القربنة كفعل مؤسّس للعقل الدمويّ

من العبارات المعتادة في مناسبات العزاء لدينا أن يقال لذوي الميت (البقيّة في حياتك)، أو (العمر لك)، أو حتّى (فليجعلها الله أكبر المصائب.. فداك). الجميع طبعاً يردّدون هذه العبارات عن حسن نيّة، ودون التفكير في أنها ذات منشأ عدوانيّ ودمويّ في تاريخ النفس البشرية، بل دون التفكير في معانيها، لأنّ معنى هذه العبارات هو القول لأهل الميت (لا تحزنوا فموت هذا زيادة في أعماركم)!. قد يكون هذا التوضيح فجّاً وفظّاً لأنّ الميت عزيز على أفئدة ذويه، لكنّ خلفية العبارات تكون صريحة إذا تعلّق الأمر بشخص لا يُكترث بموته؛ ففي إحدى القصص المعروفة في التراث (أنّ سيّداً في قومه قد أُصيب بمرض عضال، وكان الناس في ذهاب وإيّاب لزيارته. وعندما كان السيّد يلفظ أنفاسه الأخيرة سمعوا أصواتاً من الخارج “لقد مات عبد السيّد… سقط من فوق الشجرة وكُسِرت رقبته” فاستنشق السيد الهواء ملء صدره وهو يقول “لقد فداني الله بعبدي”). في مثل هذه الحكايات يظهر من الطبيعيّ أن يتولّى الله بنفسه عملية الفداء، حيث يقوم “بذبح/قتل” البعض لإنقاذ غيرهم، وبما أنّ الفكر الدينيّ هو فكر طبقيّ، فإنّ الذي يُضحّى من أجله في طبقة اجتماعية عليا والمُضحّى به في طبقة اجتماعية دنيا، وليس شرطاً أن تكون بين الاثنين عداوة مستحكمة، أو أن تقتضي الضرورة بقاء واحد وفناء الآخر، لكي تتمّ طقوس الفداء، بما أنّ القرار عائد (لحكمة الله وإرادته). أمّا استمرار هذه العقلية (سيّد/عبد) في التفكير المعاصر فنراه في استخدام عبارات مثل (الرئيس المفدّى)، أو عندما تُساق الجماهير لتهتف للزعيم: ( بالروح بالدم نفديك).

(تلقّى النبيّ إبراهيم الخليل في منامه أمراً بأن يذبح ولده إسماعيل فداءً لربّه، وقد اقتنع بهذا المنام ورواه لابنه إسماعيل، فقرّر الاثنان تنفيذ المشيئة الإلهية، حتى أنّ الابن لم يحاول التملّص من هذا الأمر عندما حمل الوالد السكّين ليذبحه، لكنّ الله يرسل كبشاً بواسطة ملك من السماء ليُذبح بدلاً من إسماعيل). هذه الرواية، ضمن سياقها التاريخيّ، ستكون عادية برأيي لو أُخذت بالاستفظاع اللازم حين سردها، لكن غير الطبيعيّ في الأمر أنّ المؤمنين كافّة يقرؤون هذا الحدث ببساطة خالصة كشرب الماء أو تنفّس الهواء متجاهلين في ذلك شعور الوالد والابن، ومقتضيات الطبيعة الإنسانية، وهما على أهبة الاستعداد للقيام بفعل الذبح، هذا إذا استثنينا شعور الأمّ المنكوبة بأمر إلهيّ مفروغ منه. ولكن؛ لماذا أرسل الله الكبش ليفدي إسماعيل في حين أنّ الله أمر النبيّ إبراهيم في المنام أن يذبح ابنه فداءً لله؟ تجيب الأدبيات الإسلامية: لأنّ النبيّ إبراهيم إذا قام فعلاً بفعل الذبح فستصير سنَّة لمن بعده من المؤمنين ويذبحون أبناءهم فداءً لله بدلاً من الحيوانات باعتبار الأنبياء قدوة لأقوامهم.

فحوى هذا الكلام أنّ الله بحاجة إلى القرابين، وأنّ الناس في عيد الأضحى يذبحون هذا الكمّ الهائل من الماشية في الحجّ (كرمز يتابعه المسلمون فداء لإسماعيل)، لأجل تقديم القرابين إلى الله وليس من أجل إطعام الفقراء، لأنّ الماشية الذبيحة تزيد عن حاجة أهل الحجاز في الزمن الذي تتّجه فيه الكثير من الدول نحو المجاعة والفاقة. ومن الطريف أنّ المسلمين يواصلون الفعل ذاته الموجود في ديانات يعتبرونها كفراً، إذ من المعلوم أنّ فعل القربنة بدأ مع الطور الوثنيّ، واحتلّ هذا الطقس مكانة خاصّة مقدّسة سواءً تعلّق بقربنة الإنسان أو الحيوان. وكانت القرابين في المراحل البدائية مقتصرة على الحيوانات، وعند تطوّر الإنسان وانتقاله إلى المجتمعات الحضارية والطبقية، ظهرت ظاهرة ذبح الإنسان التي زاولتها مختلف الأديان، وعلى الأغلب كانت تشمل العبيد والجواري الذين يُدفنون مع الملك أو الملكة ليواصلوا خدماتهم في العالم الآخر أيضاً، وهذه الظاهرة دارجة في الديانة المصرية القديمة. ومن المظاهر التي كانت شائعة لدى المصريين القدماء أيضاً تقديم قرابين بشرية لإلقائها في نهر النيل، وذلك لتسكين غضب النهر الهائج، حيث كانوا يختارون القرابين من الفتيات الجميلات. أمّا قربنة الإنسان، سواء ذبحه أو حرقه أو بتر قطعة من جسده، كما كان يحدث عند شعب المايا لكي تنزل الأمطار بشكل أوفر، فقد كانت تجري وفق شعائر مقدّسة يتولاها رجال الدين.

من حيث الشكل توقّف ذبح الإنسان كقربان مع ظهور الديانات التوحيدية، لكن هذه الديانات ظلّت متمسّكة بمبدأ القرابين الحيوانية، ليس هذا وحسب… بل أضفت عليها صفة القداسة، وأبقت على العنف الموجود فيها، وهذا ما يفسّر مثلاً ذبحنا لحيوان عند شرائنا لبيت جديد أو سيارة جديدة وغمسنا للكفّ بدم الحيوان الذبيح وطبعه على باب المنزل. فأصول القرابين اليهودية، وهي الأساس في القرابين الإسلامية اللاحقة، تتميّز بالعنف والدموية لأنّها تشترط كي يكون اللحم حلالاً أن يذبح الحيوان من رقبته بقطع الوريد فقط، ويترك حتى يموت موتاً بطيئاً ليستفرغ بذلك كلّ دمه حتى آخر نقطة، ويعود ذلك إلى تحريم الدين اليهوديّ لأكل الدم دون أن ترافق ذلك أيّة تعليمات بشأن التخفيف من ألم الحيوان، ومن المعلوم أنّ مفهوم (اللحم الحلال) مشترك بين اليهودية والإسلام، أمّا في المسيحية فتحتوي كلّ كنيسة على (مذبح) ذي مدلول مقدّس. وإذا كان هناك من يستاء من المقارنة بين اليهودية والإسلام نحيله إلى مقارنة أخرى بين شعائر الحجّ وتقديم القرابين فيه (شعائر البُدن)، وهي بالأصل من الشعائر الوثنية التي يرى البعض أنّ الإسلام قد أبقاها كما هي، بل وشدّد على بقائها، ثمّ سُمّيت عيد الأضحى، وهو أكبر الأعياد والمناسبات الإسلامية.

عندما تقدّم القرابين في وقت لا تكون فيه ضرورة لتقديمها، ويتمّ ربطها بعقيدة الفداء، فهذا يكشف عن نزعة سادية دموية في الأديان، وعلينا أن نغادر المنطق الإنسانيّ لتفهم هذه السادية خاصّة وهي تقترن بمبدأ الإبادة الجماعية- العشوائية. فهناك قصص عديدة عن أنّ جماعة من العصاة قد قاموا بتكذيب نبيّ أُرسل إليهم، حيث يقوم الله بإنزال غضبه عليهم، ويَطال هذا الغضب الأطفال والنساء والشيوخ والحيوانات والنباتات، وهناك قصص كثيرة في التوراة تبنّاها القرآن تؤكّد ذلك منها قصّة النبيّ نوح، ومنها أيضاً قصة قوم لوط، حيث تتعارض هذه القصة تماماً مع مبدأ العصيان الفرديّ والعقوبة الفردية، الذي ذكره القرآن بـ”ولا تزر وازرة وزر أخرى”. وكما في تقديم القرابين البريئة نجد الله لم يكتف بمعاقبة المثليين- اللواطيين بعد خروج لوط وأبنائه والملكين من القرية (بعد أن اصطدم عرض لوط بالرفض عندما قام بعرض ابنتيه على رجال قرية بأكملها بدل الملكين)، بل أنزل على كامل القرية مطراً من الحجارة والنار وما شابه، وقلب القرية أسفلها أعلاها، وأغرقها بمياه البحر الميت، لدرجة أنّ الأسطورة تقول إنّ هذا الانتقام هو السبب في عدم وجود كائنات حيّة في هذا البحر. ولم يستثن الانتقام الأطفال الذين لا يمكن لهم القيام بمثل هذا الفعل أو ربّما كانوا من ضحاياه، ولا النساء المفترض أنّهن كنّ ضحايا الشذوذ الذي حرمهنّ من حقّهنّ المشروع في الإشباع الجنسيّ.

إن كان هذا هو الواقع الذي يقدّم روايته الدين، فلن نستغرب الروايات عن العقاب الأخروي التي تميّز بها الخيال الإسلاميّ الخصب، من سلخ الجلود أو تركها على نار هادئة، أو ترك المعاقَبين عطشى لفترات طويلة ثمّ إعطاؤهم قيحاً مغلياً لتشتعل الحرائق في بطونهم… وأخيلة سادية خصبة لا نهاية لها. وللأسف الشديد فإن هذه الأساليب في التعذيب بدأت تُنفَذ منذ الآن، بل وزاد عليها الإرهابيون الشيء الكثير. لكن علينا أن نكشف عن جذر هذا العقل الدمويّ، وإلا فمن أين أتى خالد القسري وزياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي والمعتضد بهذا الخيال الإرهابي وراح ضحيّته البريء قبل المذنب؟ ومن أين أتى إرهابيّونا المعاصرون إن لم يكونوا يكرّرون سيرة أسلافهم بفظاعة أكثر تطوّراً؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق