الكائن الإبستيمي و إرادة النظام

يتكوّن الكائن الإبستيمي كإرادة للمعرفة تلاحق العالم وتحوّله إلى موضوع يمثل أمامها لتستحوذ عليه بالكشف عنه كقطاعات محكومة بقوانين ومنتظمة ذاتيا وفق مبادئ، محاصرة إيّاه بمفاهيم تشكّل منطلقات صريحة أو مضمرة في ضوئها يمكن أن يصبح موجود ما معروفا. رغم الامتياز الأخلاقيّ الممنوح للحقيقة فإنّنا لا يمكن أن نقرّ بأنّها تشكّل النواة الدائمة التي تحرّك هذه الإرادة – إرادة المعرفة – أو أنّ هذه الأخيرة محكومة ببحث دائم عن الحقيقة.

إنّ العالم بموجب إرادة المعرفة يتعرّض لسلسلة من الاستفهامات الممنهجة ليس فقط من أجل تحصيل الحقيقة منه، ولكن كذلك وأساسا من أجل الوصول إلى أقصى درجات النجاعة والفعالية والسيطرة، وبذلك فالحقيقة لن تكون هدفا استراتيجيا دائما للكائن الإبستيمي. إنّ إرادة المعرفة التي تشكّل صلب هذا الكائن تتملّك العالم وتحتويه معرفيا انطلاقا من التسليم بقابليته المسبقة للتوضيع، هذه القابيلة التي تعني إخضاعه لجملة من الشروط التي تمليها عليه، والتي بها وحدها يمكنه أن يكون موضوعا ممكنا للمعرفة. فالموضوع يتكوّن من صميم إجراءات المعرفة وإلزاماتها. وهذا يعني أنّ الموجود يصير مطالبا إذ يصبح مرشحا للانتماء لحقل الموضوعية أن يتكيّف مع متطلّبات معرفية قبليا. وأهمّ هذه المتطلّبات هي أن ينكشف كنظام، أي كمركّب من العلاقات المحدّدة بصرامة ( نسبية) وفق مبدأ. وهذا المطلب الذي يواجه به العالم من قبل إرادة المعرفة يرتكز على التسليم المسبق بأنّ العالم محكوم بقوانين وأنّ الإحاطة بها هو ما يكفل السيطرة عليه، فإرادة المعرفة في عمقها إرادة تنظيم أي إرادة إضفاء طابع الانتظام على كلّ ما يتشكّل بالنسبة لها كموضوع . إنّها لا تبحث في ظواهرها( أي ما تولد كظواهر) بدون غاية مسبقة فتعثر على القوانين بموجب صدفة بحث له استعداد بأن يلتقط ويتقبّل كلّ ما يمكن أن يفرض عليها انطلاقا من الظاهرة سواء كان قانونا أو غيره.

فالقانون ليس صدفة البحث ولا مفاجأة الموضوع، بل هو نابع من تصميم مسبق يحرض الموضوع على أن يكشف عن نفسه ككيان مقنّن، أي خاضع لقانون سواء كان هذا الأخير يمثّل ضرورة سببية أو تكرارا لاقتران مطّرد أو تبات نمط من العلاقات أو تسوية بواسطة حساب الاحتمالات.

تواجه إرادة المعرفة حقلها الموضوعيّ بمجموعة من المفاهيم ( العلاقة- النظام- العنصر… ) ومن خلالها تتناوله. وكلها تتضمّن مواقف جاهزة منه محبوكة سلفا وتمثّل تصريفا مباشرا لها. لذلك لا يمكننا أن ننجر وراء ادّعاء حيادية المعرفة الناتجة عن هذه الإرادة. إنها بالعكس متموقفة مسبقا ضد الفوضى ولجانب النظام، ضد التشتّت ولصالح النسق، ضدّ التنافر ولجانب الانسجام، ضدّ الانفلات ومع السيطرة والضبط والانضباط.

وبهده فإنّ نشاط إرادة المعرفة لا يتحقّق إلا كتدخّل سافر في الموجود موضوع المعرفة يتصرّف في إمكانياته ويسخرها، هذا التدخّل يضمن إرادة المعرفة من حيث هي إرادة تنظيم، إرادة أخرى هي إرادة التحكم والسيطرة على حقل تصريف هده الإرادة. فليس المهمّ بالنسبة لها هو البحث عما يشكل حقيقة كائن ما ولكن الأهمّ هو الوصول وتملّك ما يشكّل مفتاح التحكّم فيه من حيث هو موضوع، أي معرفة القوانين التي بموجبها تتحقّق إمكانية السيطرة عليه واستعماله وتأمين فعاليته.

وبخلاف الكائن الإبستيمي الذي يتشكّل كقدرة على المعرفة التي لا تتحقّق إلا كإرادة التنظيم والتحكّم والسيطرة، فإنّ الكائن الذي يوجد يحقّق قدرته على الوجود بتلقائية وفقها يصرف إمكانياته ويحيّنها في الزمان وهو في ذلك يكون محمولا بوجوده من حيث هو مجرى انطولوجي أي سيلان من احتمالات الحدوث اللامتناهية والتي يمكن أن يكون أحدها هو المعرفة. هذا الكائن يتدفّق ليس وفق مطلب معرفيّ يحرضه على الوجود على نحو محدّد ويرهنه بشروطه، بل وفق تلقائيته وما تحدّده فيه من تعينات، هذه التلقائية هي التي أصبحت في عصر التقنية مستهدفة ومهددة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق