القمّل

  الوقت مبكر بعض الشيء. تنفس بعمق، شغّل المحرك. ثم اشعل سقارة ووضعها على المرمدة . حرك اطرافه حركات ضيقة ، فتقدمت السيارة ببطء… اشياء كثيرة تدعس تفكيره…سعل بهدوء ، ثم رفع السقارة بين اصابعه وعلقها بين شفتيه. بصره منتشر على الطريق الطويل امامه . يود ان يقول شيئا. ويود ان يسمعه شخص ما. مرة اخرى اعاد السقارة بين شفتيه، وتنفس دخانها الثقيل. طعمها مرّ… مرّ كثيرا . اين سيذهب الان ؟ سال نفسه عند مفترق طرق ، ولم يقرر اتجاهه… قادته السيارة او ترك لها ان تقوده . بضع اشجار متناثرة على حافتي الطريق… ظلال اغصانها النائمة تتكسر على الزجاج الامامي . الوقت مايزال مبكرا ورغبته في مجيء الليل تحتد.
 
    تذكر عزيز الذي كان يحدثه عن مشاريعه المستقبلية، وعن برنامج عودته الى تونس . كانت احلام في واقع  الامر . احلام يقضة اكثر منها شيء اخر … فهو يتحدث عن الاصدقاء ، وعن الاماكن التي قضى فيها.
طفولته وبعض شبابه… قضى فيها ايامه السعيدة التي كان يحسبها تعيسة… كان يتذكر باستمرار قول التوحيدي” ليس الغريب من عن وطنه غريب …” وكان يضحك ، يضحك… وكانه يبكي ليقول بعد ذلك : “هويذكر هذا لانه لم يعش الغربة عن الوطن .” الوطن يا اخي ليس شيئا ما . الوطن حبات تراب تدخل الرأتين مع النفس الصاعد النازل ” ويضع السقارة بين شفتيه يشعلها يسحب منها نفسا ثم يطلقه ” وهنا في هذه الارض … دخان ” يقول وقد امتلأت ملامحه اسى.
 
 لماذا يتذكره الان وقد مرٌت السنوات قصيرة مخنوقة؟… توقف عند اول فسحة وجدها على جانب الطريق اطفأ المحركونزل على قدميه . الارضية ضيقة وغير مستوية ، منقٌطة بالحجارة النصف مغمسة في التراب … هواء بارد يهبٌ فيقشعر به الجلد . مسك طرفي الجاكيت وضمها الى بعضها ثم حاول اقفالها بالسلسلة ولكنها ابت ان تستجيب . ربَع يديه واخذ يحدق في الحشائش المنهدلة على سيقانها . قد غادرها الربيع والصيف وهذا موعدها مع الذبول ، و الافول قد حان . حدَق في ساعة اليد الرخيصة ثم نفخ . هو الوقت لا يشاء ان يمر عندما نريد منه ذلك … يتمطط حتى تنفقأ العين… اخرج هاتفه الثمين و فكر في ان يهاتفها . وضع اصبعه على الزر ثم تراجع . قد تغير موقفها … لا لشيء الا لاحساس يتبدى لها  مع المكالمة . اغلق الجهاز الصغير ورمى به في جيبه ، قد مضى يومان منذ ان اخذ منها موعدا . قد لاحظ السعادة بادية على وجهها ، ولم يهتم كثيرا لذلك حينها . اسدل يديه فانفتحت الجاكيت حدق فيما يرتديه من الحذاء وحتى الحزام.
الذي يطوق وسطه . كل شيء قديم كالح اللون، يكاد يفر . حتى السيارة عجوز مغبرة . كل شيء فيه وحوله يدل انه عربي …  بشرته السمراء وملابسه بالوانها الكالحة ، وسيارته القديمة المغبرة الموشية بفقره باستمرار . يحسبه اهله في البلاد قد اندمج في المجتمع الايطالي حتى اضحى منهم …فيحسدهم لخيالهم الشاسع ويضحك في اعماقه … ساخرا من نفسه … بينما  يتحاشى الاهالي الاقتراب منه ، وان لم يفصحوا عن ذلك … فهو عربي … عربي حتى النخاع جشع ،ارهابي.
 
 متخلف ، قذر.. وتطول قائمة النعوت السيئة ، حتى المراة التي ضرب معها موعدا لايشك في انها تحتقره ، وهي التي احتقرها بنو جلدتها حتى لفضوها كخرقة نجسة … لم ير احدا منهم يلقي عليها التحية ولو جبرا للخاطر … سيقف امامها.
 
 وستبعد فمها النجس عن شفتيه وستقول له “رائحة فمك كريهه ،لماذا لاتستعمل المعجون؟”ولا يجد ما يقوله لها وهو الذي يستعمله صباحا ومساء … كم هي صعبة الغربة ومكلفة.
عاد الى السيارة شغل محركها، واخرجها الى الطريق… ليس بها بنزين كثير ، وما عليه الا ان يقتصد … فالمال في الجيب    ايضا قليل… اقترب من احد السوبر ماركات ، اشعل السهم ودخل موقف السيارات فيه . مكتض هو بالناس من الاهالي والاجانب من مختلف الاجناس ، سويسريين ، والمان ،وهنود ، وعرب ، وباكستانيين ، ومن جنوب اماريكا ، قد شعر بوحدته بينهم وبصغر حجمه . اتجه رأسا الى مصطبة الجعة والكحول … الكحول حرام في ديننا ، ولكن الجعة اقل فاعلية اقتنى اربع علب صفيحية وخرج . سيشرب واحدة بالسيارة ،والثانية قبل ان يدخل على المراة. وسيتدبر امر الباقيتين فيما بعد . ستصعد منه الرائحة بالتاكيد ولكن ذلك…هذا توزيع جيد الى حد ما.
القى نظرة على الساعة للمرة الاخيرة ثم وضع اصبعه على الجرس وضغط …بعد بضع ثوان اطلت المراة الرجل … اوهكذا تبدو . سمحت له بالدخول ، فدخل .ما ان تجاوز الممر القصير الى فسحة ضيقة ، حتى بدأ يشاهد الاوساخ المتراكمة والملابس الملقاة على الكراسي وعلى الاريكة المنهارة والاواني وبعض قوارير الجعة الفارغة واعقاب السجائر…اتكأت على الجدار في مكان ما ، والسجارة بين اصابعها ترسل دخانها الازرق …قالت له.
هل تريد ان تجلس؟-
ابتسم –
 
 النهار لم يشأ ان يمضي بسرعة –
 
 هل تريد كاسا من الابيض؟-
 
 حرك رأسه نافيا . ثم تقدم نحوها
اريد..انتِ –
 
 نفثت الدخان ورفعت ركبتها ليستقر قدمها على الجدار.
انتم المغاربة هكذا دوما-
 
  قالت بصوت خفيض ثم تحركت بدلال لا يناسبها اطلاقا .فدنى منها اكثر ووضع يده على خاصرتها الخشبية… ظهرها.
 
 مقوس وعنقها طويل نحيف كالاصبع
 
 ماذا ستقدم الي ؟-
 
   . فكر لحضة في السوال الذي لم ينتضره ثم اجاب
كوزا من الذرة … كنت اعده لشخص اخر في الحقيقة ولكن يبدو انك انت من فاز به…اريد ان استلقي فالانتضار سحقني –
.كانت ستقول كلمة وهي تبتسم الى حدود الضحكولكنه وضع يده على فمها
. ليس الان-
سارا الى سريرها الذي تنام عليه وهو السرير الوحيد في الغرفة. مسكها من يدها واتكأ ليقعا معا كصرولة ضخمة . رائحة الدخان تنبعث من فمها وملابسها وشعرات راسها . سحب تنورها الستيني وجذبها اليه. تفقد بنطاله الذي لايزال على حاله حاول سحبه الي اسفل ولما استعصى عليه استوى جالسا وجعل يفارعه حتى استجاب…ثم مال بتان ليتكأ من جديد …فرأى حشرة تدب  على المخدٌة لم يكترث للحظة من الزمن ثم سريعا ما اعاد التحديق … وصرخ.
. قمل … في فراشك قمل-
 
ماله القمل؟ –
.لا تقولي انك من حماة الطبيعة-
… …
…سامضي .انت… سامضي وساحتفض بحمولتي… وداعا-
شد سرواله وانطلق الى الخارج…جلس في سيارته . شرب مافي العلبتين . ومسح شاربيه بكم جاكتته . ثم شتم عزيز ، .لالشيء الا لانه تذكٌره. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق