القراءة بمقدار الحاجة إلى المعرفة

لا تغيب الشكوى من أزمة نشر وانتشار الكتاب العربي عن الواجهات الإعلامية العربية، بمناسبة ومن دون مناسبة؛ وفي كل مرة يتم عرض الإحصائيات التي تؤكد على الفارق المخجل والمخزي بين حجم الطباعة العربية ومثيلاتها في أغلب دول العالم، بما فيها شبيهاتنا من الدول المتخلفة، أو دول العالم الثالث. وينتصب السؤال الدائم المخجل: لماذا العرب في الدرك الأسفل في مستويات النشر والطباعة، مع أنهم أصحاب ثقافة وحضارة؟! والخجل المتأتي من هذا السؤال نابع من كون هذا الفارق يدل بشكل حاسم على تخلف العرب وجهلهم، قياسا بغيرهم من الشعوب الراهنة، مما يُصعّب على المثقفين العرب نكران الإقرار بحقيقة هذه المشكلة التي تحولت إلى أزمة مزمنة.

فهذه المشكلة لا تصلح معها المواربات الديماغوجية ليحولها بعض مثقفينا، كغيرها من المشكلات، إلى ميزة، أو ليحيلوها إلى خاصية يفضّلون بها أنفسهم وشعوبهم على الغير، خاصة الغير الغربي. فهؤلاء اعتادوا أن يبرروا “لنا” تخلفنا الاقتصادي والصناعي والمادي عموما بحجة أننا، كشعوب، نتعفف عن السعي في هذه المجالات بسبب اهتمامنا بروحانيات الحياة. إلا أن منطقهم هذا يتقوّض أمام موضوع الكتاب والمطبوعة، كونه ليس من ضمن النشاطات المادية، فيعزون الإشكالية إلى غزو ثقافي أو عولمي غربي، أو إلى سياسات سلطوية ممنهجة.

إلا أن سياقات عرض هذه الشكوى غالبا ما ترفق بتساؤلات وإجابات ثابتة تحيل المشكلة لعدة أسباب تفصيلية، كارتفاع سعر الكتاب أو المطبوعة قياسا بقدرة القارئ العربي الشرائية، أو لانصراف هذا القارئ عن المطبوعة الورقية بسبب انتشار الإعلام الفضائي والانترنت، أو تردّها إلى عدم قيام الحكومات العربية بدورها في دعم النشر والطباعة، هذا إن لم تضع العراقيل بما تفرضه من رقابة على الطباعة أو على انتقال المطبوعات بين بلدانها، متجاوزة هذا الحد أحيانا لممارسة مضايقات عنيفة على الكتّاب والناشرين. وقد أضيفت مؤخرا أسباب أخرى للمشكلة تتعلق بضعف تنظيم عملية التوزيع وسوء إدارة هذه العملية، أو تخلّف العملية الإعلانية.

ولئن كانت كل هذه الأسباب تشكل بالفعل إعاقة حقيقية أمام نمو وتطور الطباعة والنشر العربيين، فإنها جميعها لا تقبض على الجوهر الحقيقي للمشكلة. فدخل الفرد في بعض البلدان لا يعيقه عن شراء الكتب، إضافة لوجود الكثير منها بسعر زهيد في جميع الأسواق، خاصة إذا ما أضفنا توفر أسواق للكتب المستعملة، وإذا ما لحظنا أن الكثير من المطبوعات الصحفية زهيدة الثمن؛ كما أن بعض الحكومات في غير بلد عربي بذلت جهدا ودعما مهمين في هذا الموضوع.

هذا وقد بدأت مؤسسات نشر عربية عديدة تعتمد أساليب متطورة في تقنية الطباعة والترويج لمنتجاتها وتسويقها عبر قنوات ووسائل حديثة. إلا أن كل ذلك لم يفلح في تحسين أرقام النشر والطباعة، بل لم يوقف تدهورها المتواصل في أي من البلدان العربية التي تتشارك جميعها بلا استثناء في هذه المشكلة، بما في ذلك لبنان الذي كان يُعتبر منذ بعض الوقت، متقدما على غيره في هذا المجال. وهذا ما تبيّنه جميع الإحصاءات وتقارير القيّمين على النشر.

ونظرا إلى أن حال التردي هذه لا تقتصر على الكتاب فقط، وإنما تشمل جميع صنوف المطبوعات العربية (الورقية والالكترونية) من صحف ومجلات ودوريات وغيرها، فقد استنتج بعض الناظرين للموضوع أنها أزمة قراءة أكثر منها أزمة نشر. أي أنها واقعة في جانب المستهلك وليست عند منتج المطبوعة، إن كان ناشرا أم كاتبا. لكن بعض أصحاب هذا الرأي غالى في موقفه لحدّ اعتبار أن الشعوب العربية هي شعوب غير قارئة، أي أن إحجامها عن القراءة سمة متأصلة عندها، فهي لا تشعر بحاجتها إليها لاعتمادها المشافهة في تناقل المعرفة والثقافة والمعلومة.

إلا أنه لا يمكننا الارتكان إلى مثل هذا الحكم المتعسف. فالكتب والمطبوعات ليست ضربا من الفن أو النشاط الثقافي، كالمسرح أو الموسيقى أو الباليه أو الشعر أو السينما أو الرقص، الخ، حتى نقبل بإمكانية تجاهله أو تجاوزه أو استبداله بآخر حسب كل شعب أو جماعة أو عصر. فالمطبوعة حاجة معرفية، بل هي أهم مصدر للمعرفة التي يحتاجها كل إنسان، خاصة في هذا العصر، لكي يتمكن من التقدّم بذاته وبمجتمعه ولكي يرتقي بإنسانيته. أي أننا لا نستطيع التسليم بأن شعبا لا يحتاج القراءة ويمكنه الاستغناء عنها. كذلك، فإن كانت المشكلة هي مشكلة قراءة، وهي كذلك، فلا يمكن اعتبارها، ربطا مع هذه المكانة للمطبوعة، إخفاقا للشعوب العربية في مواكبة شروط العصر، بل إن الفشل في هذا الموضوع هو فشل النخب الثقافية والسياسية العربية، وليس فشل الشعوب. هذه النخب هي التي فشلت في ترويج بضاعتها، فمهمة نشر الكتاب والثقافة هي مهمتها وليست مهمة العموم. وما استمرار تأزم هذه الإشكالية إلا نتيجة لعدم اعتراف هذه النخب بفشلها، وفي إحالتها المشكلة إلى الشعوب، أو إلى الحكومات، أو إلى الغرب الغازي بثقافته الاستهلاكية.

سأتجرأ وأقول إن الأمر يتعدّى كونه فشلا نخبويا ليصل إلى حد الخيانة النخبوية. فهذه النخب لم تشأ يوما ترويج المعرفة، بل أرادت احتكارها وإبقاءها بعيدا عن مستهلكها الحقيقي. فاستأثرت لنفسها بكامل حق التصرف بهذه البضاعة، حين جعلت من القراءة فعلا ثقافيا، بعد أن جعلت من الثقافة فعلا نخبويا. فشكّل هذا أحد أسباب إعراض العامة عن القراءة كي لا يُتهموا بتجاوز حدودهم والتطاول على حرفةٍ غير حرفتهم وعلى أسيادهم في المعرفة. حتى وصل الأمر إلى التهكم على الفرد من العامة إن حمل جريدة أو قرأها على أنه “يتثقف”، ليسارع فيتبرّأ من ذلك. مع أن بعضا من مثل هذا التهكم والتبرؤ إن دار بين أطراف من العامة فيكون المقصد منه السخرية من تفاهة المثقف وعدم جدواه وفاعليته. وهذا ليس نتاج العامة، بل نتاج النخبة التي روّجت أن كل ما يتعلق بالجريدة هو شأن ثقافي، وأن لها أهلها من المثقفين الذين يميّزون أنفسهم شكلانيا بحملهم الصحف، والذين كرّسوا في أذهان الناس، وفي أذهانهم هم، أن الجريدة منبر معرفي وثقافي، وليست وسيلة إخبارية مطلوب منها أن تحمل كل صنوف الأخبار والمعلومات إلى كل فئات وصنوف الناس.

الخيانة هنا هي في عدم إنجاز هذه النخب لمهامها النهضوية التي ادعتها. فبدل أن تجعل من المعرفة حاجة ضرورية للجميع، أقامت فصلا وجوديا واسعا بين حقل المعرفة والثقافة وبين عموم الناس. وقد جاهدت هذه النخب كثيرا لتمييز المثقف عن العامة، حين أفردت آلاف الصفحات والساعات لمناقشة تعريف “المثقف”، ووضع شروط المهنة “المثقفاتية” لتشكل المقاييس التي تتحدد على ضوئها صفة شخص ما إن كان مثقفا أم لا! وهذا فعل إرادي تقوم به هذه النخب لتبقى مسيطرة على مواقع السيادة المعرفية، نابع من خوفها من انكشاف ادعائها النخبوي، كونها لم تصل إلى موقعها عن طريق الاصطفاء الطبيعي.

القراءة فعل معرفي وليست هواية أو وسيلة لتهدئة الأعصاب المتعبة قبل النوم. وما لم تكن المعرفة حاجة، فليس للقراءة أدنى أهمية عند الشخص. والفعل المعرفي نشاط فردي بامتياز، فإن كان الشخص مجرد عضو في جماعة ولم يتحول إلى فرد مستقل عنها بخياراته وإرادته، فلن يحتاج للمعرفة.

والنخب العربية لم تفعل شيئا لتكريس الفرد العربي، بل إنها لا تعترف بوجوده، حيث يكون له كامل الحق والحرية باختيار أو ابتكار نمط حديث أو جديد أو مغاير لحياته أو تفكيره، عمّا أقرته له هذه النخب رغما عن إرادته. بل إنها تجاهد وتقاتل بكل السبل للحيلولة دون تمكّن الشخص العربي من أن يكون فردا له كيانه الحر المستقل بعلاقته بجماعته وقومه، وتحرّم عليه أدنى اختلاف معها عبر اتهامه بالخروج عن الجماعة وعن إرادة الأمة أو مصالحها أو طبائعها أو تاريخها أو دينها… الخ. فالبدعة مازالت حراما، ليس في إطار الدين فحسب بل حتى في أبسط الأمور وأكثرها شخصية، كالملبس أو المأكل أو الذوق وغير ذلك. والقراءة تحتل على هذا الصعيد مركز الصدارة كونها من أهم مصادر البدعة، فهي إذ تقدم للقارئ اطلاعا واسعا على تجارب الآخرين وأفكارهم، وكذلك على صعلكتهم، فإنها تحرضه على الأخذ بغير المعتاد والسائد.

استنادا إلى كل هذا، لا أرى في المدى المنظور إمكانية حل لأزمة النشر والقراءة. والأرقام الدالة عليها لا يمكنها أن تنخفض كثيرا حتى مع توفر دعم حكومي للمطبوعة أو انخفاض في ثمنها، أو حتى اتساع هامش حرية التعبير والنشر. فإمكانية الحل مرتبطة بتغير الثقافة السياسية السائدة النابذة للفرد في مجتمعاتنا وبلداننا، إلى ثقافة تقوم على الإقرار بأن مجتمعاتنا مكونة من أفراد أحرار، لكلّ منهم الحق بتكوين هويته الفردية المستقلة. ومثل هذا التطور يحتاج كيما يتحقق إلى عوامل وفعاليات وأزمنة كثيرة. والأهم من ذلك فإن التصدي للقيام بهذا الحل، أو سواه، لا يمكن أن يكون إلا في كل بلد عربي على حدة، لأن أي إجراء في هذا المسار يحتاج إلى مؤسسات حكومية ومدنية محددة، ولسياسات إعلامية وتربوية وتعليمية… الخ، إضافة إلى نخبة حداثية جريئة وجدية.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق