القرآن، الكتابة، السّلطة

قد لا يرجع تخيّر الكتابة في المجتمعات القديمة أداة تواصل، إلى قيمتها الذّاتيّة أو إلى نفعيّتها فحسب، وإنّما إلى السّلطة بالمعنى الواسع للكلمة، وصلتها بأحكام الكتابة وتدابيرها وتراتيبها. ولعلّ أخذ هذه “المصادرة” بالاعتبار ممّا يجعلنا نعيد الّنظر في وظيفة الكتابة في المجتمع العربيّ الإسلاميّ في القرون الثّلاثة الأولى للهجرة، فاحتفاء القرآن بالكتابة وأدواتها بدءا من سورته الأولى ” العلق”، قد يكتنه في سياق هذه السّلطة سلطة الكلمة المكتوبة لا الكلمة الشّفهيّة.

وربّما كان النّصّ (القرآن) منذ لحظة حدثانه الأولى بشارة بمجتمع كتابيّ ذي طبيعة سياسيّة تختلف عميقا عن طبيعة المجتمع الجاهلي. وربّما كان موقفه من الشّعر والشّعراء محكوما بنظرة كتابيّة تقف على النّقيض من النّظرة الشّفهيّة، ولكن دون أن تقطع صلتها بها قطعا تامّا. ذلك أنّ الكتابة من حيث صلتها بالنّظر -وهو الحاسّة الأثيرة أو الأرقى في “النّصّ” [القرآن] كما تدلّ على ذلك غير سورة وآية – قد تكون أكثر روحانيّة من الكلمة الشّفهيّة التي تتوجّه إلى الأذن.

ومن المفيد في هذا السّياق أن نذكّر بأنّ مصطلح “الكتاب” يختلف عن قرينه “المصحف”، ولابدّ أن نميّز هذا من ذاك. فـ”الكتاب” ليس إلاّ “الكتابة الوحي” أو “الكتابة الإلهيّة”. وليس بمستغرب من القرآن وهو يعلن منذ سورته الأولى “العلق”، هجران عالم الكلمة الشّفهيّة التي التبست بالشّعر وشياطينه، أن يحتفي بـ” كتاب غير مكتوب” (القرآن وهو يوحى)، وأن يتوسّل بما تتوسّل به الكلمة الشّفهيّة وهي تتأدّى دون حامل مرئيّ محسوس ودون مادّة. و”الكتاب ” بهذا المفهوم تصوّر لكتابة متحرّرة من كلّ جسمانيّة سواء أكانت “أيقونيّة” أم قوليّة؛ فهي كتابة “غير مرئيّة” مفصولة عن الجسم متجرّدة من المادّة. وهي على “خرسها” أو “صمتها” الظّاهر ـ وقد انتظمها المصحف، وجعل منها “النّصّ”، مناط سلطان التّوصيل والتّبليغ والنّقل والتّحويل ـ تتأدّى أبدا على أسّ من التّواطؤ، تواطؤ الكتابيّ والشّفهيّ. وليس مردّ الأمر إلى أنّ القرآن نصّ مقروء مسموع أبدا فحسب، وإنّما إلى ناحية في رموز الحافز المرئيّ، هي -على بساطتها- من الخفاء والدّقّة، حتّى لتندّ عنّا: فالمظهر اللاّفت في هذه الرّموز إنّما هو طبيعتها الصّوتيّة أو الإملائيّة. ولا يخفى أنّ تعرّف الكلمة تعرّفا مرئيّا يجري عبر تحويلها إلى هيئة صوتيّة أي إلى “الصّوت الباطني الخافت”، أو ما يمكن أن نسمّيه “التّصويت الباطن” حيث تتوحّد الكتابة الطّبيعيّة مباشرة بالصّوت والنّفس، وتحصل القراءة أو (التّلاوة) على أساس من تحويل الاستدلال الإملائيّ إلى كلام باطنيّ، وتتحقّق مطابقة الكلمة بوساطة إجراءات قائمة في تنصّت الكلام. وهكذا فإنّ إعادة التّرميز الصّوتيّ تنطوي على تحويل الرّمز الإملائيّ إلى رسم صوتيّ، بتطبيق قواعد التّراسلات مابين الحروف والصّواتم.

إنّ العلاقة بين الكتابة والشّفهيّة أو بين القراءة والسّمع وثيقة جدّا في كلّ اللّغات، ولعلّها أشدّ وثاقا في لغة مثل العربيّة حيث يتأدّى المكتوب أو “يحكى” بصوت خفيض أثناء القراءة، بما يتيح تشكيل “حركة” الشّفهي ّ المدوّن، و”إيقاعه” و”نفَسه” من جديد. ومن دون ذلك يتعذّر الفهم. بل ربّما تعذّر القول ـ على ضوء هذه الطّبيعة الصّوتيّة الإملائيّة ـ بكتابة خالصة أو مثاليّة، فالكتابة لا تُدرك إلاّ صوتيّا.

لعلّ تواطؤ الكتابيّ والشّفويّ أن يكون خير سند لما نحن فيه من أمر سلطان الكتابة، شريطة أن نعاينه بمصطلحات التّأثير لا التّأليف، على نحو ما نلمسه في نظريّة جاك غودي وهي النّظريّة التي تعنى بدور التّفكير الخطّيّ في تاريخ الكتابة. فإذا كان للكتابة من سلطان فمردّه إلى العقليّة الخطّيّة التي أملتها على اللّّغة وألزمتها إيّاها، لأنّ الكتابة ليست مجرّد تسجيل محكيّ للكلام، وإنّما هي طريقة في تناول الأشياء والموضوعات توطّئ أشكالا من النّشاط اللّغويّ مخصوصة، وتتعهّد طرقا في وضع المشاكل وحلّها. وهي التي تروّض” العقل المتوحّش ” وتوفّر علينا أدوات تأنيسه، من جداول وبيانات ورسوم…

وأمر الكتابة عند غودي من أمر الأبجديّة، وأثر هذه بمحتلف أشكالها في تنظيم الحياة الاجتماعيّة وأنظمة المعرفة، من أثر تلك. فوجود الأبجديّة يغيّر من نمط المعطيات التي نأخذ بها، في مسألة من المسائل مثلما يغيّر من نسق المناهج التي نعتمدها في معالجة هذه المعطيات، إذ يركّز إمكانات التّنظيم السّمعيّة وقدراته، ويزوّدنا بأصول ترتيب أكثر نجاعة وجدوى من حيث التّحديد والتّقسيم وشدّ الرّوابط وعقد العلائق وردّ الأشياء على اختلافها إلى طبقات وأنواع وطوائف وأجناس. والكتابة تزوّد أنظمة التّرتيب والتّصنيف الأكثر حذقا ومهارة، والرّاجعة إلى الثّقافات الشّفهيّة، ببنى ومخطّطات مختصرة. وغالبا ما يؤدّي ذلك إلى تثبيت قول (ملفوظ) بقرينة دالّة أو بسياق مخصوص، في نظام من المعارضات، ثابت لا يتغيّر؛ إذ يتسنّى بهذا الصّنيع، أن نختزل دلالة الشيء أو حقيقته نسبة إلى ملاحظه. ولكنّ ذلك كثيرا ما يحجب على فهم إطار فاعله المرجعيّ حقّ الفهم. وهذا ممّا يفسّر، في نظر غودي، التّعارض القائم بين “الكتابيّ” و”الأمّيّ” أو بين العارف بالكتابة والجاهل بها، وقدرة الأوّل على التّأثير في الثّاني وإثارة الاضطراب في ثقافته، ناهيك عن التّحكّم فيه.

فإذا كانت اللّغة تشرخ الوحدة الطّبيعيّة وحدة العالم المدرك، أو هي تملي عليها بنية أخرى، بسبب من الصّواتم والكليمات وعناصر الكلام الأخرى المنظّمة كلّها بطريقة متقطّعة؛ فإنّ الكتابة هي التي تجلو هذا التّقطّع وتجسّمه وتوضّحه، وهي تضفي عليه بعدا فضائيّا مرئيّا يسمح بإخضاعه فيما بعد لترتيبات وتنسيقات توافقيّة أو احتماليّة. ولم يكن ذلك ليتسنّى إلاّ بواسطة فضاء الكتابة الذي يجلو تصوّرا بنائيّا للّغة، وهو يسبغ على فضاء الصّور طيف الأبجديّة الصّوتيّ. والكتابة في نظر غودي، تطوير لهذه السّيرورة التي يعتبرها معرّفا للّغة، ويسمّيها “التّصوّر الرّمزي” مقابل التّصوّر “الأيقوني” أو التّصوّر القائم على إدراك المتماثلات.

إنّ سلطان الكتابة ـ وهو من سلطان الأبجديّة ـ مثير حقّا، فالكتابة لا تغيّر التّعبير الشّفهيّ ولا تتشرّبه فحسب، وإنّما هي تراقب أيضا الفضاء الخطّي وتتحكّم فيه. فحيال السّطور التي نضّدها الكلام وقد تقيّد وتحوّل إلى مرئيّ، ينضبط النّظر ويتخلّى عن حرّيته. والكتابة ـ من هذا المنظورـ كابح ورقيب إذ تعقل النّظر؛ ولكنّها توسّعه من منظور آخر (إبداعيّ) وتحفظ عليه حقّه في أن يلمح الاتّساق في “بابل الفوضى”، والأبد من ثنايا الزّمن؛ بل ربّما جعلت همّه أن يحوز الأشياء ويبسط سلطانه عليها.

ولعل النّص القرآنيّ أن يكون خير مثال نصدر عنه في تحليل هذا البعد والقرآن يقدّم نفسه من حيث هو كتاب أو كتابة مفارقة مصدرها الوحي. ولا نخال أن هناك من يجادل في أثر هذه الكتابة في العرب أو يهوّن من سلطانها عليهم، برغم أنّ الكتابة لم تكن شائعة ذائعة في بيئة هؤلاء العرب القدامى. وموقف الدين ناهضوا، منهم، الدّعوة الإسلاميّة أو تحفّظوا عليها، قد يضمر رفضا لقيم “الكتابة المقدّسة “خشية أن تتحكّم في عالمهم الخاصّ أكثر منه للمكتوب في ذاته. ومن هذا المنظور فإن سلطة القرآن من حيث هو “كتابة” تكمن في قيمة الكتابة الاجتماعيّة. وهي قيمة لا تتعلّق بأفراد يعرفون الكتابة أو لا يعرفونها، وإنّما بمجتمعات كتابيّة أو غير كتابيّة، ممّا يسوق إلى القول بحضور تقليد كتابيّ أو بغيابه.

والأمر موقوف على بحث عميق في مختلف التّحولات الّتاريخيّة التي أفضت إلى استيعاب أنظمة الكتابة وتطويرها من جهة، وفي أوجه التفّاعل بين ثقافة شفهيّة وثقافة كتابيّة، من أخرى؛ خاصّة أن السّجلاّت الشّفهيّة والسّجلاّت الكتابّية،غالبا ما تتجاور وتتحاور في الثّقافة الواحدة. غير أنّنا قد نجانب الصواب إذا اعتبرنا هذه التّقاليد مختلفة أو هي غير مؤتلفة، فثمّة تفاعل قائم بين الشّفهيّ والكتابيّ، يبين عنه أكثر من سجلّ وأكثر من أسلوب، حتى في المجتمعات القديمة حيث عامّة النّاس لم تكن تقرأ ولا هي تكتب، ولكّنها تشارك وإن ضمنا، في سنّ التّقاليد وفي تناقلها.

والمجتمع العربيّ الإسلاميّ مثال دالّ على ما نحن فيه، حيث كانت الكتابة والقراءة مقصورتين فيه على الخاصّة أو تكادان، حتّى في المسائل والنّصوص الدّينّية التي هي -فيما يفترض- من القواسم المشتركة بين الخاصّة والعامّة. ذلك أنّ الإسلام من حيث هو ديانة كتابيّة وسم شتّى رؤى العالم أو رؤى إدراكه عند سائر المسلمين، لا خاصّتهم فحسب، وإنما عامّتهم أيضا ممّن عرفوا القراءة والكتابة أو لم يعرفوهما. فقد استأثرت مفردات الدّيانة الكتابيّة بجوانب من حياتهم الاجتماعّية والثّقافية. ولم يكن الأمر ليتعلّق بمحتوى الدّين أو بجملة مقاصده وأوامره ونواهيه فحسب، وإنّما بالمظهر الكتابيّ فيه أيضا. فقد كان حضور الكتابة يضفي من نفسه، على الفروض الدينّية بنية مخصوصة وكأنّه مصدر الحقيقة المطلقة. ومثال ذلك الآيات القرآنيّة المرسومة في جدران المساجد أو المنسوجة في زيّ المحارب أو المحفورة في الخشب أو المعدن. فالكلمة المكتوبة هي الكلمة المنطوقة ذاتها. والقرآن مقروء مسموع أبدا، حتى في فنّ مثل فن ” التّوريق” (الأرابيسك) محكوم بهندسة فراغيّة وبعقليّة رياضيّة دقيقة، فلم يكن كله تجريديّا خالصا. وإنّما هو يمتلك، مثل أيّ منتوج ثقافيّ وجها مجرّدا من الجسمانّية.

ولعلّّ الأبجديّة المستخدمة فيه ممّا يؤكد هذه الصّلة الحميمة بين الكلمة منطوقة والكلمة مسموعة. فهي كتابة “لا نموذجية” أو”لا قياسية”،أو هي أسلوب في الكتابة خاّص أو ضرب من هندسة الكتابة. ولها من القدرة مثلها مثل أيّ أسلوب، ما يمكّنها من تدّبر أيّ شكل من أشكال التّجسيد سواء أكان مرئيّا أم مسموعا، ومن إضفاء بنية مخصوصة عليه؛ قد تكمن دلالتها في متعة تجميع الحروف وغيرها من العناصر النّباتيّة والأشكال الهندسيّة، مستفرغة -على ما يبدو- من أي همّ إبلاغيّ، أو أنّ موضوعها الرّئيس هو كشف عالم غريب سرّيّ هو ليس عالم الكلام أو اللّغة؛ فقد يكون عالم المطلق الإلهيّ .وقد يكون مجلى روح الكتابة ذاتها أو جوهرها أي الكتابة التي لم تخلص في ثقافة العرب المسلمين، بحكم ارتباطها الوثيق بالقرآن، من المثال الأنطولوجيّ ولا هي سلمت منه.

فهذا الفنّ فنّ الّتوريق “القابل للقراءة” من حيث هو كتابة يمكن أن نتقفّاها حرفا حرفا، -وهو”غير مقروء” في حقيقة أمره، إذ لا رابط من شكل أو من معنى يمكن أن يجمع حرفا إلى عنصر نباتيّ أو إلى شكل هندسيّ ـ يتمّثل أسّ الكتابة المادّيّ، وهو أسّ الرّسم والنّقش والتّصوير ذاته. ولذلك يمكن أن نعّده فنّا “أيقونيّا”. و لكن ليس بالمعنى المسيحيّ حيث الحفر في الخشب أو في المعدن يمثّل مشهدا دينيّا. فوظيفته ليست تعبّديّة وإنّما هي جماليّة تخييليّة تتأدّى في سياق مراوحة دؤوب بين أشكال شفهيّة وأخرى كتابيّة.

فلعل هذا التّواشج بين الشّفهيّ والكتابيّ، وهو من المظاهر اللاّفتة في ثقافة الإسلام، أن يكون محكوما بسلطة الكتابة الاجتماعيّة، خاصّة أنّه يوسّع من مجال التّخاطب، في المتخيّل الإسلاميّ، ليشمل البشر والقوى أو الكائنات الغيبيّة معا. وهو تواشج يؤكّده التّقليد الذي جرى عليه المسلمون، في حفظ القرآن المكتوب واستظهاره؛ لأنّه مثل الشّعر، غالبا ما كان يقوم مقام الشّاهد أو الدّليل في التّخاطب الاجتماعيّ العامّ. وكأنّ فهمه أو الاستدلال به ما كان ليتيسّر إلاّ في سياق من استظهاره أي من شفهيّته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This