الكوزموبوليتانية، وفكر المواطن العالمي

في أوّل شهر، من عام لا تنتظره، ولم تنتظره يوماً، يعود أوّل العام، من كلّ عام، ليخاتلك.. يرهقكَ يغرّر بك البرد.. يلسع جلدك بالانتظار، ويصلبك على بوّابات الوقت الممتد اللانهائي.. يقدّد روحك بملح خشن، حتى تجفّ تماما من ماء عذب، ورطوبة وجدت للغفران. لكن لا.. هو العام الجديد أيضا وأيضا.. لا مبال، يتخفّف دوما من الأحبةّ، يرميهم عن حوافّه بلا مبالاة اشتهر بها، يسقطون في الذكرى، ينزلقون باعتباط إلى الماضي، ليصبح الأحبة في “كان” يذكرون..! وينتقلون بخفّة، بلحظة من حاضرنا، ينطلقون برشاقة إلى برزخ آخر، إلى ماض مجحف، نحلم دوما أن لا نصبح قاسيين مثله، نحلم دوما أن نتذكّر الأحبة، ونقول: هم معنا وننكر أنهم كانوا.. أو أنهم الآن في زمن القسوة أصبحوا يذكرون، تسبقهم أبشع المعاني، تسبقهم.. الـ “كانوا”

في شهرنا هذا،في شتائنا هذا، خسرنا الكثير، ولدينا الكثير لنفتقده، احتلّت مفردة الموت كلّ الفضاءات، أبعدتنا عن الحياتي اليومي، لترمي بنا في التأمّل الحزين، وتغزونا المعاني، معاني الفقد واللاجدوى، والأسئلة الكبرى!!

هو الفلسطينيّ، مثلنا، مثله، مخدوع بالأوطان، وحكايا الأوطان، لا يمكن أن يصبح، حالماً، تافها، ضائعا، بسيطاً، لاهياً، عبثياً، تلك رفاهية لا تسمح بها فلسطينيته! لن تهرب من كونك الفلسطينيّ الشاعر المثقل بالقضية، والمحب العاشق لفلسطين، وبظلها تقبع أخيلة النساء، لن تهرب من كونك المقاتل الذي يحمل جسده، سلاحا احتياطياً يفجره عند الضرورة، وهو الفلسطينيّ المتديّن القابع بالقرب من وجه الله الأكثر رأفة، يسأله بما أخطأ وعما يكفّر من ذنوب، وهي، الفلسطينية، مثلها مثل شريكها، امرأة كانت، أمّاً، طفلةً متأملةً لمعاني الوجود، وألوان الفكر بشرقه وغربه، عليها أن تتعلم، أن تنظر نحو القمر، ولا تطلب منه إلا يبقى يوماً إضافياً، حتى لا تمحوها العتمة، عليها أن تتعلم معنى الرفض، والكره، والحقد، والجوع، والكفر.. عليها أن تتفهم الآخر، كي يستوعبها، ويفهم سبب تمزق القلب عند الذكرى بوطن غائب، عليها أن تمشي حافية، جائعة، مشردة، مسافات التفهم نحو الآخر كي لا تصبح مركزية، متعصبة، متشددة، عليها أن تنسى الفنون الجميلة، والأزياء، والرقص، وتغطي شعرها، وجسدها، وأحلامها، من تراب الأزقة، وتصرخ بصوت مبحوح، من كثرة النوح على وطن مهان، وحلم مسروق!

كبر الفلسطينيون قبل الأوان.. ماتوا قبل الأوان..

كلهم كانوا هناك، وماتوا هناك، هم من لُعنوا بالوطن.. من جُلدوا به، وبالثورة، وبالتراجيديا الفلسطينية، التي أرادوها أن تتحرر، وتحررهم من قدرية اللعنة، وقدر الأبطال الملحميين السائرين حتى نومهم الأخير.. فلسطين الحاضرة في الحجارة والموت العبثي، والاقتتال الفردي، والأفكار الجماعية.. آلمتنا حتى الاحتفاء بالمقاومة، والثورة، والاحتفاء بالقتل، قتل الآخر، فالجنون جنون الدم يحفز فيك أبشع ما تملك، يحرمك الإنسانية، يحرمك من قواعدك الأخلاقية الأكثر تشدداً، لا تقتل! لكن من خطّ الشرائع نسيك هناك وحيداً، فتنسى وحدك، ما خُط فوق كل الألواح، وتنسى مسيحك المصلوب عنك، دون أن يرحمك من آلام صلب تعيشها كل يوم، تنسى كل الشرائع، وتجنّ، تتمنى الموت للآخرين، لأنك تريد، أن تحل اللعنات على الجميع، كما حلت عليك، لم تعد قادرا على الاسترخاء، ومناقشة الكوزموبوليتانية وفكر المواطن العالمي، وغيرك يحاسبك لأنّك ناج، وأنك لا زلت على قيد الحياة تتنفس!!

في فلسطين، هذا العام، وفي كل عام، هدرت الكثير من أمنيات الخلاص، وطغى الأنين، ممزوجاً بدمى ممزقة، ودفاتر مدرسية حبرها أحمر كما كان كل شيء، لم يبقَ حاضراً سوى ذكرى حياة، لم تحمل سوى أضغاث فرح، حصلتْ الحرب، والكل لم يعد يسأل، تحت أي راية تقاتل، لم يعد مهماً من كان يلعب ضدّ من، ومع من، أيحتمي بإله يرعى أبناءه، أم بروح شيطان كافر من فقدان العدالة على هذه الأرض، أم بروحٍ مبحوحةٍ، تصرخ منتقمة من فجر القوة ، وقسوة القهّار..

فلسطين أيضاً وأيضاً، لم تتركك تنساها، أيهمُ ،كانت غزة، أم رام الله، هل يهم ّأبالصليب تحتمي، أم هلالا ترفع؟ في أوّل العام، هذا العام، الدم كان أحمراً جداً، أنكر كلّ التفاصيل، وحّد كل الملامح، ألوان العيون والرايات كانت واحدة، اختفت نتفاً تحت أنقاض الجحيم، حجم القلب كبر من كثرة الدعاء، والترجّي أملا بالخلاص، ورغبة المؤمن بتجسد آخر لإله أعدل، فاضت اللغة من أواني الطبخ المرتجلة في الطرقات، احترقت على حوافهّا المجمرة أفعال القصّ، وحكت شوائها للّحم الحيّ، في كل الأزمنة، وطغت الحقيقة على كلّ حكايا الرواة، وأوجعتنا حتى النهاية..

في فلسطين غاب كل شيء، غاب الفرح، واللعب والخفة، وقفزات الأرانب البضة؟ أين غيوم الأطفال البنفسجية، وطراوة الكريما الطازجة في إعلانات عن حياة أخرى ، تجرى في بقاع أخرى ، من عالم آخر؟ كوزموبوليتاني يدعو للتسامح والتفهم، ونبذ التعصب، والكراهية! نعم هي حياة نشتهيها، ونفتقدها، ونتمناها، لكن حررونا من مرثاة نرتلها كل يوم.. انهوا لعناتنا بالأوطان، وأرواح معذبة تسكن هواجسنا حتى النهاية!

ألن تنتهي فلسطين، وتنتهي تراجيدياها؟؟

ملعونون بها، منحوسة بنا، حبيبة هي، مقهورة هي، فقيرة بلا ضحك، منبوذة دون زائر، حزينة دون عزاء، جفّت أقنية القلب، جفت من كثرة التمنّي.. هو شهر آخر، من عام آخر، نتمنّى أن لا يعاد مثله على أحد..


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق