القمقم

فتح الرجل عينيه ثم سرعان ما أغمضهما مرعوبا. ما للسماء متقلّبة الألوان حمراء خضراء صفراء كأنّ شروقها يزاحم غروبها وما للقمر متكوّما على نفسه في تلك الهوّة المحفورة هناك كأنما ضاقت به الأجواء؟ فتح عينيه مرعوبا ثم أغمضهما مرعوبا. ما هذا اليمّ الذي يشرّق ويغرّب؟ ما الذي جاء به إلى هذا البحر وهو لم يسبح ولم يركب الموج ولم تذهب رجلاه أبدا أبعد من رمال الشاطئ ؟ جازف مرة واحدة فغمس قدميه في الماء ثم ارتدّ مذعورا. كان يكتفي من البحر برمال شطه ونسائه اللاتي تندلق أثداؤهنّ على كروشهنّ وتندلق كروشهنّ على أوراكهنّ وتندلق أوراكهنّ في الماء فما الذي جاء به إليه عالقا على خشبة تكاد تقصم ظهره؟ مغمض العينين حاول الرجل أن يعيد بناء الأحداث التي سبقت، يقدّم هذا ويؤخّر ذاك حتى استوت الحكاية أو هكذا توهم… عشية السبت جاء إلى حانة “برازيليا” مستبقا أصحابه الخمسة يحجز لهم طاولة قبل أن يتهاطل الرّعاع من كلّ حدب وصوب. حجز الطاولة وظلّ ينظر إلى حبّات المطر تتكسر على الرصيف وإلى الغادين والرائحين. ثمّة رجل وامرأة تحت مظلّة واحدة. كتفان تحت المظلة وكتفان إلى الماء. المرأة خفيفة رشيقة كأنّ قدميها لا تلامسان الأرض. هو لا يتذكّر الرجل أو شكله أو حجمه فقد شرد تفكيره وراء المرأة وله في ذلك عذره فالنساء الجميلات في بلاده قليلات يكدن ينقرضن. وصل أصحابه الخمسة تباعا مثل الفراخ المبلّلة. أخرجوا علب التبغ والحمص واللوز وغمر الدخان المكان حتى امّحت الملامح واختلطت عليه الوجوه. فجأة اهتزّ اليمّ من حوله ففتح عينيه مرعوبا ورأى السماء تنقلّب تحته والقمر يميل حتى حاذاه ثم غمره الموج حينا من الزمن وعاد القمر فاستوى في هوته المحفورة وغاض الماء حتى كادت أصابعه تلامس قاع البحر أو هي لامسته… عاد الرجل المرعوب يرتب أحداثه… قال لأصحابه: “تغير طعم الخمر. سدّادة الفلّين التي سقطت في القارورة أفسدت طعمه”. لم ينتبهوا إليه فصرف عنهم نظره ثم سحب رباط حذاءه فعقد طرفيه ودلاّه يتصيّد السدّادة فلم يفلح ولم ييأس حتى علقت فشدّ بكلّ ما بقي فيه من قوّة وظلّ يجذب وقد تقطعت أنفاسه أو ما تبقّى من أنفاسه. ثمّ فجأة سحبه الخيط فسقط داخل القارورة. زعق حتى تقطّعت أشداقه وتصدّعت القنينة لزعيقه ولكنّ أصحابه والرّعاع الذين تكدّسوا في الحانة لم يسمعوا له… الآن ثبت أنّ الخشبة التي تقصم ظهره ليست إلا سدّادة الفلّين والقمر الذي يميل ويستوي ليس إلا فوهة القنينة. غاض الماء من تحته وهو يزعق وسمع النادل يسعل وهو يجمع القوارير الفارغة ويرصفها وسمع أحد أصحابه يقول:”أين عثمان؟ إنّه يهرب دائما عندما يحين موعد الدّفع”.

فتح الرجل عينيه ثمّ سرعان ما أغمضهما مرعوبا. ما للسماء متقلبة الألوان حمراء خضراء صفراء كأنّ شروقها يزاحم غروبها وما للقمر متكوّما على نفسه في تلك الهوّة المحفورة هناك كأنما ضاقت به الأجواء؟ فتح عينيه مرعوبا ثم أغمضهما مرعوبا. ما هذا اليمّ الذي يشرّق ويغرّب؟ ما الذي جاء به إلى هذا البحر وهو لم يسبح ولم يركب الموج ولم تذهب رجلاه أبدا أبعد من رمال الشاطئ ؟ جازف مرّة واحدة فغمس قدميه في الماء ثم ارتدّ مذعورا. كان يكتفي من البحر برمال شطّه ونسائه اللاتي تندلق أثداؤهنّ على كروشهنّ وتندلق كروشهنّ على أوراكهنّ وتندلق أوراكهنّ في الماء فما الذي جاء به إليه عالقا على خشبة تكاد تقصم ظهره؟ مغمض العينين حاول الرجل أن يعيد بناء الأحداث التي سبقت، يقدّم هذا ويؤخّر ذاك حتى استوت الحكاية أو هكذا توهم… عشية السبت جاء إلى حانة “برازيليا” مستبقا أصحابه الخمسة يحجز لهم طاولة قبل أن يتهاطل الرّعاع من كل حدب وصوب. حجز الطاولة وظلّ ينظر إلى حبات المطر تتكسر على الرصيف والى الغادين والرائحين. ثمّة رجل وامرأة تحت مظلّة واحدة. كتفان تحت المظلّة وكتفان إلى الماء. المرأة خفيفة رشيقة كأنّ قدميها لا تلامسان الأرض. هو لا يتذكّر الرجل أو شكله أو حجمه فقد شرد تفكيره وراء المرأة وله في ذلك عذره فالنساء الجميلات في بلاده قليلات يكدن ينقرضن. وصل أصحابه الخمسة تباعا مثل الفراخ المبللة. أخرجوا علب التبغ والحمص واللوز وغمر الدخان المكان حتى انمحت الملامح واختلطت عليه الوجوه. فجأة اهتزّ اليمّ من حوله ففتح عينيه مرعوبا ورأى السماء تنقلب تحته والقمر يميل حتى حاذاه ثم غمره الموج حينا من الزمن وعاد القمر فاستوى في هوته المحفورة وغاض الماء حتى كادت أصابعه تلامس قاع البحر أو هي لامسته… عاد الرجل المرعوب يرتب أحداثه… قال لأصحابه: “تغير طعم الخمر. سدّادة الفلين التي سقطت في القارورة أفسدت طعمه”. لم ينتبهوا إليه فصرف عنهم نظره ثم سحب رباط حذاءه فعقد طرفيه ودلاّه يتصيد السدّادة فلم يفلح ولم ييأس حتى علقت فشدّ بكلّ ما بقي فيه من قوّة وظلّ يجذب وقد تقطعت أنفاسه أو ما تبقّى من أنفاسه. ثم فجأة سحبه الخيط فسقط داخل القارورة. زعق حتى تقطع شدقاه وتصدّعت القنينة لزعيقه ولكنّ أصحابه والرّعاع الذين تكدّسوا في الحانة لم يسمعوا له… الآن ثبت أنّ الخشبة التي تقصم ظهره ليست إلا سدّادة الفلين والقمر الذي يميل ويستوي ليس إلا فوهة القنينة. غاض الماء من تحته وهو يزعق وسمع النادل يسعل وهو يجمع القوارير الفارغة ويرصفها وسمع أحد أصحابه يقول:”أين عثمان؟ انه يهرب دائما عندما يحين موعد الدّفع”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق