الكردي بين أطلال التراث وقلق المكان

حمد أحد المستعربين اليابانيين قسمته الحضارية بعد حضوره ندوة حول الإصلاح السياسي في القاهرة وأبدى سروره من أن أمته ليس لها كل هذه الأمجاد الغابرة والتليدة التي للعرب، والتي تعيق بعظمتها تقدمه. فأقدم قصر اثري معماري ياباني يعود إلى بضعة قرون بينما الأوابد العربية الصامدة أمام أضراس الزمن الطاحنة تعود إلى آلاف السنين ( الأهرامات، آثار تدمر وبابل، ورقيمات الكتابات الهيروغليفية والمسمارية…). المجد يتجاوز الإنجاز الإنساني المتمثل في وقائع الزمان والمكان إلى السرد المقدس، إلى الرسالة والمعجزة. الأكراد اقل من اليابانيين مجدا حضاريا، وهم يحسون في لا وعيهم بالغيرة من العرب، الغيرة مستجدة لأنه أعتبر الحضارة الإسلامية حضارته، وربما يعود غياب السرد الكردي إلى عدم وعي هوية الاختلاف العرقي إلا متأخرا، وبسبب كونه معربا روحيا أو كونه من “العرب المستعجمة” وهو تعبير توصيفي لا تصنيفي لابن خلدون.

الأمم المجاورة للكرد تسترخي مسبطرة على كنوز من الأمجاد والتاريخ بما فيهم الترك الذين كانوا قبل قرون أربعة يحكمون العالم من مركزه الأوحد المشع استانبول والتي حرفت رياح العلمانية الطورانية، أو رياح الزمن اسمها الأصلي اسلامبول. الترك الذين اعتبرهم ابن خلدون أقوى أمم الأرض في زمانه لم يكن لهم حرف كتابي، فاستعار لهم أبوهم اتاتورك حروف الغالب اللاتيني بعد أن صار الإسلام، وحرفه العربي، مغلوبا. المتعلمون الكرد (السوريون) في معرض مطالبتهم بالاعتراف بهويتهم الثقافية أو العرقية يذكّرون السلطان بمساهماتهم الوطنية فيذكرون أعلامهم الكرد (صلاح الدين الأيوبي، محمد كرد علي، إبراهيم هنانو، يوسف العظمة..) المستعربين بقياساتنا المعاصرة قولا وفعلا. المشكلة أن هؤلاء هم أعلام الكرد فلا أعلام “غير وطنيين” عندهم. وإذا كان صلاح الدين الأيوبي كرديا نسبا بلا جدال، فهنانو والعظمة مشكوك في أمر نسبهما الكردي، بل إن عائلة العظمة أصدرت بيانا تنفي نسبتها للكرد بعد إبداء الاحترام لهذا العرق الكريم. أسماء الأعلام الأخرى التي يتباهون بإنجازاتها ( احمد شوقي، محمود تيمور، عباس العقاد..) مختلطة النسب ومهجنة.

بعض المتعلمين اليائسين المقرورين، يلومون صلاح الدين أو حتى يشتمونه لأنه لم ينتسب إلى الحزب الشيوعي أو يؤسس حزبا تقدميا كرديا! أو باعتباره خائنا عمل في خدمة العرب، في تجاوز منطقي لإحداثيات الزمان والتاريخ وقياس الشاهد على الغائب! الأكراد ليسوا مثل الإسرائيليين بارعين في السطو الصريح والسافر على أمجاد الأمم الأخرى (من السرد والأهرامات وحتى الفلافل والزي الفلسطيني الذي تلبسه مضيفات طائرات العال). العربي نفسه، بكل عظمة تاريخه وأمجاده يعاني من البرد الحضاري حاليا، ويقلق على هويته من فك العولمة المفترس. تسري طرائف تحاول نسبة شكسبير إلى العرب بعد تعريب اسمه إلى الشيخ زبير وتعزو مفاكهات اكتشاف جزر اليابان (يا غصن البان) إلى ملاح عربي مبني للمجهول، واكتشاف فيروس “الأنف لونزا” إلى العرب باعتباره فيروس ( أنف العنزة).. فالطرفة، حسب التحليل والتشخيص الاجتماعي، خدعة طبية تكشف علل المجتمعات والأمم. الطرفة تحاول إقناع الذات المكلومة بالمركزية الأبدية.

أصدر بعض المتعلمين الكرد منذ فترة غير بعيدة طامورا يحاولون بها إثبات كردية النبي إبراهيم الخليل (أو نفي عروبته على الأقل). الحداثيون العرب صاحوا: مبروك عليكم نبوة إبراهيم الخليل، لا نريده.

فهم يريدون “نبيا” يشبه أنشتين أو فرويد أو نيوتن. فتاريخهم فائض بالنبوات والكرامات الميتافيزيقية. وإذا خانت الكردي البراهين عزّى نفسه: إن الله يرسل الأنبياء إلى الأمم الضالة!

باحث حلبي معروف قال لأصدقاء كرد باحوا لهم بغيرتهم من تراثه العربي ( تراثهم الإسلامي) فقال: تقصدون الفقه؟ خذوه ..مبروك عليكم! وغاب عن بال الكاتب الحلبي المبتلى بمعجزة الحداثة الغربية، أن العلوم العربية كلها من رياضة وفلك وحساب وجغرافية.. خرجت من رحم الفقه الإسلامي. لكن الكردي يبقى مهموما بإحصاء أعلامه “الخونة”؟

–ابن الأثير كردي!

–إذا كان صحيحا .. فستقعد العرب على الحصيرة؟

الطامة أن أشعار الأعلام الكبار مثل احمد خاني والملا الجزيري (وهما من كبار أعلام التاريخ القريب) موزونة ومصبوبة في بحور عربية، تتصاهر فيها المفردات العربية مع المفردات الكردية. وهناك شك في أصالة موهبة الملا السابق صاحب الدواوين السبعة الذي اختار لقبا كرديا بدلا من اسمه العربي الإسلامي المشفوع بلقب السيدا. فثمة من يعتبرها مسجوعات فجة تتباهى بجسارة الكردي الذي يرعب أعداءه (لقب “جكر خوين” يعني بسالة الدم). وثمة من يعتبره فولتيرا كرديا انتقد “الإكليروس” الإسلامي الكردي ممثلا في الملالي والواعظين.

أنجبت الأمة الكردية الكثير من الأعلام الفقهاء ولا تزال أطلال “الحجرات” الفقهية التي تتلامح فيها ذكريات السجالات والمناقشات الفقهية ماثلة، ويحتفظ بعض هؤلاء الفقهاء برسائل من أئمة موزعين في “ديار الإسلام” من طنجة حتى النجف. وثمة من يجد أشعار جكر خوين أناشيد رعوية تكمن جماليتها في جرسها الذي ما إن تترجم إلى لغة أخرى حتى تتحول إلى غثاء سيل. سليم بركات موهبة كردية كبيرة ربما تكون هي الأعظم، لكنه يكتب بلغة من صار آخر. إنه أكثر المعبرين عن الكرد الكرمانج وروحهم وأزمتهم الوجودية، وربما عن روح الكردي بعامة، خاصة في رواياته ( فقهاء الظلام، الريش، معسكرات الأبد). المتعلمون لا يفهمون شعره التجريدي، فهم يريدون بيانات مليئة بالتهديد والوعد والوعيد، لا روايات رمزية عنيدة، عصية على الترجمة إلى أغنى اللغات، فكيف بالكردية التي صحت من النوم عصرا فوجدت أسنانها مكسورة. أما شيركوه بيكس الأشهر كرديا وعربيا فقد يكون طفرة كردية؟ مع ملاحظات نقدية على شعره كالبرقية، والشفوية، وسيادة الفكرة، والذي لا يمكن أن يقارن بعمق ورؤيوية وفخامة شعر محمود درويش، متنبي العرب المعاصر، الذي مثله يوصف غالبا بأنه وصفا لا يرضي صاحبه” شاعر قضية”.

الفرس ينافسون الكردي على أساطيره مثل أسطورة الحداد كاوا وزرادشت “النبي”، الذي تخفق الجهود المحاولة إثبات نبوته السماوية في عصر آلهة الأرض النيتشوية والاميركية. زرادشت ليس له اسم في اللائحة البيضاء السماوية. الأمم الأوسطية تتشارك في كثير من الأساطير المهاجرة التي تعرب أو تمصر، وعراقة ماضي الفرس ترجح أولويته في الانتساب إلى هذه الأساطير مادامت مسطرة في إلياذتهم المسماة بالشاهنامه. يحس المثقفون الكرد بأزمة هوية طاحنة وقد قرأت لشاعر كردي مسلم أمسى يتباهى بتراث اليزيدية الكردي الصافي وبملك طاووس كبير الملائكة، إله الشر، وكتابها المصحف الأسود (مصحف رش ) الذي لا تتجاوزه صفحاته العشر وعدد كلماته الثلاث مائة.

يحاول الكردي نبش تاريخه علّه يجد فيه عزوة مجد غابر. ليست الأعلام فقط عربية اسما ولغة، بل إن الوثائق التي يبرزها الكردي برهانا على كردية أعلامه يجدها في سرديات العرب وكتبهم وتواريخهم مثل عدي بن مسافر ( لاحظ عروبة الاسم تركيبا وكنية) الذي يعزى إليه تأسيس الديانة الايزيدية. ثمة أكراد يستشيطون غضبا إذا سميت ديانة الكرد القديمة بالديانة اليزيدية بدلا من اسمها الصحيح “الايزيدية”، كما أن هناك من يجد ترفعا ونخبوية في استخدام مفردة الكورد بدلا من الكرد. الكرد أكراد من الدرجة الثانية بينما الكورد شعب لم ينجب التاريخ مثله، تتحطم الدنيا ولا يتحطم كما يقول الشاعر الجواهري. والايزيدية، مع الاحترام، ليست دينا بغنى طقوس الديانات السائدة والسيدة، أو بثراء الديانات الهامشية الطوطمية، أو بشساعة التعاليم التاوية أو البوذية، إلى درجة يمكنها التعويض عن ثقافة أو هوية، كما أنها ليست بغزارة أتباع أو غنى تعاليم الكنفوشية العريقة.. الايزيدية هي الديانة الوحيدة من بين ستة آلاف ديانة لا يهمّ الكردي أن تكون سبيلا للفوز بجنان الآخرة، أو منجية من النار بقدر تعبيرها عن خصوصية عرقية تنجيه من برد الحياة الدنيا وتبعث أطلال الماضي من الرماد.

تأخر “ثمر” القومية الكردية، عقودا، عن بزوغ عصر القوميات الذي يعزوه سيد قطب إلى مكائد استعمارية لتفكيك الأمة الإسلامية. يمكن للكردي أن يجادل ويشير إلى جهاد البرزاني الأب وكفاحه الطويل كبرهان على وعي الكردي لقوميته مبكرا، والى دولة مهاباد التي لم تكمل عاما، في الأربعينات. لكن الكردي من جهة أخرى يمكن أن يدلل على أمميته، وعالميته إذا شاء، بدليل رضاه بدور مساعد البطل في الحضارة العربية الإسلامية ومرة بدور البطل الأول الذي رفعه دانتي إلى الطبقة الأولى في جحيمه بينما رمى نبي الأمة وابن عمه في الطبقة السابعة!
البرزاني الأب كان ملا ( من الإملاء العربية)، على غرار عمر المختار، وعبد القادر الجزائري… قدّم الملا المتصوف السائر على هدى الأولياء الصالحين، المصحف لعبد الكريم قاسم المتشكي من ثورته وقال: طبقوا القرآن وسنكون سعداء، فاعتذر العلماني قاسم. فقال البرزاني في محاججة مفحمة: إذن لنا ما لكم، تريدون أن تكونوا عربا فسنكون أكرادا. الروح الكردية المشتركة فتية ومضطرمة ، لكن النظرية الفرنسية في القوميات صيغت لضم شعوب مستعمرة، وهي لا تروي غليل الكردي. فبمكنة العربي أن يختار ما يشاء من النظريات القومية بما فيها نظرية الدين اليهودية الحديثة الصناعة. هذه قسمة ضيزى.

يمكن للأمة القوية تشييد تراث وماض حسب الطلب. مفكرون عدة أكدوا سطو الغرب على التراث الإغريقي( جورج قرم، بول فريشاور) مع أن حاضر الغرب يشير إلى قوة ماضيهم. ماضي العرب يمتد في السرديات العربية الإسلامية إلى آدم الذي تنشد على لسانه أشعار عربية موزونة مقفاة من البحر المتدارك المتوسط! الأمم لا تنبت من فراغ، والسطو والاستيلاء يحتاج إلى سلطان كبير وطائرات شبح، ليست للكرد الذين ينسبون أنفسهم إلى ميزوبوتاميا الغامضة، كما أنه ليس من طبعهم السطو على تراث الآخرين بدليل تباهيهم “بالعرب المستعجمة”. لا يمكن الجزم بكردية هنانو الذي قد يكون الأكراد اشتبهوا بكرديته بكنيته من واو التحبب في أقصى اسمه؟ هنانو سطو غير مقصود، أو يحتاج إلى برهان، و الثائر سعيد أغا الدقوري المغمور- الذي ليس له محل من الإعراب الوطني و”الإكراد” الكردي- لا يقل وطنية عن سلطان باشا الأطرش وصالح العلي لكن مشكلته أن ثورته ضد المستعمر مهمشة، سقط اسمه سهوا طبعا، في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا؟

{{جدال بيزنطي}}

الكردي قد يرى نفسه الآن متفوقا على العربي، ربما لكونه لم يكن “مستعمرا” مثله. وقد يباهي بأنه ضحية والضحية أطهر من الجلاد، لكن تؤخذ الحياة غلابا. العربي يجادل بأن الكردي يضطهد الأقوام الأخرى أيضا والمثال كركوك لكنها ليست مثالا طيبا. فالأكراد يعوضون المرحلين بالقوة، الذين استولوا على بيوتهم في السبعينات، وكان أفضل لو قالوا “ابقوا فانتم الطلقاء”! لكنهم الآن يقتدون بالأميركان لا بالنبي العدنان؟ عناق الكرد مع الأميركان يثير حفيظة العرب ويجعلهم يتهمونهم بالخيانة. الكردي يستجيب حاليا للقول العربي: إذا هبت رياحك فاغتنمها… المشكلة, أنها رياح أميركية الصنع وعندما تسكن، لن يكون للكردي حتى الريح. مجادلة الكردي لا تصيب عندما يقارن نفسه بالزعماء العرب الذين يعانقون الأميركان قبلهم بسنين. فالعرب ليس لهم مركز مثل السليمانية أو أربيل. فكل قطر عربي يعتبر نفسه مركزا، كما أن العربي لا يوالي زعيمه كما يوالي الكرد زعماءهم ويتماهون بهم.

{{العربي آخر للكردي!}}

تحط في بريدي رسائل الكترونية كردية ساخرة من العمليات الاستشهادية العراقية ضد “الفاتح” الأميركي فاستنتج منها أن تهمة العمليات الانتحارية أو الاستشهادية المستبدعة تجعل بعض “الكورد” يرون أنفسهم متفوقين إنسانيا على العرب الذين أنجبوا أسامة بن لادن و”الاستشهاديين”، وهم هنا ينسون حزب العمال الكردستاني المصنف دوليا على أنه إرهابي، ومع أن عشرات الكرد من مناصري حزب العمال أحرقوا أنفسهم حرقا، احتجاجا على اعتقال “عمهم” الكردي بطبعته الستالينية. ربما يعتقدون في قرارة أنفسهم انه نوع من الانتحار الإيجابي الذي لا يؤذي الآخرين.. انتحار أبيض. العرب (المسلمون) الآن في حال يرثى لها حضاريا. والكردي يبحث عن وطن يستظل بظلاله و بعرق أخر يستظل به. لعله الآرية التي يقول بعض علماء الإناسة إنهم ينتمون إليها. بول بريمر تغنى في مذكراته بالعيون الكردية الزرقاء، لكن أكراد السهوب ليس لهم عيون زرقاء. العين الزرقاء لا تشكل سردا بديلا. لا أظن أن الآري سينظر إلى ابن جلدته” الكردي نظرة رضا وأخوة عرقية، حتى ذوو العيون الزرق الكواحل مسلمون يحجون، أو يحج آباؤهم إلى “الحجر الأسود”. أو إلى كعبة لالش، محجة الايزيدية الكردية العريقة.

{{شم القتار الأسود في أول أيام الربيع}}

في الثمانينات عاش الكرد السوريون مكتفين بالقليل من التمثيل الهوياتي، قنعوا بثمالة الهوية: إغضاء عن سماع الأغاني الكردية في عهد بعث التصحيح، والذي كان سماعها محظورا في الستينات، بعض الكرد ابتهجوا بهذه المكرمة إلى درجة أنهم قالوا: الرئيس كردي. وأشاروا إلى زي والدته في الصورة التي كان الابن ينحني مقبلا على يد أمه التي تشع حول رأسها هالة القداسة كبرهان مادي. الكرد كانوا يحملون الصورة في عيد النيروز الذي احتفلوا به صراحة في أواخر الثمانينات، الصورة كانت تجمع بين الاحتفاء والتقية ورخصة الاحتفال..لاحقا أعلن عيد النيروز عطلة رسمية لكن تحت مسمى إنساني معقم من النزعات “الشعوبية”: عيد الأم. في سوريا يقدس الأكراد الإنسانيون “أمهم” أكثر من أي شعب آخر على وجه الأرض. الكردي يعتقد اعتقادا لا يشوبه خالط أن النيروز عيد كردي خالص، لكن الفرس يحتفلون به، ويبدؤون به عامهم، بل أن شعوب الشرق كلها تحتفل به تحت مسميات رومانسية ، شم النسيم مثلا، فيما يشم الكرد دخان العجلات المطاطية ويحمومها السام. في تركيا اسم الاكراد أتراك الجبل وفي سوريا صاروا جزءا من النسيج الوطني لكن أغنية كردية لم تبث من التلفزيون الرسمي حتى الآن، وقانون الأحزاب الموعود، الذي لن تكون فيه للكرد “مظلة، ينتظر “رحمة” أميركية، أو “كاوا منتظر”، بعجلات مطاطية تثقب الأوزن برماحها السوداء.

{{الشجاع الأرمني}}

تباهى كردي بتصدر الأكراد الخبر الأول على مدى أيام، كان الخبر هو قيام “الشهيد” صدام حسين بتهجير مئات الآلاف من الأكراد إلى الجبال في الشتاء!!

أيها الكردي : أنت جريح؟

في الثمانينات رعت الحكومة السورية نشاطات ثقافية أرمنية عربية مشتركة، غار منها الأكراد كثيرا. كان عبد الرحمن منيف احد المشاركين. في ندوته نهض فيها احد الأكراد وعاتب الروائي لعدم الكتابة عن الكرد كما كتب عن الأرمن! هكذا على الملأ توسل الشاب استئناسا ثقافيا بالأكراد ولو كممثل مساعد للبطل العربي الثائر متعب الهذال..أثنى المشاركون على قوة الروابط العربية والأرمنية لكن شابا أرمنيا شجاعا، “استشهاديا”، قام وسط الملأ وقال قولة كوبرنيكوس في زمانه: أنا أرمني وأرى العكس، نحن الأرمن قوم منطوون، منكفؤون على أنفسنا، لا تشغلنا مذابح الفلسطيني ولا قضايا العرب المصيرية، وتحدى سدنة الندوة إبراز بيان أو وثيقة أعلنوا فيه تضامنهم أو انشغالهم بالقضايا العربية!

قنبلة الأرمني الشجاع، التي كادت أن تفسد الحفلة، دفعت عريف الندوة الطبيب الجراح إلى الإسراع في إنكار تصريح الشاب واتهامه بالجهل وقلة الاطلاع..

الكرد على خلاف تصريح الأرمني الشجاع، كانوا عربا أكثر من العرب أنفسهم حتى أواخر السبعينات، وأعرف مبدعين كردا كتبوا قصائد مهداة إلى (نسورنا الأبطال وهم يحمون سماء بلادنا) وتحولوا إلى تخوم النقيض ( أي ممن يكتبون الكرد بحرف “علة” زائد!..وأعرف شعراء كتبوا قصائد عن الحجر الفلسطيني الذي صار موضة شعرية بعد قصيدة ممدوح عدوان الشهيرة عن طفل الحجارة . لكن استعمال علوم الكيمياء في تكريم “الضيوف” الأعاجم على أرض العرب “المفتوحة” أعاد الكرد إلى ما تحت الصفر القومي. المتعلمون الأكراد يصيبون عندما يرون كل هذا الإنكار والجحود من أخوتهم العرب، فقلة من المبدعين العرب التفتوا إلى مذابح الكرد وتعاطفوا معهم، يقول كردي لا تصل شجاعته إلى شجاعة ذلك ألأرمني:لا مفر للكردي من أخوة العربي. ما بين العربي والكردي مثل مابين سمكة الريمورا الصغيرة والحوت.
–الريمورا هم العرب طبعا!
–بكل تأكيد!

{{توأمة إجبارية وفصام قومي}}

عاش الكردي طويلا مكتفيا بالعيش كسمكة ريمورا ما دام البحر محيطا يتسع للجميع ، ففي عصر العولمة يمكن لحمى الاستهلاك احتياز شكل الهوية، ليكن ما يكون ماضيه المعرب أو الإسلامي أو الايزيدي، المهم أن يكون له وطن وطاغية يوزع صوره وأنصابه في كل زاوية من وطنه، ومخابرات كردية تعذبه بلغة يفهمها، ويستمتع بالتبضع من المخازن الاستهلاكية..

ستبقى اللغة الغازية، لغة النون، سبيل الريمورا إلى الثقافة العالمية قرنا آخر على الأقل..يمكن أن نتذكر أن أهم موقع ثقافي كردي ( بدأ بالعربية ولاحقا أضاف إليها الكردية) في الشبكة العنكبوتية يحمل اسما نصفه كردي ونصفه الأخر عربي، صاحب الموقع يعيش هذا الفصام إذ يكتب بالعربية ويسبّ بها العربان. الموقع يعلن انه ينشر ما يخص الشأن الكردي، لكنه ينشر لأصدقائه العرب ما لا علاقة له بالشأن الكردي، رئيس التحرير نفسه لا يجيد الكتابة بالكردية…الكردي سانتور نصفه عربي ونصفه الآخر كردي.

{{مشاهد عصبية مستحدثة}}

رفض متعلم “كوردي” شاب نسب إبداعات بركات إلى القومية الكردية وطالب بسحب “الجنسية” الكردية الافتراضية عنه فصفق له البعض، كل شعب عنصري بالنسبة إلى نفسه يقول فرنان باردويل.

أخبرني احد الأصدقاء الأكراد الكاتبين بالعربية طرفة إبان مشاركته في مهرجان ثقافي كردي في تركيا دعي إليه مثفون عرب أكثر مما دعي إليه كرد! وهي: أن أحد الكتاب الأكراد الترك لامه على الكتابة بلغة “الأعداء” العرب، فأحس الكاتب بالذنب وطأطأ رأسه ولما سأل اللائم عن حرفه الذي يكتب به كانت المفاجأة أن المعاتب يكتب بالألمانية!

يدرك الكردي أن مطبخه فقير، وأنه ليست لديه أنصاب ومنحوتات، وثنية أو زنوبيا تخلف له قطعا نقدية عليها صورتها أو صورة فيليب العربي، أو معجما كبيرا مثل لسان العرب أو القاموس المحيط، وإذا وجدت لقى أو رقيمات فهي تحتاج إلى جسر ثقافي عملاق، أو مصفحات لربط الماضي بالحاضر، أو إلى مصنع هوليودي لترويجها. تبقى الموسيقى والرقصات التي يجادل أولوا العزم من العارفين بعلوم الجسد ولغاته بأنها أقل من رقصات الشركس البليغة .. الكردي ليس كالأمازيغي الذي ينجح كتاب عرب في إثبات عروبة معظم مفردات قاموسه، قاموس الكردي ينوء تحت ثقل المفردات العربية –واللاتينية التي يستعيرها بأريحية– لكن الفارق أن مفردات الأمازيغي من الشجرة اللغوية نفسها أما لغة الكرد فقد هامت بلغة الله عشقا إلى درجة أنها نسيت لسانها على ذرى الجبال التي تسفوها الرياح.

مرارة القول: الكردي يدمر مستقبله بالمنجنيقات إذا أطلق الحجارة على ماضيه أما العربي فيمكنه أن ينام قرير العين بماضيه، في قرّ الحاضر؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق