القناصُ الوهم

" لو كان عليَّ أن أراجعَ مسيرتي لسرتُ في نفس الطريق"  ( أراغون)

1-  العودة
" يوجد قناص هنا "

صفعتني اللافتة الجديدة المعلقة على الحائط فاستدرتُ يمينا مسرعا الخطو . السرعة مطلوبة في هذه المدينة لمن يريد أن يبقى على قيد الحياة، أقضم أظافري في شيء من التوتر، لقد كان الدويُّ البارحة يصمَُ الآذان ربما يكون من الناحية التي أقصدها الآن… كتابات تملأ الجدران تعودتُ عليها . أراها كل صباح لاشيء تغير فيها ..يطالعني نصب الشهداء أسود من بعيد وقد شوَّهَتْه القذائف. ما الذي بقي في هذه المدينة لم يشتعل ؟ ! أستدير شمالا ودويُّ البارحة مازال يخترقني.. كل صباح أتوقَّع أنني سأجد مبنى المطعم أنقاضا، لكن ما يُبعد عني الهواجس المرعبة أنَّ " ميلود " يحرس المحلَّ كل ليلة .  مطعم "قرطاج" يقف شامخا  في أحد الطرق المتفرعة عن شارع بشارة الخوري، أُطلُّ عليه كل صباح يسكت و لا يجيب . يطالعني ميلود كل صباح باسما و لكنه يبادرني بنفس الجملة التي تعودْتُ عليها :
-" ينقصنا من الخضر بندورة و….."
 أقاطعه سائلا "كم تريد من المال ؟"
فيجيب على عادته وبنفس الطريقة " البارحة تركت لي تسعمائة ليرة هي لا تكفي لشراء .."
فأقاطعه مرة أخرى : – قلت كم تريد ؟


كل صباح كانت هذه طريقته في قول صباح الخير، أتخاصم معه أحيانا أقول له دائما لا تضع  في " التبولة" الخلَّ عوضا عن الليمون نحن هنا  في لبنان و لسنا في الجزائر  يغضب مني ولكن سرعان ما يقول لي بلهجته التي تستهويني : " آ شاف " جيزال " هذي لازم تلقالها حل طول النهار البرّة و انا وحدي في الكويزين " . مشكلته جيزال فهو يجد متعة في التشكي منها خاصة في الأيام الأخيرة و أنا بدوري أجد متعة في تأمل هذه العلاقة الغريبة .


أدخِّن سيجارتي و أقضم أظافري…عندما كان نصب الشهداء يودِّعُني شامخا . أزكمتْني الروائح الكريهة تحت الأنقاض أقضم أظافري و أنا ألتفت يمينا و شمالا ذلك كان أول درس تعلمتُه في هذه البلاد …الحاجة إلى الأمن هي رغبة النفس الدفينة في أن تشعر بوجودها و هو أمر صعب في هذا المكان بالذات .
قال لي ميلود ذات يوم إن جيزال قد أهدته بنطلونا بمناسبة عيد الميلاد و لا يدري هل يردُّه لها أم يقبله ؟ ضحكتُ يومها بدا لي طفلا صغيرا لقد صعب عليه أن يتخذ الموقف المناسب قلت له إن هذا أمر يخصه هو فأردف بنرفزته النادرة المعهودة " ولكني أسألك أنت " .
قلت له متهكما : ْوَحْأ ( حق ) العَزْرَا ( العذراء) هذا أمر يخصُّك أَنَسِيتَ أنك أصبحت أحيانا تقسم مثل جيزال ؟!  تركني وخرج مُغمغما : " ينقصنا من الخضر طماطم و..…
لم أسمع بقية ما كان يقول .


أقضم أظافري بنهم و أرمي اللفافة بقلق….رأيتُ بعض المارة يركضون بشكل لافت للانتباه وهو أمر لم أتعوَّد عليه في مثل هذا الوقت المبكِّر …بعض الجنود يسرعون الخُطَا، سمعت دويا قويا أخذ يتزايد شيئا فشيئا .. بدا صعبا عليَّ أن أعرف المليشيات التي تتصارع منذ الصباح ..حين وصلتُ إلى نهاية الطريق كان لابد أن أرى مطعم قرطاج . لمحت حركة في الشارع المقابل و لم تكن لديَّ النباهة الكافية حتى أعرف إلى أيِّ المليشيات ينتمي أولئك الجنود الذين يكتظ بهم الشارع و كان لابد أن أتخذ طريقا جانبيا . غاب عن ناظري المطعم وميلود في خضمِّ دويِّ القنابل و السيارات المفخخة .

قال الأقرعُ وهو يقرِّبُ وجهه مني و يعتمد في ذلك على مرفقيه مستندا على الطاولة التي تفصل بيننا فانعكس ضوء الفانوس على وجهه فبدا منخراه كبيرين مليئين بشعر كثيف ومتسخ . اقترب مني أكثر وكأنه يشمني :
–    لماذا أتيت إلى تونس في مثل هذا الوقت ؟
–     لقد وصلتني برقية من أختي تخبرني فيها أن أبي يحتضر.
–     أين تلك البرقية ؟
–    تركتها هناك .
–     هناك وين ..حدد البلاصة بالضبط
–     في بيروت.
ساد الحجرة الضيقة صمت قاتل أحسست بالاختناق . وقف الثاني قام من وراء الطاولة يفرقع أصابعه فبدت لي أصابعه منتفخة أكثر من اللازم و كأن يديه ركبت عليه قسرا . مشى بضع خطوات  إلى أن وقف ورائي ثم اتكأ قليلا .أنفاسه تلفح عنقي تبين لي أنه طويل الشعر . تحوَّل الاختناق إلى انقباض قاتل، أخيرا نطق الأشعث بنبرة جافة حازمة فيها الكثير من الخبث المتلفِّح بالسخرية :
–    قل لي هل أن العودة تفترض المجيء عبر ليبيا ؟
–     اضطررت إلى ذلك لأنه ليس هناك رحلات مباشرة إلى تونس.
–     ليس هناك أسباب أخرى ؟؟
–     لا..لا أبدا
–     أمتأكدٌ أنت من ذلك ؟
–     نعم
–     قل لي هل كنت تتصور أن شخصا مثلك قد جاب كل بلدان المشرق سيدخل البلاد بشكل عادي ؟
–     لمَ لا؟
–    أظن أن العشر سنوات التي قضيتها خارج البلاد قد أنستك واجباتك كمواطن …هل تظن أننا مغفلون ولا نعرف شيئا عنك ؟ نحن ننتظرك منذ سنوات قلنا لابد أن يعود … كان ظننا في محله أليس كذلك ؟
–     بالتأكيد
–     انهزمتَ فعدت أليس كذلك ؟
–     لا أفهم
–     لا تفهم أم أنك لا تريد أن تفهم ..حل فمك يا سي الخرا.
–    أشعر بتعب قاتل راسي باش يتكسر … أرجوك
–    أنا سأكشف لك عن كل شيء إن كان لديك الشجاعة الكافية في أن تجيبني على الأسئلة التالية :  لقد كنت في صيدا حين كانت الفصائل القومية التي تموِّلها ليبيا تهاجم المليشيات الشيعية " أمل" و بعد شهر ..عدتَ إلى بيروت و اشتريت مطعما سميتَه مطعم قرطاج … قل لي من أين أتيت بالمال؟
–     عملتُ في صيدا في مطعم يملكه فرنسي..
–     ما اسمه ؟
–     نسيت .. أبي يموت و تريدني أن أتذكر جزئيات دقيقة..

قلَّب الأقرع أوراقا كانت بين يديه و قال وهو يغوص في دخان سيجارته إلى درجة خُيِّلَ لي فيها أنني أستمع إلى فحيح ثعبان لزج قاتل فخرجَتْ الكلمات من فمه طويلة ثقيلة ساخرة :
–    كلَّما وصلنا إلى مرادنا زُغتَ بنا وخرجتَ عن الموضوع .. على كل نستطيع أن نساعدك لقد كان اسمه " باتريك"  وعندما عدت أنت إلى بيروت و ذهبت بعد ذلك إلى دمشق كان باتريك هذا قد عاد إلى باريس ……..(وجهَ إلى عيني نور الفانوس بقوة . سكت قليلا ثم أردف ) قل لي لماذا اعتقلتْه المخابرات الفرنسية حسب رأيك ؟
–    لقد نسيت شكله و ما نعرفش اذا كان رجع لفرنسا و الا قاعد في صيدا انا….
قاطعني بهدوء:
–    أنت تكذب …صديقك عاد إلى فرنسا و قد بدأتْ التفجيرات في  بعض أحياء باريس .. أنت جئت إلى تونس و كأنك لا تعرف ما الذي حصل في مدينة قفصة منذ ثلاثة أشهر  …
عاد إلى أوراقه يقرأها بإمعان، رفع رأسه الأقرع اللمَّاع تحت ضوء الفانوس َ، حدَّق في عينيَّ بحدة ثم قال :
–    ما علاقتك بـ " جورج عبدالله نمّور"  اللبناني المتهم بتفجير الكنيس اليهودي في شارع كوبرنيك  في باريس في 18 فيفري من العام الماضي ؟
صوَّبْتُ إليه نظرة استغرابٍ صامتة فتابع غير مبالٍ بكل ثقة :
–    هذا الإرهابي يقيم الآن في ألمانيا الشرقية، وهو رفيق ضابط فلسطيني اسمه …اسمه…( راح يقلب أوراقه ثم أردف منتشِيا ) اسمه  " رائد النمر جرادات"  من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لا تقلْ لي إنك لا تعرفه….؟!
–    هي أول مرة أسمع فيها هذين الاسمَيْن ….
–    إنتِ قاعْد تتمنيِكْ علينا يا سي زهير…… أنتَ مطلوب منك أن تقول الحقيقة فقط لمصلحة بلدك تونس، ألا يهمك أمن بلدك ؟
–    طبعا يهمني..
مدَّ لي سيجارةً أخذتُها، أشعلها لي، نفثْتُ دخانها مغمض العينين، ذكّرني طعم التبغ المُسْكِر بشخص لا أريد أن أذكره في مثل هذا الموقف… شخصٍ ارتبط صوته بلفح البرد ورائحة الموت  و رذاذ المطر  …فتحْتُ عينيَّ على صوته يُحشرِجُ المكان بلطْفٍ كاذبٍ:
–    إذنْ  قل لنا في البداية لماذا ذهبت إلى دمشق ؟
–     لقد احتدَّتْ المعارك في بيروت فهربتُ إلى دمشق بحثا عن الأمن…ثم إنني أردْتُ تمديد صلوحية جواز سفري في السفارة ..
قال الأشعث بنفاذ صبرٍ  :
–    طيب ما يهمِّشْ قل لي لحساب من كنتَ تعملْ ؟ يعني فسِّرْ لي  برجوليَّة كيف ولماذا  تذهب إلى سويسرا و أنتَ مُفلس ؟؟  مَنْ أخرجَكَ حيًّا مِنْ بيروت قبل أشهر من حصار الجيش الإسرائيلي لها ؟
–    كنتُ أعمل لحسابي الخاص، وما نعرفْــ..
–     أنت تكذب ..( لم أشعر بما حولي عندما وجدتُني أسقط أرضا، ناب فكي الأسفل تسيل منه الدماء، الآن فقط تفطنت إلى أن أحدهما قد لطمني بكل ما يملك من قوة على حين غرة )

كانت الأمطار تهطل بغزارة … بدا الطريق طويلا نحو دمشق .. ناب فكي الأسفل يؤلمني لقد تعودت عليه وعلى أوجاعه لكن ذلك لا يمنعني أبدا من قضم أظافري … ميلود قال لي لابد أن نشعر قليلا بالراحة سبقني إلى دمشق و هو ينتظرني هناك، كان يعرف أنني بذهابي إلى دمشق كنتُ أسعى إلى الراحة لبضعة أيام و اشتراءِ بطاقة طالب سورية أو تزوير واحدة لتجديد صلوحية جواز سفري في السفارة .
ميلود رأيته أول مرة في مطعم " باتريك هيبار" وما كنت أعلم أنه سيقلب حياتي رأسا على عقب وذلك على نحو ساخر ومخزٍ. في الطريق تلتهمني الأفكار وأنا أقضم أظافري . هناك في دمشق لم يكن ميلود وحده في انتظاري . إنها جيزال.
اكترى منزلا في مخيم اليرموك،  لم أشعر بالراحة لأنه كان يقاسمنا البيت مجموعة من الطلاب الجزائريين، وبمجرد تمديد صلوحية جوازسفري عدْتُ إلى بيروت لأفتح المطعم مجددا، وكانتْ لديَّ أسبابي التي تجعلني غير خائف من احتداد المعارك، وهو ما لم يفهمه ميلود.  
عرفتُه في مطعم باتريك . لكن الذي أثار اهتمامي و حيرتي في نفس الوقت هو أنَّ هذا الشاب قد اخترقَني . شعره الأصفر الخفيف يلفت الانتباه لأول وهلة . ما شدني إليه رقته وحسن معاملته للزبائن كان في الأيام الأولى يتحرج مني فكان باتريك هو نقطة الوصل بيننا رغم أني أدرك جيدا توجس الجزائريين من كل ما هو فرنسي، عندما أنظر إليه أشعر أن نظرته هاربة مكابرة و خاطفة لكنها نافذة إلى الأعماق . في المطعم لم أر شخصا يتفنن في إعداد السلَطات  بجميع أنواعها مثلما يفعل ميلود يعمل بصمت يرفع رأسه أحيانا ثم يعود إلى تقطيع الخضر على الطاولة الخشبية بحركات رشيقة  مدندنا أحيانا ببعض المقاطع الموسيقية الكلاسيكية او بعض أغاني " جاك برال". بحكم الوقت صرنا نتبادل التحيات المقتضبة و شيئا فشيئا أصبح ميلود يشكو لي من رتابة العمل و الحياة لا أنسى تلك العبارة التي كان دائما يرددها :  " يا صاحبي كاين الواحد عايش في   la morgue  ".

كنت أشعر بالمرارة القاتلة التي تتلوَّى في باطنه و كنت أعرف أنه لا يقول هذا الكلام إلا لي أو هكذا خيّل إليَّ، وبدأت أحسّ شيئا فشيئا أن مرارته أخذت تكتسحني دون أن أشعر فأصبحنا نقاوم اللامعنى  والفراغ بـ "العرق" حينا و " الحشيش " أحيانا كثيرة .  لكن الذي سعى إلى إخراجي من تلك الدوامة هو أبو يزيد الفلسطيني قال لي بكلماته الحادة كالرصاص في زاوية معزولة من مقهى la Brioche :
–  وجودك في صيدا خطر عليك أنتَ تونسي لا مليشيا تدافع عنك ولا طائفة تنتمي إليها ماذا تفعل هنا ؟! لن يكتفي العدو بحدود نهر الليطاني، نحن بحاجة إليك في بيروت نحن بحاجة لمن يتقن اللغة الفرنسية، أن تفهم مكالمات الكتائب وعملاء الموساد الفرنسيين ….


قلتُ له : من أنتم ؟
قال : على الأقل نحن لسنا إسرائيل ….
ثم أردف : رَحْ تِعْرفْ فْأوانو يا الزَّلَمِي "
 ذات يوم و بعد جرعة كبيرة من المخدر كادت تقضي عليّ لازمتُ على إثرها الفراش ثلاثة أيام، ضقت ذرعا بالمكان الذي أنا فيه، تذكرْتُ  " أبويزيد "، ذهبْتُ إلى باتريك  صاحب المطعم وأردْتُُ منه دفع بقية المال الذي لديَّ في ذمته، طلب مني البقاء لمساعدته في الحسابات أراد أن يغريني أكثر قال لي سأدفع لك بالدولار و لكني قررتُ ولا رجعة في قراري، يومها خرج ميلود من المطبخ وكان قد سمع الحوار الذي دار بيننا قال:
–    أين وجهتك ؟
–    لا أدري ….ربما بيروت..
–    سأذهب معك ..
قال عبارته و دخل لينزع مئزر الطبخ الذي كان عليه … قضمت أظافري وقد تملكني الاستغراب…ميلود نفسه لم يصدِّق أن لديَّ المال الكافي لشراء مطعم في قلب بيروت عندما عرضت عليه ذلك سكت ثم غمغم و كأنه يكلم نفسه :" العمل عند تونسي أحسن من العمل مع فرنسي " لم أجبه قلت له إن الأمر ليس عسيرا كما يتهيأ له ، إن كل الناس يتخلصون من محلاتهم هذه الأيام نظرا لأن حرب الشوارع ازدادت ضراوة و أصبحت المدينة لا تُحتمل فهذا ما جعل أسعار المحلات تهبط هبوطا مشهودا…غير أن الذي كان يجلب انتباهي في ميلود هو هدوؤه الغريب وانقياده لي في كثير من المواقف إذ لم أتوقع مرة واحدة ردة فعله ففي اللحظة التي أتوقع فيها ثورته يكون كالثلج برودة أما انفعاله فلا تدري في أي زمن يكون نظرته مرج جزائري أخضر ينساب مع نسائم أوراس، لا أدري إلى الآن لماذا تبدو لي قامته مديدة بشكل غريب حتى عندما يجلس يبدو لي طويلا بل يتبادر إلى ذهني أحيانا أنه يزداد طولا ساعة بعد ساعة، وفي ذلك اليوم خمنت ما يدور في خاطره فقد كان يفكر في هذه الحرب القذرة التي تتحول أحيانا إلى قصف استعراضي بالطائرات، نظر إليَّ مليا ثم قال بنبرة يائسة :
–    أخاف أن نصبح من مدمني الحشيش؟!
أجبته دون تفكير:
–    وليكنْ…

لكن ما زاد حيرتي تلك هو علاقته بجيزال رأيتها أول مرة في البيت الذي قال انه اكتراه في مخيم اليرموك . قدمها لي على أنها عراقية رغم أن لهجتها كانت خليطا من لهجات المشرق قالت إن أباها من المنشقين على النظام العراقي ولذلك عمل هنا في جامعة دمشق غير أن تصرفاتها بكل حرية في البيت جعلتني أشك في أنها صديقة ميلود فحسب إذ كأنني شعرت أن البيت هو لها …..خيّل إليَّ أن علاقة ميلود بهذه الفتاة غير عادية إذ بعد فترةٍ قصيرةٍ تقريبا ستأتي جيزال إلى بيروت وفي مثل تلك الظروف العصيبة، نعم أتت و طلبت الاشتغال معنا في المطعم و ما قلب تفكيري يومها هيجان ميلود إذ رغم جزمي بأنه هو من أعطاها العنوان فإنه رفض طلبها بثورة عارمة دون أن يعانقها أو حتى يسلم عليها . في ذلك اليوم لعنتُ كل لحظة شعرت فيها بالغربة بعيدا عن الأهل إذ لم أستطع أن افهم إلى الآن لماذا رفض ميلود طلبها بتلك الحدة و لماذا تغيرت معاملته لها بعد أن جاءت إلى بيروت .. أما هي فقد كانت أكثر غرابة منه، أغدقت عليه الهدايا في تلك الفترة و ما كنت لأعلم من أين تأتي بالمال .. كم كنت مخطئا ففي دمشق شعرت أنها تريد التقرب مني بأي وسيلة قالت لي مرة بلهجةٍ عراقية  مثيرةٍ غَنِجَة:
–    " عِيني " إنني كلما اقتربت منك أشعر أنك تبتعد أكثر كألف ليلة وليلة كلما فتحت بابا  وجدت أمامك بوابة أكثر طولا.
ازداد دويُّ القنابل في هذا الصباح، بيروت أصبحت لا تحتمل أكاد ألمح نيرون واقفا على تل الحرائق في روما. وصلت إلى نهاية الشارع كنت في شوق إلى ابتسامة ميلود لكنني صعقت إذ بمجرد أن استدرت يمينا تسمرت في مكاني ….. كل شيء يمكن لي أن أتوقعه إلا هذا أغمضت عيني…فتحتهما غطيت وجهي  بيديّ  الاثنتين ….تراخت ركبتاي ..سقطت على الأرض ..رفعت نظري ..لا وجود للمحل لقد سُوّيَ بالأرض لقد تحوَّل إلى أنقاض…الكلاب لقد فجروه ..عليّ الآن أن أبحث عن ميلود ولكن هل يمكن أن يكون على قيد الحياة خنقتني العبرة ..خانني التفكير غلبني الموقف ..سحقني ….كيف يمكنني أن أجده ؟ ماذا عساي أن أفعل الآن ؟ ندمت لأني تركتُه دائما ينام في المطعم و لكنه هو الذي كان يصر على ذلك . لم أكن أتصور أن علاقتي به ستسحقها قذيفة تائهة .
اتصلتُ بالسفارة الجزائرية في بيروت، وجدت صعوبة في تذكر لقبه قلت لهم " ميلود الزرطلي" مات تحت الأنقاض، بحثوا في دفاترهم و ملفاتهم ثم سألوني : " هل لديك بيانات أخرى عنه رقم جواز سفر أو بطاقة إقامة أو أيّ شيء" قلت لهم " لا " .قالوا لي :
" إذن أنت على خطإ ..صديقك ليس  جزائريا " . حكموا عليه بسرعة تركتهم و لديَّ رغبة في أن أبصق عليهم جميعا.

أقضم أظافري و نابي الراقص يزداد به الوجع غير أني لا آبه له وهو الفضل الوحيد الذي اكتسبته من تعاطي الحشيش بهرني ضوء الفانوس المتدلي ..لقد تركاني لمدة ساعة تقريبا ..أظن أنهما يتشاوران حول الجدوى من مواصلة التحقيق…
 تذكرتُ " نِيتْشَه" و معطفها الصاخب و لعبتها المفضلة بملامستها للحاضر وتوجسها من رذاذ الأفق  ..عندما كنا نجلسُ أربعتُنا نترشف القهوة الصباحية في مكتبة كلية  الاقتصاد والتصرف بصفاقس و هي تقول مبتسمةً بشموخ و رقة : أمنيتي الملحَّة  أن ألتقيكم بعد خمس أو عشر سنوات لأرى كيف سيكون زهير العيادي ؟ و ماذا سيكون حمادي ؟ و الكونت علي بأيِّ صورة سيبدو ؟..ترى هل سنبقى أصدقاء ؟… تتنهد بعمق ثم تضرب كتفي بيسراها الرشيقة و بعد ذلك تبدأ فلسفتها المريرة : " نحن عبيد الزمن يا زهير …..لستَ ما أنت عليه و لكن أنتَ ما ستكون "……ثم تهرب بنظراتها إلى الخواء فيلفنا صمت الشباب المتوهج … الآن فقط عرفتُ لمَ كانت كلماتُها تتلحَّف بالمرارة و يتعطَّر صوتها بالألم …غام رقصُ صوتِها في الغرفة الضيقة و تمطَّى يدور و يترددُ صدًى من النسيان ..


جلس الأشعث أمامي في حين أخذ الأقرع يذرع الغرفة ذهابا وإيابا فكان لوقع خطواته وحركته المملَّة مزيدٌ من التوتر والإحباط والرغبة في الانعتاق ….
–    إذن ذهبت إلى دمشق بحثا عن الأمن فلماذا لم تعد إلى تونس ؟
–     و بماذا أعود لا شهادة ولا مال .
–    لكنك بعد أن مدَّدْتَ جواز سفرك في السفارة عدْتَ إلى بيروت هل يمكن لواحد أن يهرب من الحرب لبضعة أيام ثم يعود ليفتح مطعمًا من جديد ..لا يفعل هذا في بيروت إلا من كان مسنودا …ياخي تتمسْخر علينا …!  قل لي كيف أصبحت من ذوي الأملاك في المشرق؟
–     لقد وفَّرْتُ  قليلا من المال فاشتريت ذلك المطعم و لولا ….
قاطعني الأشعث بلهجته الجافة
–    ما زلت تراوغ …المهم ….قلت إنك تريد حضور جنازة أبيك …لن تحضرها إلا إذا قلت ما نريده نحن لا ما تختلقه من أكاذيب … أجب بوضوح : ما علاقتك بالأسماء التالية التي ذكرتها : ميلود الجزائري و جيزال العراقية و باتريك الفرنسي و ضابط المخابرات الفلسطيني رائد النمر جرادات ؟

ذبحتني كلماته أحسست كأني أحاكم ماضيّ الذي فقدته، صرت أنظر إليه من زاوية جديدة راودتني أسئلة كان يجب أن أطرحها منذ سنوات …أسئلة ربما كنت أهرب منها و  هؤلاء الناس الذين عشت معهم هل كانوا أصدقائي فعلا؟
تمتمتُ بمرارة :
–    لكنه مازال لم يمت بعد، قلت إنه يحتضر..
قاطعني الأقرع ببرود قاتل  :
–    لكن إذا لم تقل ما نريده سيموت حتما سواء كان بسبب عجزه أو بخبر اعتقالك الذي سينتشر في القرية .
تناهى إليّ فحيح الأشعث ممزوجا بدخان سجائره :
– ايه…..آش قولك سي الشباب؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق