الكاميرا لن تنجح دائماً في كشف ما تخبّئه وجوه أهل السلطة / جوزف الحاج

«البورتريه والسلطة» معرض يقيمه قصر «ستروزي» للفنون المعاصرة في مدينة فلورنسا الإيطالية، يتناول التمثيل السياسي والإقتصادي والإجتماعي للسلطة في الفنون المعاصرة من فوتوغرافيا وفيديو ورسم وتجهيز. القسم الفوتوغرافي ينحصر في البورتريه، يحلل السلطة كتعبير عن كاريزما الشخصيات التي تحوّلت إلى أيقونات، ويتقصّى قوة وسلطة المؤسسات والنماذج الإجتماعية، كما يتحرّى الآليات المخفية لجبروت السلطة.

المصورون المشاركون: تينا بارني، آني لايبوفيتز، هيلموت نيوتن، هيروشي سوجيموتو، رينيكا ديجكسترا، نيك دانتسيغر، جيم دو، وانغ كنغ سونغ، دانييلا روسيل ومارتن بار.

صوّرت الأميركية تينا بارني (1945) مجتمعات نيويورك ونيو إنجلند الراقية، في قصورها أو في بعض مناسباتها الخاصة. يتراوح أسلوبها بين الواقعية وفن الرسم الكلاسيكي، يُظهر قوة التعبير الناتجة من التفاعل بين المكان الفخم وناسه. تعتبر بارني أن هذه الطبقات هي في طبيعتها حريصة على انتشار صور أبنائها، التي تنشر في أغلب الأحيان على صفحات مجلات المشاهير. تعتبر بارني رائدة في تحويل هذا الفرع من التصوير إلى نوع فني مستقل. لم يكن قصدها إظهار الثروات بل التحليل الإجتماعي، كالعلاقة الإشكالية بين الآباء والأبناء. صورت الطبقات الإيطالية النبيلة وأصحاب المصارف والملاّكين النمساويين وشرائح تفتخر بانتمائها إلى البورجوازيات الأسبانية الثرية، وبعض لوردات الإنكليز في قصورهم. تنطلق في بورتريهاتها من مراقبة حذرة لهؤلاء في حياتهم اليومية. لأجل القبض على اللحظات الآسرة تطلب منهم أن يكرروا هذا السلوك اليومي لتصويره. تكتسب الوجوه صلابة وأبهة. تعطي صورها إحساساً بأن هذه العلاقات تدورخلف أقنعة الرقابة الذاتية. هكذا تكتشف لعبة الأدوار الإجتماعية وتجعلها مرئية بالكامل.

في العام 2007 طُلب من الأميركية الأخرى آني لايبوفيتز (1949) تصوير الملكة إليزابيت الثانية. «اعتقدت بادئ الأمر أن المطلوب مجرد صور وثائقية، لكنني رغبت في تحقيق بورتريهات بسيطة»، قالت عن هذه الصور التي استغرق تحقيقها عدة أسابيع والإستعانة بعشرة مساعدين. استوحت لايبوفيتز من الصور السوداء والبيضاء الجدية للمصور البريطاني سيسيل بيتون التي التقطها للملكة الأم في 1939 واختارت كمكان للتصوير غرفة بيضاء من قصر باكنغهام، حيث كانت تعقد إجتماعات مع السفراء الأجانب. تروي لايبوفيتز أنها طلبت من الملكة إرتداء زي رسمي كان على شكل ثوب سهرة مطرز بخيوط ذهبية، فوقه شال من الفراء الأبيض وعقد ماسي ووضعت على رأسها تاج الملكة ماري.

في كل جلسة تصويرأمهل المسؤول لا يبوفيتز 15 دقيقة فقط تجنباً لإرهاق الملكة الثمانينية. في العادة يبلغ وزن الثياب الملكية الرسمية نحو أربعين كيلوغراماً تبدو فيها الملكة، بوضعيتها وثيابها العادية، خلافاً لرغبة القصر، أشبه بعامة الناس.

المفارقة هنا أن لايبوفيتز طلبت من الملكة نزع تاجها «للتقليل من الأناقة الزائدة» كما قالت لها. انزعجت الملكة وقالت مشيرة إلى لباسها: «أقل أناقة! ماذا تقصدين بذلك؟». إعتادت لايبوفيتز أن توجه بإحكام جلسات التصوير، لكنها في جلستها مع الملكة أرادت إمتحان سلطتها كمصوِّرة حتى على ملكة. أمرت الفنانة ووجّهت الملكة كما لو أنها موديلاً في عرض للأزياء، معتبرة التاج كأكسسوار اعتيادي. ما يلفت النظر هنا هو العلاقة بين هذه الصور وبين الأسلوب الكلاسيكي للبورتيرهات المرسومة. ألتقطت هذه الأعمال وفق المعايير التقليدية للبورتريه، رغم التناقض غير العادي بين الطريقة الإصطناعية التي تقدم بها الملكة على المسرح- تماماً كما لو أنها لقطة من عرض أزياء- وبين إكتمال الأصالة المثالية للسياق (القاعة الرسمية واللباس الرسمي يعكسان مركز الملكة الإجتماعي الحقيقي). البنيان الصارم للصور، الثوب المطرّز والفضاء الرسمي الشبيه بمتحف، كلها ساهمت في إعطاء الملكة ظهوراً متحفياً أشبه بتماثيل الشمع بدلاً من إظهارها في شخصية من لحم ودم. صوّرت إليزابيت كرمز للعائلة المالكة، بتوافق مع رمزية أيقونوغرافية تخدم تمثيل دورها كنقيض متعارض مع فرديتها.

هلموت نيوتن (ألمانيا 1920- الولايات المتحدة 2004)، معروف، لا كأحد صانعي التاريخ الفوتوغرافي الحديث فقط، بل كواحد من مبدعي صورة المرأة في العالم المعاصر. تميزت أعماله بالأناقة والإثارة. أجساد رائعة الجمال في علاقة غامضة مع المشاهد. هل هي المرأة التي تبدو محكومة بنظرة فوتوغرافية ذكورية، أم أنها هي من يتسلط علينا من خلال جمالها المقلق؟

في المعرض علاقة نيوتن مع عالم النساء من خلال صورته لمرغريت تاتشر. يقول نيوتن: «كانت تاتشر القمة: هل يوجد هناك شيء حسي مثير أكثر من السلطة؟ جسدت الرئيسة سلطة المرأة المتفوقة التي لم تُخضعها سلطة. كنت أبحث عن إمرأة متفوقة، لا عن جسد نندفع حوله».

حقق مصور العري الإستفزازي بورتريه مواجهة لتاتشر بدت فيها أنيقة. نجح في إبراز طابع المرأة التي دخلت التاريخ كمحافظة. تفادى زاوية الإلتقاط الجانبية، أو الـ «ثلاثة أرباع»، ليأسر وجهها مواجهاً، مؤكداً على قوة موضوعه لكنه جعله مفضوحاً أمام أعين المشاهدين من خلال تسليط إضاءة جعلت من المستحيل إخفاء التجاعيد. عندما طلب منها نيوتن أن تقف بجدية وصرامة، أجابت: «آه، لكن الأمر سيبدو غير محبب عندما لا نبتسم». في عمله عن هذه المرأة التي ظلت فخورة بسلطتها رغم الهزيمة، أدرك نيوتن جوهر العلاقة بين الوجه الشعبي والكاميرا وهي استراتيجية تأكيد السلطة الوحيدة للغة الصورة.

للياباني هيروشي سوجيموتو (1948) موقف مفهومي. نزع عن الصور كل زوائدها ليؤكد أسبقية الفكرة على الموضوع. بورتريهاته المعروضة هي لوجوه مشهورة دخلت المتخيل الجمعي، مثل الكوبي فيديل كاسترو والبابا يوحنا بولس الثاني.

شخصيات سوجيموتو ليست أصلية إنما من شمع ليعاد تمثيلها بأقصى واقعية ممكنة. أضيئت الوجوه بمصدر ضوئي قاسٍ تقابله خلفية سوداء وبطريقة مسرحية تقلّد وضعيات نموذجية للشخصية الأصيلة بعد عزلها من كل سياق لتأكيد طبيعتها الأيقونية بدلاً من البشرية. عكس الفنان فرادته على طبيعة الفوتوغرافيا وعلاقتها بالتاريخ وبالزمن. صوّر الوجه مؤكداً على إشكالية مسألة التأثير الواقعي للإستنساخ الفوتوغرافي.

تبقى لهذه الصور جاذبيتها كما الصور الأخرى. هناك شيء ما يجعل منها أكثر واقعية من تماثيل الشمع، مواضيعها الفعلية. مستويات مختلفة من الإستنساخ تدور هنا: من الأصل إلى الصورة الأولية التي شكلت نموذجاً لتمثال الشمع. أعماله باردة عاطفياً، فهي إنعكاسات مفهومية حول مسألة البورتريه وقيمتها السياسية والثقافية كأيقونة للسمات التي تمثلها، والتخلي ضمناً عن أي نظرة واقعية إلى الأفراد الذين يتناولهم كمواضيع. إنه ينجز توازناً بين الحياة والموت اللذين يشكلان ميزة الفوتوغرافيا وصورة البورتريه، حيث الأهم ليس واقع أو حياة الموضوع، إنما القيمة النهائية كصورة ما بعد الزمن واليومي.

أشخاص الهولندية رينيكه ديجكسترا (1959) مراهقون يبحثون عن ذواتهم، مرتبكون يعيشون لحظات نموهم الحاسمة. عالجت موضوع الهوية وتمثيلها في الصور. ميزة صورها هي رغبتها في إظهار الشخصية الحقيقية مقابل أي تقليد محتمل. تبرهن، على نحو مقنع، كم أن الفوتوغرافيا ماتزال قادرة على تجاوز المظاهر وبلوغ الجوهر.

تحقيقها عن وجه الجندي أوليفيه سيلفا، هذا الشاب الذي إنتسب إختيارياً إلى الفرقة الأجنبية في الجيش الفرنسي في تموز من العام 2000، تابعته في لحظات عصيبة أثناء فترة التدريب في فرنسا وفي أفريقيا ومن بعدها إلتحاقه بالخدمة الفعلية في مهمات في الغابون وشاطئ العاج ودجيبوتي في 2003. تُظهر الصور بوضوح التحولات التي مرّ بها هذا الجندي: من الشاب ذي النظرة البريئة إلى المحترف في إحدى أهم فرق النخبة العسكرية. عبّرت عن كل ذلك من خلال العيون والنظرات، والجمالية المينيمالية. سجلت ديجكسترا المفارقة بين القيم الفردية والقيم الجماعية، بين الهوية والإلتزام التقليدي.

نيك دانسيغر (بريطانيا 1958) مصور صحافي وثائقي الأسلوب. بين آذار ونيسان 2003 قضى ثلاين يوماً برفقة رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير، بهدف تصوير السلطة من وجهة نظر يومية، داخل أماكن يصعب الوصول إليها في العادة. تزامنت تلك المناسبة مع ظروف حرجة كان بلير يجتازها بسب تحدي قرارات حاسمة كان عليه إتخاذها، تخص تحالف بريطانيا والولايات المتحدة تحضيراً لحرب الخليج الثانية. كان على دانسيغر توثيق مواقف لا تدركها العين، لحظات تافهة تتكدس فيها كل التوترات العميقة. ظهر بلير في ثياب غير رسمية. تحول هذا الإنعكاس إلى صورة داخل الصورة، لم تكن وليدة الصدف أو البساطة، إنما نتيجة قرار واعٍ من جانب المصوِّر. استطاع دانسيغر تصوير السلطة في أشكالها الحميمة. أمسك بمواضيعه من حيث لا يتوقع أحد. قوة صوره تكمن في قابليتها الإيحائية بلحظات تسبق اللحظة المناسبة لإلتقاط الوجه. «في بعض الصور، حيث يبدو رئيس الوزراء جالساً، كان في الحقيقة يستمع إلى صيحات المعترضين على الحرب. رقيب السلطة يمكن أن يتلف صوراً لا تُظهر الحاكم في وضع مطمئن، إذ أنه يريد أن يبحث عن صور في حالات عادية يمكن الإحتفاظ بها كذكريات جميلة» يقول دانسيغر.

قارب الأميركي جيم دو (1942) الأمكنة التي تحمل آثاراً مرئية لتفاعلات الناس: المطاعم والنوادي الأميركية والبريطانية، صالات التانغو في بوينس أيريس، المزارع، ملاعب البايسبول، قاعات الإجتماعات، المكتبات… في صور موضوعية خالية من الحضور البشري، قدّم جيم دو وجهة نظره عن الهندسة المعمارية وأشكال الأثاث التي تشكل خلفيات لطرق العيش. يقول دو: «يعود إهتمامي بالتصوير إلى قدرته على الوصف الدقيق. أستخدم الفوتوغرافيا لتسجيل ما تبقى من مظاهر الإبداع والروح الإنسانية في حياتنا اليومية». بصوره الوصفية والمقارِنة لهذه الأماكن التاريخية يعطي طابعاً لها، داعياً المشاهدين إلى إحترام خلودها: «الهندسة المعمارية هي أول وأقوى أشكال الإتصال الجماهيرية؛ هي في الوقت نفسه، مرآة للسلطة واستراتيجياتها، تعمل على تعزيز هذه السلطة وتأثيراتها. إنهم يستغلونها عمداً في الإغراء والترهيب.»

وانغ كنغ سونغ (الصين 1966) وتحولات المجتمع الصيني التي تمر عبرثقافة الإستهلاك الغربية. صوره ساخرة تقلّد فن الإعلان الصيني، يدمجها في لغة بصرية تكاد تلامس مبالغة لغة الإعلان الغربية. وانغ رسّام ونحّات يصوّر أعماله النحتية وهو واقف بالقرب منها.

تفاصيل أعماله تذكّر بالأنصاب المخصصة للزعيم الصيني ماو. البطولة المثالية وقوة المؤسسات الإشتراكية ونصرها المحقق على الإمبريالية المتجسّد في المواكب العسكرية. لكل عمل من أعماله مرجعية زمنية. في أحد الصور وقف وانغ قرب أحد النصب ورأسه ملفوف بضمادة: إنها الحرب. وفي أخرى جعل من حجم جسده أصغر بكثير من قياس المنحوتة التي يقف قربها. إنه أسلوب النحت في زمن الواقعية الإشتراكية.

اختارت المكسيكية دانييلا روسيل (1973) الطبقات الراقية الباذخة، التي تفرض سلطتها وسط القصور ورموز الثروة. في فضاء معماري كلاسيكي فخم رتبت مكونات مشهدها من لوحات إكزوتيكية وحيوانات محنّطة وتماثيل خدم ملونين تذكّر بالماضي الكولونيالي. إنها اللامبالاة وإنعدام الوعي الثقافي لأشخاصها. اعتمدت العدسة الواسعة والديكورات العاكسة كالمرايا والمساحات اللونية الجريئة، وجعلت الوجوه النسائية جزءاً رئيسياً من الديكور الداخلي نفسه. نساؤها إخترن وضعياتهن وفقاً للشائع منها والتي تبرز قمة الشهوانية كما لو كن من النجوم. من عناوين الأعمال: «جانيتا في مكتب والدها»، «ما يرمز إلى مدى إرتباط سلطة المرأة بآخرين هم في أغلب الأحيان أزواجاً أو إخوة أو آباء» قالت. تكشف روسيل عن أزمة الهوية الثقافية لهذه الطبقة. بين الأثاث الفاخر بدت تلك الأجساد باحثة عن تأكيد الذات عبر رمزية وأيقونية سلطة كولونيالية بائدة لا تزال مغرياتها مشتهاة حتى اليوم.

أما مارتن بار (بريطانيا- 1952) فسجّل سلوك ناس من كل الطبقات في ظروف مختلفة، لا بحثاً فقط عن الإختلاف إنما عما يجمع هؤلاء سوية. لا يهتم بالمواضيع الكبرى كالحروب والفقر، يجد مواضيعه في الحياة العادية وفي نشاطات الطبقة الوسطى في الإستهلاك واللهو والإتصال. ألوان أعماله كثيفة لا صلة لها بالفوتوغرافيا الوثائقية كما عرفناها. يستخدم الفلاش الإلكتروني حتى في الضوء الطبيعي. زواياه اللا مألوفة تجعل صوره كأنها مبالغة ولا واقعية. يقول: «نحن معتادون على استهلاك الصور الإعلانية، لذا يدهش الناس عندما أريهم صوراً وثيقة الإرتباط بالحقيقة. أنا، على الأقل لا أكذب». تتجاوز لقطاته سخرية الصور الشعبية لتحلل بيئة إجتماعية. باعتقاده «أن مشكلة عالم اليوم ليست الفقر إنما الإثراء والنمو المفرط. يشارك الناس في أحداث يتبنونها كمرادف لهوية وإنتماء طبقي». تثبت صوره لحظات الكشف عن الهشاشة والمبالغة وتحوّل الناس إلى مهرجين في كوميديا باغتتهم عين المصوّر نفسه التي وجدت الإهتمام، لا في الأفراد، بل في النظام الإجتماعي بكل قواعده وقيمه.

بعض الأعمال المعروضة تناولت الموضوع ببساطة لم تُضف، لا على الصعيد الفوتوغرافي ولا على صعيد فهم حقيقة السلطة، ما يتجاوز الأفكار المسبقة. فرض الموديل في بعض الأحيان نفسه على المصوِّر، كما حصل مع هلموت نيوتن وصورة «مرغريت تاتشر». تينا بارني بدت منضبطة لم تنجح في إخلال توازن هذه الطبقة وإختراق المظاهر. آني لايبوفيتز ربما كانت الأكثر جرأة والأقل أدباً في التعاطي مع «جلالة الملكة». أعمال هيروشي سوجيموتو هي رمز استحالة تصوير «السلطة» وربما دحضت فكرة المعرض من داخله.

يبقى السؤال هل هذه هي صورة السلطة؟ وهل بإمكان الفوتوغرافيا فك رموزها عبر البورتريه؟

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 13/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق