القبليّات، والتوقّعات، لمفسّري الوحي… معطيات فهم النّصوص 2/1

إنّ الفهم هو نوع من المعرفة، وقراءة نص معيّن أو سماع خطاب يختلف عن فهمه، فربّما يسمع شخص كلاماً معيّناً أو يقرأ نصّاً، ولكنّه لا يفهمه، وبعد مواجهة الإنسان لنصّ أو كلام معيّن يمكنه أن يتّخذ موقفين منه، الموقف الأوّل: تبيين (تعليل) ذلك النّص أو الكلام بوصفه ظاهرة، وفي منهج التّبيين يتمّ توضيح نوع إرتباط الظّاهرة مع “القواعد المرتبطة بها”، النّاشئة منها، ويتبيّن كيف تحدث هذه الظاهرة.
الموقف الآخر، تفسير النصّ أو الكلام وفهمه من خلال عمليّة تفسير النصّ أو الكلام من موقع الشفّافية بحيث يتجلّى معنى ذلك النص أو الكلام، وهذا التّفسير يبتني على هذه القبليّة، وهي أنّ قراءة النص أو سماع الكلام، رغم أنّه يملك مدلولات واضحة ومعان جلية للكلمات والعبارات، ولكنّه لا يبيّن مضمون النص أو الكلام المخفي في مطاويه وثناياه، وهذا الأمر الخفي لا يمكن استجلاءه وتوضيحه إلاّ من خلال التّفسير.
إنّ بحث موضوع “الفهم” والذي يعتبر نمطا من المعرفة المنهجيّة والتنظيريّة، بدأ من القرن التّاسع عشر، فإلى ذلك الوقت كان العلماء يتحدّثون عن قواعد التّفسير للنّصوص الدينيّة والفلسفيّة والفنيّة والحقوقيّة، وثمّة بحوث ومقولات عديدة في هذا المجال، وهذه القواعد عبارة عن لزوم التعرّف على لسان النّص والقواعد الدستوريّة له، ولزوم التّدقيق في كيفيّة استخدام المفردات والمصطلحات التي يستخدمها مؤلف النص ولزوم التأمل والتدقيق في اُسلوب استخدامها في كل مقطع من النص، وكذلك يحتمل لزوم الالتفات إلى الموقع الذي يتّخذه مؤلف النص حين صناعة النص، ولم تتوفّر لحدّ ذلك الوقت دراسة دقيقة ومتعمقة في هذا الموضوع، وأي: ما هو “الفهم”، بوصفه معرفة مستقلة في مقابل المعرفة التبيينية؟ ومضافاً إلى الفلسفة الاستعلائية لـ “كانت” التي كان لها دور مهم في ظهور هذه الدراسات، فإنّ دراسات متعمقة ظهرت في موضوع الألسنيات ومدلول الكلمات، وتبيّن شيئاً فشيئاً كما أنّ اللغة عبارة عن ظاهرة تاريخية تملك شروط وإمكانات “البيان”، وكونها تاريخية ومتحوّلة، فإنّ الفهم أيضاً يعتبر مسألة تاريخية ويملك شروطاً وإمكانات متغيّرة ومتحرّكة، وما يتبيّن في اُفق تاريخي من الفهم “التجربة البشرية لموقع معيّن من الزمان والمكان” يحتاج لفهمه في اُفق تاريخي آخر إلى نمط من “الترجمة المضمونية” و”البيان الجديد”، وتبيّن أيضاً عدم كفاية فهم عدّة قواعد لإدراك مسألة فهم النصوص، وهذا يستدعي أن يخضع الفهم، بوصفه نمطاً من المعرفة، إلى مزيد من البحث والدراسة الدقيقة، بحيث يتمّ الكشف عن المعرفة من الدرجة الاُولى من خلال المعرفة من الدرجة الثانية.
ومن جهة أخرى يمكن القول إنّ غفلة القدماء عن المباني والقبليّات لـ “فهم النصوص” وما يقع في مجاري الفهم، كان يتّصل بهذه الحقيقة، وهي أنّ الاُفق التاريخي لمؤلف النصوص لا يختلف كثيراً عن الاُفق التاريخي لمفسّري هذه النصوص، وبما أنّ التجارب والكلمات المستخدمة كانت مشتركة وقريبة الاُفق فلم يكن من الضروري القيام بترجمة مضمونية للنصوص من اُفق تاريخي معيّن إلى اُفق تاريخي آخر، وكذلك يمكن القول إنّ اختلاف الاُفق التاريخي بين صانع النصوص وبين المفسّرين له كانت إلى درجة من القلّة والضعف بحيث إنّ الفاصلة التاريخية الموجودة بين مؤلف النص والمفسّرين له لم تكن واضحة، وفي هذا الموقع فإنّ المفسّرين عندما يواجهون النصوص التي يراد تفسيرها لا يشعرون بوجود غموض وإبهام في تلكم النصوص، إذ يتبيّن لهم ما خفي من النص بأدنى التفات.
بيدَ أنّ هذه الحالة تغيّرت في القرون المتأخرة بعد أن فتحت آفاق معرفية جديدة للمجتمعات الغربية، فكانت النصوص الفلسفيّة والدينيّة والفنيّة في القرون الوسطى وما قبلها غارقة في مطاوي الإبهام والغموض للشعوب الغربية التي عاشت عصر النهضة وباُفق تاريخي جديد، وبذلك تبيّن وجود تفاوت في الاُفق التاريخي بين العصر الجديد والعصور السّابقة، وهذه الحالة أدّت إلى ظهور دراسات وتأمّلات معقدة ودقيقة في مجال تفسير وفهم النصوص القديمة، وهذه الدّراسات تسبّبت في تسليط الضوء بشكل كامل ومستقل على مسألة التفسير وفهم النّصوص بوصفها نمطاً خاصّاً من المعرفة، إنّ الفهم يتعلّق بمعرفة مستقلة، وبذلك ظهر علم المعرفة، وهذه الدّراسات أفرزت بحوثاً عميقة فيما يتّصل بمسألة الفهم وأنتجت تدريجياً ما سمّى اليوم بالهرمنيوطيقا الفلسفيّة.

فهم النصّ يتوقّف على تفسيره
إنّ معنى كلّ نصّ يعتبر حقيقة خفيّة ينبغي استجلاؤها وكشفها بواسطة التفسير، ودلالة النص على المعنى يحصل من خلال عملية التفسير، وفي الواقع أنّ النص يتحدّث وينطق بواسطة التفسير ويكشف عمّا في داخله، وصحيح أنّ دلالة النص على المعنى يرتبط بآليّة قواعد الدلالة “Semantik” ولكن تلك العملية التي تصنع الدلالة وتنتج الثمرة هي عمل التفسير الناشيء من عمل المفسّر، فقواعد الدلالة ترتبط باللسان واللغة، ولكن التفسير يرتبط بفهم النص، ومن خلاله تؤثّر الدلالة، فلو لم يتحقّق تفسير للنصّ فلا يستطيع أي نص إظهار معناه والكشف عمّا بداخله، وبالتالي لا أحد يستطيع فهم أيّ معنى من النص دون تفسير، بل لا يمكن فهم أي كلام وسلوك عاديين للآخرين دون تفسير، وما يحدث من سوء الفهم في المكالمات ناشيء من خطأ في تفسيرها، ونحن في مقام فهم كلمات الآخرين، نضع في الواقع كلّ كلام في موقعه المناسب الذي ينسجم مع ذلك الكلام، وعلى هذا النّحو نقوم بعمليّة التفسير، فيكون فهم كلام الآخرين عبارة عن فهم لحياتهم، وتفسير كلامهم هو تفسير لحياتهم، وعندما لا نجد حسب الفرض أي اختلاف في فهم معنى “نص معيّن” فإنّ هذا الموضوع لا يعود إلى دلالة النص نفسه على المعنى وعدم الحاجة للتّفسير، بل بسبب أنّ جميع الأفراد يفسّرون هذا الكلام على نحو واحد.

التّفسير ينشأ من رؤية نقديّة
إنّ تفسير النص، ولغرض فهمه، يعتمد على ثلاث رؤى نقديّة:
1. أنّ الفهم الصّحيح للنص ممكن فقط بتفسيره.
2. يمكن تقديم تفاسير متعدّدة لكلّ نص، ولكلّ نص وجودات متعددة، وأنّ فهم معنى النص ليست مسألة بديهيّة.
3. يجب تشخيص المعنى الصّحيح للنصّ واختياره وتقديم معنى معقول له وطرح التّفاسير غير الصّحيحة والمعاني غير المناسبة.
إنّ الاعتقاد بحاجة النصّ للتّفسير يرتكز على رؤيتين انتقاديّتين: الأولى، أنّ المتن نفسه يختلف عن معناه، وأنّ المعنى لا يكون جليّاً وواضحاً، والأخرى: أنّ المعنى لا يمكنه الانفصال عن النص ولا يكون أجنبياً عنه، وأنّ المتن يمثّل فقط أساساً للمعنى مورد النظر، وهاتان الرؤيتان تمنعان التوقف على اُفق النص من جهة، وكذلك تكشفان عن سذاجة مقولة أنّ المعنى يمكن استخلاصه من النص دون تفسير وبمجرّد الاقتباس العقلي من جهة أخرى.
أمّا رؤية النص بعدّة أوجه وعدم تصور البداهة في استخلاص المعنى فإنّه يبتني أيضاً على هذه الرؤية الانتقادية، وهي أنّ مواجهة النص بشكل ساذج يمكنه أن يقود الباحث لإرتكاب هذا الخطأ، وهو وجود تفسير معين واحد للنص بوصفه التفسير الوحيد الممكن، أو توهمّ أنّ القبليّات الذهنية للمفسّر عن موضوع معين هي المعنى الوحيد الممكن استخلاصه من النص، وهذه الرؤية الانتقاديّة من جهة مانعة من تورط المفسّر في الجزمية القبليّة، ومن جهة أخرى تقود المفسّر إلى تجاوز الشكاكية والنسبية وتمنع بالتالي تصور أنّ كلّ شخص يستطيع أن يفهم النص كيف ما كان، إنّ تشخيص وانتخاب معنى معين بوصفه معنى صحيحاً وطرح التفاسير الأخرى جانباً يعتمد على هذه الرؤية الانتقادية أيضاً، وهي أنّ المفسّر ربّما يلتفت فقط إلى المفاهيم ويبتلي حينئذ بالاطلاق في دائرة المفاهيم “راسيونالسيم المفاهيم” ويغفل عن المعنى الخاص للمتن بوصفه ظاهرة “في المنهج الظاهراتي” وكذلك يمكن أن يغض المفسّر النظر عن تشخيص المعنى الواقعي للنص بسبب وجود عدّة أوجه للمعنى ويبتلي بالنسبية في المعنى، وهذه الرؤى تمنع من الابتلاء بالاطلاق في المفاهيم أو التورط في مقولة النسبية للمعنى، وتدعو المفسّر لتشخيص وانتخاب المعنى الواقعي للنص والدفاع عنه.

مقدّمات ومقوّمات تفسير النصوص
لقد طرح علماء الهرمنيوطيقا من خلال تحقيقاتهم الدقيقة في مجال تفسير النصوص وفهمها بحوثاً وموضوعات مهمّة، ونستعرض باختصار خمس مسائل أساسية تمثّل مقدّمات ومقوّمات تفسير وفهم النصوص، وهذه المسائل الخمس عبارة عن:
1. القبليّات أو المسبقات الذهنية للمفسّر (الدور الهرمنيوطيقي).
2. توقعات وميول المفسّر التي تدفعه لفهم معين للنص.
3. أسئلة المفسّر من التاريخ.
4. تشخيص بؤرة معنى النص وتفسير النص بوصفه “أمراً واحداً” يدور حول محور ذلك المركز.
5. ترجمة النص في الاُفق التاريخي للمفسّر.

1. القبليّات أو المسبقات الذهنية للمفسّر والدور الهرمنيوطيقي
إنّ المحقق في مجال تحقيق موضوع معين، ليس فقط في تفسير النصوص بل يشمل كل مسعى علمي آخر، يملك “قبليّات” أو”مسبقات فكرية” في ذهنه، واكتساب معرفة جديد، سواءً كانت نمطاً من الفهم أو نمطاً من التدوين، تقوم دوماً على أساس قبليّات ومسبقات فكرية، ويبدأ المفسّر أو المحقق باستخدامها في عمله ولا يمكنه أن يستغني عنها أبداً، وفهم هذا الموضوع يملك أهميّة كبيرة جدّاً في توضيح كيفية فهم النصوص.
إنّ أي عالم أو مفسّر أو كاتب لا يستطيع أن يخلق أفكاره ومعارفه من العدم ويصوغ آراءه ونظرياته من الصفر، فكلّ شخص إذا أراد الحصول على معرفة أكثر فإنّه يملك ـ مسبقاً ـ معرفة مجملة لهذا الموضوع، فلو لم يكن لديه أي معرفة بموضوع معين فإنّه لا توجد في نفسه أي علاقة ورغبة في فهم أو تبيين ذلك الموضوع بوصفه عمل إرادي، وبالتالي لا يتحقق أي فهم وتبيين (تعليل)، فلا توجد أي نسبة مع المجهول المطلق، ولا توجد أي رغبة وعلاقة لفهم وتبيين ذلك الموضوع، فالفهم والتبيين إنّما يكون لهما معنى فيما إذا كنّا نعرف من هذه الجهة شيئاً عن ذلك الموضوع، ونعلم من جهة أخرى أننا لا نعرف كلّ شيء ذلك الموضوع، وهذه المعرفة المركبة تمثّل نقطة البداية في عملنا، وحياتنا المعرفية تقوم على أساس مثل هذه المعارف المركبة، ويمكن توضيح هذا المعنى ببعض الأمثلة البسيطة ومثال معقد آخر:
لنفترض أنّ شخصاً أراد السفر من طهران إلى شيراز ولا يعلم في أي ساعة وفي أي يوم توجد طائرة تقوم برحلة من طهران إلى شيراز، ولكنّه يعلم بوجود خط جوي فماذا ينبغي عمله لهذا الشخص؟ إنّه يستفيد من هذه المعرفة الاجمالية ويتحرك مثلاً باتجاه محل اطلاعات الطيران في مطار طهران، أو يتصل بالخطوط الجوية في منطقته في طهران ويستعلم بشكل تفصيلي عن يوم وساعة الرحلة من طهران إلى شيراز ثمّ يسافر إلى شيراز، ولنفرض شخصاً آخر يعيش في طهران ويريد السفر إلى قرية معيّنة ولا يعلم بأي وسيلة نقلية يمكنه السفر، ولكنه يعلم إجمالاً بوجود مرآب السيارات في المدينة وبإمكانه أن يتحرك ويركب إحدى السيارات ويسافر بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تلك القرية، فماذا يعمل هذا الشخص؟ إنّه على أساس معرفته السابقة بوجود ذلك المرآب للسيارات يتصل تلفونياً ويستعلم عن وقت حركة السيارة أو الباص إلى تلك القرية، وهل توجد سيارة نقل عامة إلى تلك القرية أو توجد سيارات صغيرة لهذه الرحلة، أو يستفهم عن الطريق إلى تلك القرية وهل أنّ السيارة تصل إليها أو يجب الترجل منها وركوب الدواب والبغال فيما إذا كان الطريق وعراً وجبلياً، وبعد كسب هذه المعلومات يسافر إلى ذلك المقصد.
وبالإمكان استبدال هذه الأمثلة وطرح مثال معقد، مثلاً في تأليف كتاب علمي وكيف يتحرك المؤلف في مساعيه العلمية من المعلومات الاجمالية السابقة نحو المعلومات التفصيلية، وبذلك تتشكّل في ذهنه مجموعة منسجمة ومتسقة من المعارف والمعلومات، وعلى هذا الأساس فإنّ المعرفة الإجمالية والتفصيلية السابقة واللاحقة تمثّل حركة دورية وتسلسلية لتكميل هذه المنظومة المتسقة، وبهذا المثال يتبيّن بوضوح مسألة الدور الهرمنيوطيقي.
إنّ تأليف كتاب علمي يمرّ عادة بثلاث مراحل: 1. تهيئة المواد والمنابع العلمية اللازمة، 2. تقييم المواد والمنابع، 3. تأليف الكتاب، ولكن هذه المراحل لا تقع دوماً في طول أحدها الآخر ولا تكون متسلسلة، بل توجد نسبة تسلسلية فيما بينها وفي ذات الوقت تكون دورية وتعتمد أحدها على الأخرى.
ولنفترض أنّ عالماً يريد تأليف كتاب عن موضوع معيّن، فهو عادة يوفّر قبل كلّ شيء المصادر والمواد الأوليّة لدراستها ومطالعتها، ومن أجل هذا العمل يمكنه مثلاً اتباع أحد طرق ثلاث: يستطيع أوّلاً الرجوع إلى دائرة المعارف العلمية الشاملة والمفصّلة ويستخرج منها المقالات التي ترتبط بموضوعه، ويستطيع ثانياً الرجوع إلى مكتبة تحتوي فهرست موضوعي ويطالع هذا الفهرست الموضوعي ويختار من بين الكتب والمجلات العلمية في تلك المكتبة الكتب والمقالات التي ترتبط بذلك الموضوع، وكذلك يستطيع ثالثاً الذهاب إلى مكتبة فيها كتب ومجالات مرتبة على أساس الموضوعات ويختار منها الكتب والمقالات المفيدة لعمله، وبعد أن يطوي هذه المراحل الابتدائية تبدأ إحدى المراحل الهرمنيوطيقية في تأليفه لذلك الكتاب وتمثّل المرحلة الاُولى من الدور الهرمنيوطيقي، وذلك أن يقوم هذا العالِم بقراءة تلك الكتب والمجلات المختارة عن ذلك الموضوع ويطلع أكثر على تفاصيل ذلك الموضوع ويحصل على معارف جديدة، ثمّ ومن خلال هذه الحصيلة العلمية، التي تعتبر بمثابة قبليّات معرفية، يقوم بمطالعة كتب أخرى والاطلاع على معارف جديدة من شأنها الإجابة عن الأسئلة التي اُثيرت أمامه بسبب المطالعات الأوليّة عن ذلك الموضوع، وهكذا يستمر في مطالعة الكتب الجديدة التي يحصل عليها إلى أن يحيط نسبياً بكافة جوانب الموضوع وأبعاده المختلفة، وربّما يفتح هذا الشخص وفي أثناء بحثه وتحقيقه، هذا الموضوع مع علماء آخرين ويحصل على معلومات أخرى، وهكذا تتراكم المعلومات لدى هذا الشخص، ففي البداية يملك حصيلة إجمالية عن الموضوع مورد البحث ويتحرك أوّلاً على مستوى مراجعة الكتب والمقالات المختصة ويحصل منها على معلومات جديدة، وبهذه المعلومات تتسع وتتكامل معارفه وقبليّاته الذهنيّة، ثم يتحرك بهذه المجموعة الجديدة من المعلومات لمطالعة مصادر جديدة ويضيفها إلى معلوماته المسبقة ويستمر بهذه الطريقة إلى أن يصل إلى مرحلة من المعرفة الكافية وتكون له احاطة نسبية بجميع جوانب الموضوع، ومعلوم أنّ هذه الطريقة تتضمن حالة “دورية” وتتحرك من خلال “الذهاب والإياب” في عملية الدور الهرمنيوطيقي لهذه المرحلة.
المرحلة التالية لعمل هذا العالِم: التقييم والانتخاب، وأحياناً اختزال تلك المجموعة المتراكمة وتلخيصها، وفي هذا المرحلة يوجد أيضاً دور هرمنيوطيقي، فهذا العالِم وبعد أن يستوحي نتيجة أوليّة من مجموعة المنابع الموجودة لديه، يحصل له تصوّر تفصيلي عن الموضوع الذي يريد تأليفه، وعادة يعود مرّة أخرى إلى تلك المنابع ويقرأها بدقة ويختار منها عناوين محددة ترتبط تماماً بالموضوع الذي يريد كتابته، وهكذا يركز عمله عليها لغرض تكميل معلوماته عن ذلك الموضوع وبعناوين خاصة ويراجع في ذلك منابع جديدة، وربّما تستمر هذه الحركة من الذهاب والإياب عدّة مرّات ويتحرك في هذا الشأن من دائرة أصغر إلى دائرة أكبر وبالعكس.
وفي المرحلة الثالثة، وهي مرحلة كتابة الكتاب، يكون قد انتهى من الدور الهرمنيوطيقي، وهكذا نرى أنّ تأليف كتاب معيّن يتضمّن عادة عدّة مراحل، ففي المرحلة الاُولى يوفّر الكاتب في ذهنه مجموعة من الخطوط العريضة واُطروحة كليّة للكتاب، وفي المرحلة الثانية يكتب مسودة لذلك الكتاب، وبلا شك أنّ هذه المرحلة تعدّ أهم وأصعب مراحل تأليف الكتاب، ولهذه المسودة مقدمات أيضاً، والمؤلف عادة لا يكتب الفصل الأوّل من الكتاب بصيغته النهائية ويكتب الفصول اللاحقة كذلك، بل إنّه يكتب كلّ فصل من الكتاب والفصول اللاحقة له في مراحل متعددة، وعادة تكتب المسودة مرّة واحدة ويعاد النظر لها مرّة أخرى ويضيف المؤلف إضافات عليها أو يحذف منها بعض الأمور، وفي المرحلة الثالثة من تأليف الكتاب يدقق الكاتب مثلاً في التواريخ والنصوص التي يستشهد بها ومصادر الكتاب التي استفاد منها، وفي المرحلة الرابعة يتحرك على مستوى رؤية الانسجام المنطقي والصياغة البلاغية لمجموع الكتاب، وبذلك يتمّ تأليف الكتاب في عدّة مراحل من الذهاب والإياب.
ومع قليل من التأمّل يتبيّن أنّ هذا الذهاب والإياب يعود إلى أنّ كلّ فصل من الكتاب إنّما يكون له معنىً مقبولاً فيما إذا اتسق مع مجموع مضامين الكتاب ويؤخذ كل فصل منه بما ينسجم مع ذلك المجموع الكلي، وبالرغم من أنّ تأليف الكتاب يبدأ عادة من الفصول الاُولى وينتهي بالفصل الأخيرة ولكن مضمونه وشكله النهائي يرتبط بالفصول الأولى وبما ينسجم مع مجموع الكتاب، وتتجلى هذه الحقيقة أكثر من أي وقت آخر عند كتابة مقدمة الكتاب، فلا أحد من الكتّاب المنهجيين بإمكانه أن يكتب مقدمة لكتاب قبل إتمام تأليفه، فالمقدّمة رغم أنّها تقع في بداية الكتاب ويقرأها القارىء قبل مواضيع الكتاب إلاّ أنّ هذه المقدمة ترشده إلى مضامين الكتاب، وهذا يعني أنّ كتابة المقدّمة تتوقّف على كتابة ذلك الكتاب بشكل نهائي، والعلّة في كلّ هذا الذهاب والإياب في عمليّة تأليف كتاب معيّن هو أنّ تأليف كتاب، رغم أنّه يمثّل إبداعاً وخلقاً لعمل معيّن، ولكن هذا الإبداع في الحقيقة عبارة عن الفهم التّدريجي لـ “اُطروحة” الذي يتزامن مع وجودها بشكل تدريجي في الواقع الموضوعي.
وما يقع في تأليف كتاب معيّن يقع أيضاً في عمليّة فهم النّصوص، فلا يوجد نص من شأنه أن يفهم “مرّة واحدة” ودون مقدّمة، أودون التحرّك من مرحلة إلى مرحلة أخرى وتكميل الفهم السابق والانتقال إلى فهم جديد في المرحلة التالية وذهاب وإياب وطي مراحل مختلفة في عملية فهم النص، فهناك دوماً قبليّات ومفروضات ذهنية في ذهن قارىء النص، ومن شأن قراءة النص إضافة معلومات جديدة إلى تلك القبليّات، وهكذا تتسع المعلومات وتتراكم وتتضخم، وتكون هذه المعلومات مقدمة لمفاهيم لاحقة، ومن أجل فهم نص معقد يحتاج الإنسان إلى ذهاب وإياب أكثر، ومن هذه الجهة فإنّ هذا النص مورد المطالعة والتحقيق مرّات عديدة، وفي كل مرّة من هذه المطالعات تختلف القبليّات والمفروضات الذهنية عن السّابق ويتحرك الباحث باستمرار من دائرة إلى دائرة أخرى.
الحقيقة الأخرى التي تستدعي وجود “القبليّات في الفهم” لغرض فهم جديد للنص أنّ كلّ فهم يبدأ من سؤال، والسؤال لا يمكن أن ينشأ من فراغ ودون “قبليّات ذهنية”، فالشّخص الذي يريد أن يفهم نصاً معيّناً فإنّه في الواقع يبحث عن شيء، ويبحث عن ضالة، والشخص الذي يروم التحقيق فإنّه في الواقع يسأل، والشخص الذي يسأل ينبغي أن يعرف عمّ يسأل، فلو لم يملك قبليّات عن هذا السّؤال فلا يكون للسّؤال معنى ولا يكون للسؤال وجود، فلا أحد يسأل عن المجهول المطلق، وفي الحقيقة أنّ نقطة البداية للمعرفة لا تكمن في السؤال بل في القبليّات الذهنية الموجودة عن ذلك السؤال، وهذا القبليّات لا تنحصر في السؤال بل في “المسؤول” أيضاً، فالسائل يجب أن يعلم أنّ الشخص أو النص مورد السؤال يملك أجوبة عن ذلك السؤال، وهذا بذاته يمثّل قبلية أخرى.
وأيضاً فالسائل إنّما يمكنه طرح السّؤال فيما لو قبل بـ “نظريات لسانية” معيّنة، والأسئلة لا تطرح في فراغ، فهي تملك بنية دلالية لسانية يستفاد منها في تعيين السؤال، والسائل إنّما يستطيع طرح سؤاله فيما لو امتلك نظرية لسانية معيّنة وامتلك قبليّات وفرضيّات ذهنية معيّنة، ومن هذه الجهة يجب أن يكون لسؤاله معنى، وهذا المعنى لا يمكن دون توفّر نظرية لسانيّة.
إذن فالسؤال يجب على الأقل أن يكون مسبوقاً بعدّة قبليّات في الفهم: أحدها: ما يتعلق بذات السّؤال، والقبليّة الأخرى، تتعلق بالشّخص أو النص مورد السّؤال، وقبليّة تتعلق بلغة السّؤال، أضف إلى كلّ ذلك فإنّ السّائل يجب أن يعلم من أي منطلق معرفي ينطلق في طرح سؤاله، وما هي حدود تلك المعرفة التي يدور السّؤال في دائرتها؟ وما هي الأمور التي يمكن السّؤال عنها، وما هي الأمور التي لا يمكن السّؤال عنها؟ وإجمالاً ما هي الأمور الخارجة عن دائرة ذلك العلم حتى لا يسأل عنها، وهنا يوجد توقّع ضمن السؤال، التوقّع الذي ينتظر السائل الجواب في دائرة ذلك العلم المنظور.
وقد نرى من اللازم إلفات النظر إلى هذه النقطة المهمّة، وهي أنّه على الرغم من عدم إمكانية حصول فهم دون قبليّات ومسبقات ذهنية، ولكن المفسّر ربّما يتصوّر أنّ قبليّاته ليست فقط مقوّمة للفهم بل يعتبرها “مركز معنى النص” وبالتالي لا يكون عمله التفسيري صحيحاً، ويتوقف عند اُفق المتن أو يقوم بتحريف معناه، فالوقاية من هذه الآفة يرتبط بمقدار خلوص التفسير وكماله.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق