنا هو تطبيق النص على قبليّات وأسئلة المفسّر، لا أنّ بداية الفهم لا ترتبط بالمقدّمات التي تعيّن وترسم اتجاه الأسئلة، وهنا يمكن إضافة هذه الحقيقة، وهي أنّ شخص المفسّر بحركته وطيه لجميع هذه المراحل والاستفادة من هذه المقدّمات والمقوّمات فإنّه يستخدم النص ليثير فيه الحيوية والنطق «يستنطق النص» ويجعل المفسّر مخاطباً له، لكي يتحرك على صعيد تفسيره، وفي هذه المرحلة تتحرك عملية التفسير بواسطة استنطاق النص.

المشتركات البشريّة تيسّر فهم النّص للعصور المختلفة
إنّ جميع ما تقدّم عن المعضلات والتعقيدات في عملية التفسير وفهم النصوص قد يثير أمامنا هذا السؤال الأساسي، وهو أنّ أفراد البشر يرتبطون بآفاق تاريخية مختلفة، فكيف يفهم أحدهم الآخر؟ مثلاً في هذا العصر نرى أنّ الغربيين يعيشون باُفق تاريخي يختلف عن أهل الشرق، فالغربيون كيف يفهمون الشرقيين وبالعكس؟
إذا كانت التحوّلات التاريخية تستدعي تغييراً كلياً لظروف الحياة وآفاق التجارب لأفراد البشر على إمتداد التاريخ فإنّ الناس الذين يعيشون بآفاق تاريخية خاصة سوف لا يفهمون الآخرين الذين يعيشون باُفق تاريخي آخر، وبالتالي من البديهي أنّ النصوص المتبقية من العصور القديمة سوف لا تكون مفهومة للبشر في هذا العصر، ولا يتبيّن ما هو الهدف لمؤلفي تلك النصوص، وماذا يريدون قوله وإفهامه؟ وفي هذه الصورة فالأشخاص في هذا العصر الذين يعيشون تجارب خاصة عن أنفسهم وعن العالم سوف يكونون مسجونين في عالمهم الخاص وليس لهم طريق لمعرفة شخصية القدماء فيما تتحدّث عنه هذه النصوص، وفي هذه الصورة فإنّ تفسير تلك النصوص يعني أنّ المفسّر يختار لها معنىً ويضعه على النص، وطبعاً فإنّ هذا يعني عدم فهم النص بل هو تطبيق معلوماته على النص.
ومن أجل نتمكن من فهم النصوص القديمة بشكل واقعي ونعلم بكونها ذات معنى، وهي كذلك، فيجب القبول بهذه المقدّمة، وهي أننا نشترك مع الناس الذين يعيشون في الماضي في الإنسانية، وينبغي علينا القبول بهذه الحقيقة، وهي أنّه بالرغم من وجود كلّ هذه المتغيرات والتحوّلات التاريخية العظيمة التي جعلت من تجاربنا تختلف كثيراً عن تجارب الشعوب القديمة، فثمة تجارب ثابتة ترتبط بأساس الإنسانية وهي مشتركة بيننا وبينهم، وفي ظلّ هذه المشتركات فإننا نتعرف على أسئلتنا في ضمن أسئلتهم ونعيد انتاجها وصياغتها ونستطيع الاجابة عنها ونعتقد أنّ تلك الأسئلة ترتبط بأسئلتنا، وطبعاً فنحن لا نستطيع لإثبات أنّ هذه التجارب مشتركة وأنّ هذه العلاقة موجودة، إقامة دليل تجريبي حاسم، لأنّ هذا العمل إنّما يكون ممكنناً فيما لو استطعنا السفر بشكل واقعي إلى العصور القديمة، وحينئذ لابدّ من القناعة بالتجارب والتحقيقات النسبية والمحدودة التي تؤيد هذه الحقيقة، وفي مثل هذه الحالة يجب علينا القبول بأننا نشترك معهم في مثل هذه التجارب، وفي الحقيقة نحن في مواجهة «اعتماد» في هذا المجال، أي الاعتماد على هذه الحقيقة، وهي أنّ ارتباط أفراد البشر في العصور والحقب الزمنية المختلفة ممكن وقابل للفهم.
وبما أنّ مسألة ارتباط أفراد البشر فيما بينهم، وكذلك فهم النصوص، وبخاصة النصوص القديمة، تملك هذه الحالة، وتختلف باختلاف المعرفة التعليلية للظواهر، فقد يطرح هذا السّؤال ـ لكي نعلم أننا فهمنا النص واقعاً ـ ما هي العلامات النهائية القابلة للاعتماد لهذا الفهم؟ وفي مقابل الجواب عن هذا السّؤال يمكن القول بأنّ تفسير نص معين إنّما يكشف عن معناه من خلال المجابهة الحية والجادة للمفسّر ومخاطبيه مع النص مورد التفسير، وهذه المجابهة قد تكون علامة على هذه الحقيقة، وهي أنّ النص في اُفق تجارب الموجدين له يتحدّث عن نفسه ويحصل منه الفهم، ولكن هذه العلامة لا تكون دليلاً على صحة الفهم دوماً، وربّما يكون المعنى المحرّف بواسطة المفسّر يقود إلى مثل هذه المواجهة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق