القمني ضحية أساطير المقدس (قراءة في كتاب الحزب الهاشمي) / أحمد لاشين

ـ ليس دفاعاً:
لست بصدد دفاع أو هجوم على الدكتور سيد القمني،فكتباته ليست اكتشاف جديد نحاسبه أو نجلده عليه الأن،أو نمجده ونرفعه على الأعناق ونزود عنه بالفكر لدرجة التضليل والإضلال،فكلا التوجهين في غاية في التطرف والإنغماس في الذاتية المفرطة،ولكن من المؤكد أن صاحب كل فكر مستنير يرفض تماماً تحميل الرجل ما لا يحتمل،وتأويل فكره لصالح حزم فكرية منغلقة على ما تعتنق، فلمشروع القمني جذوره في تراثنا الفكري وفي واقعنا الثقافي،يكاد يصل إلى حد التشابه في بعض مقدماته ونتائجه،ولكننا للأسف نتعامل مع قضايانا الفكرية بحالة فقدان ذاكرة،وندير معاركنا واختلافتنا بنفس الأليات وإن اختلفت الأساليب،فمعظم اللذين هاجموا القمني هاجموا خوفهم معه،فلم يحالوا حتى قراءته ،أو حتى قراءة من ناقش كتباته بالفعل لحظة صدورها،مما حتم أن نطرح أفكاره ثانية على مائدة النقاش،وسأحاول قراءة كتاب واحد من كتبه التي أثارت الجدل وأضحت ضحية قراءة إنتقائية محدودة شوهت مشروع رجل أفنى عمره فيما يعتقد أنه الحق حتى لو اختلفنا معه، قراءة أدعي أنها موضوعية لكتاب (الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية)، فرغم تعدد كتاباته إلا أنني أعتبر هذا الكتاب نموذج جيد لدراسة فكر القمني عن التاريخ الإسلامي عامة.
ـ المقدس والتاريخ في الحزب الهاشمي:
الدكتور القمني يتلمس في كتابه هذا عالم مفعم بالمقدس إلى درجة التدليس والتشويه،تحول تاريخ النبوة في بدايات تكوينه إلى سلسلة متصلة من المعجزات والخوارق،وقد حاول جاهداً أن ينزع أقنعة التقديس ليحيلنا إلى تاريخ فقط،أحداث متراتبة تؤدي إلى نتائج،لنرى بواسطة ما رآه منهجاً اجتماعياً تاريخ النبوة كتاريخ بشري مليئاً بالمعاناة والعبقريات الإنسانية والإخلاص لمشروع تصحيح العالم أياً كانت النتائج بعد ذلك.ولكن للأسف فقد روطنا من حيث لا ندري في مزيد من التقديس للتاريخ.وهذا بناءاً على الأتي:

أولاً :// إشكالية تاريخنا الإسلامي أنه اعتمد على فكرة الخط الطولي،أي بداية لها نهاية في العالم الأخر،فهدف التاريخ هو الأخرة أي بنية مقدسة كتقديس الإسلام ذاته،بمعنى أنه تدعيم الحالة الإيمانية هي الغاية في التاريخ الإسلامي،فلا إنفصال بين الرؤية الإسلامية للحياة ورؤية التاريخ للأحداث،فدائماً هناك كيان مقدس له دوره في تسيير الأحداث يستحيل تجريد النص التاريخي بإجماله منه،وأي محاولة منا لأنسنة التاريخ محاولة تبدوا مستحيلة،وإلا سنتورط ثانية في تصديق الحكايات التاريخية وتحويلها إلى يقين،ونعود لحالة الصفر،تلك الفكرة غائبة بشكل واضح في كتابات القمني فهو يبدأ كتابه بمقولة عبد المطلب جد النبي :(إن أحب الله إنشاء دولة خلق لها مثل هؤلاء) مشيراً إلى أولاده وأحفاده،في إشارة واضحة أن الرسالة المحمدية مشروع حضاري ثقافي له ترتيبه و دوافع ظهوره،ولن أختلف كثيراً في هذه القضية وإن كان إطلاق الأحكام بهذا اليقين شجاعة أحسده عليها،فقد تعامل الدكتور القمني من التاريخ عامة والنبوي منه خاصة بوصفه حقيقة تصلح للقياس واستخراج نتائج كاملة منها،متناسياً تماماً الأهداف التي سعى كل مؤرخينا لتأصيلها حتى شوهوا التاريخ ذاته وغابت منه الحقائق.وهذا ينقلنا إلى أزمة أخرى من أزمات النص التاريخي.

ثانياُ:// إذا افترضنا جدلاً حياد تاريخنا الإسلامي،وتعاملنا معه بوصفه منتج حضاري معبر عن واقع حدث بالفعل،سنتصطدم بمشكلة ثانية،وهي أزمة التدوين،متى دونت النصوص التارخية التي تعامل معها الكتاب، والدكتور يعلم أن التدوين من أهم الأزمات التي تواجهة دارسي التاريخ بأي منهج يشاؤون،هناك فارق زمني بين زمن الحدث وهو بناء الدولة والبعثة المحمدية وبين تدوينه ما يقرب من مائتي عام على الأقل،إذا اعتمدنا سيرة الواقدي أو ابن هشام،أو تاريخ الطبري المدون في القرن الثالث الهجري،أي بعد ثلاثمائة عام،وتدوينه اعتمد على آليات الجرح والتعديل والجمع من أوفاه الناس العامة والخاصة،ألنا أن نتخيل دور العقل الشعبي في تدوين التاريخ،بشكل حول النبوة إلى تاريخ من البطولات والملاحم الشعبية ،ويكفينا إشارة إلى حادثة الغار والعنكبوت أو حتى حادثة خروج النبي من مكة،أو حادثة شق الصدر إلى غير ذلك،أي أن تدوين التاريخ الإسلامي هو إعادة بناء للأسطورة الساكنة في الوجدان الجمعي،بشكل يصعب فيه فصله عن الحكاية،فمن الطبيعي إذن أن تمتد صناعة البطل النبوي إلى جدة وزوجاته والبشارة به،تلك البشارة التي اعتمدها الكتاب بوصفها هي الحلم العربي بالنبوة فكان حلم اليهود ذاته بالملك كما أشار بداية الحلم المجسد في بني هاشم كرد فعل على الحلم اليهودي،فلا يوجد دليل واحد على يقينية تلك الأحداث سوى يقين الإيمان كما أشرنا ،أي أن المادة التاريخية موضع الدراسة،مادة حكائية وليست تاريخية،خاصة عندما يتعلق الموضوع التاريخي بشخصية مقدسة كالنبي،فكيف للبحث الاجتماعي أن يقوم بتنقية الأصول إن صح التعبير،في حين أن الهدف منه قراءة الواقع.حتى إن الكتاب قد أورد بعض الروايات التي تؤكد على أسطورية عبدالمطلب مثلاً رغم بعده عن القداسة مطلقاً،من قدرته على إنزال المطر في الجفاف أو حلمه بحفر بئر زمزم،وحتى حديث النبي عنه أنه سيبعث بجلال الملوك دون سبب ديني واضح، أو حتى مقابلته مع سيف بن ذي يزن الملك اليمني وبشارته له بالنبي،وهذا ما اعتبره الكاتب تأصيل للحلم العربي في الملك ناسياً تماماً أن بن ذي يزن قد ألهم التراث العربي كله ملحمة كاملة أضاعت تاريخة بشكل كامل.وبالتالي أضاعت تاريخ كل من حوله.فأزمة تاريخنا الإسلامي أنه غير موثق بشكل كاف يمنع عنه الشك البحثي،فلا حفائر أو أثار تؤكد أو تنفي ما حدث حتى اعتماد الكاتب على القرآن ذاته ليس دليلاً كافياً فالقرآن ليس كتاب تاريخ ولم يقم بتدوين ما حدث ولم يهدف ذلك كلية،ومن المؤكد أن هذا لم يغفل عنه القمني مطلقاً.
وبالتالي فإن اعتماد الدكتور القمني على تلك المدونات بوصفها حقائق لا مراء فيها تصلح للدراسة المنهجية والعلمية من زاويته،تدل على مدى تعسفه هو الشخصي في قراءة المرحلة،فيضع النتيجة ثم يبحث لها عما يؤيدها ثم يضعها تحت طائلة المنهج،وليس العكس المفترض في الدراسات العلمية.

ـ فخ التراث والنبي المنتظر:
دائماً ما تورطنا النهايات في البحث عن البدايات،أي البحث عن أسباب للنتائج،حتى لو كانت مخض خيال،هذا هو فخ التراث الذي وقع فيه الدكتور القمني للنهاية،فكل كتب التراث التاريخي والفقهي حاولت إيجاد مبررات لخلافات بني هاشم وبني أمية،تلك الخلافات التي وصلت إلى قمتها في الصراع العلوي الأموي،فكنات تلك المبررات وكأنها الحقيقة المحضة،والمشكلة أن كل من حاول تبرير التاريخ كانت له أهواءه وانتماءته الخاصة التي ظهرت واضحة فيما قال،فكتابات المقريزي مثلاً التي تميل لآل البيت حولت التاريخ ضد الأموين وبني عبدشمس،وكذلك الطبري في مساحات هامة منه خاصة ما يتعلق منها بأحداث النبوة ووآل البيت والخلفاء،فنجده يعتمد على الرواة المعروفين بتشيعهم،مثل (لوط بن مخنف مثلاً)،وكذلك الكتاب ذوي الهوى الأموي مثل أبي بكر المالكي نجده يميل ضد آل البيت والهاشمين بشكل عام،حتى من حاول تبرير التاريخ من منظور الصراع القبلي والاجتماعي مثل ابن خلدون،قد وقع في فخ الثنائية القبلية وبين عبد شمي وبني هاشم دون حتى محاولة تأصيل الأحداث،والمشكلة أن تلك الفكرة انسحبت على الكتاب المحدثين أمثال العقاد وأحمد أمين حتى طه حسين في اعادة قراءته لتلك المرحلة على اختلافه.

والدكتور القمني لم يراعي مطلقاً زوايا الاختلاف في رؤية الأحداث كما رواها كتّاب التراث.فكان انتقاءه عشوائياً بما يستق ورؤيته هو فقط،فلست ضد محاولاته لإعادة بناء الأحداث واعتبار أن مشروع النبوة كان منتظرأ نتيجة للظروف الاقتصادية والسياسية والتاريخة،مهماً كانت تلك الرؤية صادمة للوعي الإيماني في عمقه الخاص والعام،فكل بحث حر لابد وأن يظل حراً للنهاية،وهذا ما دأب عليه القمني،ولكني ضد التعسف في النتائج،لدرجة أن نصل بالخلاف الأموي الهاشمي ـ كما قام في كتابه ـ أن يكون سبب الصراع السني الشيعي،فتلك النظرة التبريرية هي نفس نظرة التراث الإسلامي وكأن الدكتور لم يتقدم خطوة على ذلك وظل أثيراً للحدود الداخلية لا يتعداها.فحتى لو كان الواقع البدوي قائم على أساس النزعة القبلية والصراع على الملك كما أورد الدكتور مقولة يزيد بن معاوية : (تلاعب بني هاشم بملك العرب ولا دين جاء ولا وحي نزل)،إلا أن هذا لا يُعد دليلاً كافياً على أن النبوة مشروع ملك العرب بشكل كامل،وجاء تأييدها من الله سبحانة،فهذا ما أشير إليه بشكل واضح،فالتاريخ الإسلامي لا يمكن أن يخلي بين الإنسان والتاريخ،فلابد من اسباغ القداسة على كل لحظة.فمقولة يزيد تلك تجد ردها في من يرفع يزيد ذاته إلى مكانة التابعين مثل ابن حنبل أو أبو بكر المالكي،ونعلم أن كلاهما سني شديد التعصب أمام تعصب الشيعة المضاد وأثر ذلك في تدوين التاريخ أي أن القضية معكوسة فالخلافات المذهبية أدت لتزوير التاريخ،وليس التاريخ الذي تسبب في الخلافات المذهبية،فهذا فخ التراث الذي وقع فيه الدكتور القمني بما أضر بالنتائج في النهاية بشكل واضح.

سيكلوجية الإيمان:

من البديهي أن تساند خديجة النبي في بداية الدعوة،وكذلك أبا طالب ولهذا منطقه،وقد يكون ممكناً وجود أحلاف سياسية أدت بهجرة النبي ليثرب كما أشار الدكتور القمني،ولكن هل يمكن أن تُقام دولة كاملة على مساندة أفراد أياً كانوا،حتى مع محاولات النبي اقصاء كل المنافسين الدينين الممثلين في اليهود،أو المعارضين له تحت بند النفاق،حتى لو كان هذا بإلهام إلهي كما ورد في كتابه،كل هذا لا يكفي لاكتمال مشروع الدولة الإسلامية بعد موت المناصرين وزوال المعارضين،بل بوفاة النبي ذاته صاحب المشروع.فما سر بقاء مشروع الدولة الإسلامية قائماً للأن بأشكاله المتعددة.

من وجهة نظري الدكتور القمني قد أغفل فكرة غاية في الأهمية،وهي الإيمان لا أقصد معجزة الإيمان،بل الرغبة فيه،هذا شرط أساسي في نجاح أي مشروع ديني أو سياسي،هذا ما جعل العربي البدوي قادر على سحق كل العالم المخالف له،تحت فكرة الوعد الإلهي،فكانت تلك بداية نهاية التشتت العربي أمام الغد الذي وعد به النبي،تلك التصورات التي اجتاحت الواقع حتى الثمالة،فانهارت الفواصل بين اليوم والغد،فعلم الاجتماع الديني لابد وأن يعتمد على الخيال كما الواقع،ومدى احتياج المجتمع للعقل الإيماني أمام المحسوس الاجتماعي،فدائماً ما تحتاج مجتمعاتنا للإيمان.

وفي النهاية لا يصح تقييم مشروع بغزارة إنتاج الدكتور القمني من كتاب واحد،فهذا ظلم لفكره الذي أثر في كثيرين وأنا منهم،فما قدمته لا يتعدى سوى نقد ووجهة نظر لا تقدح ولا تمجد،ولكنها يقين بقيمة العقل الحر الذي يدفع الثمن من روحه ووجوده.

عن جريدة القاهرة المصرية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق