الكوني، المتشاكل، المشترك وحوار الثقافات

ليس الحوار بين الثقافات بالأمر الجديد إذ لطالما تمازجت الثقافات وتلاقحت بدون انقطاع. الجديد هو الشكل الذي اتخذه هذا الحوار منذ عقدين من الزمن تقريبا. كانت الثقافات " تتحاور" في السابق بشكل موارب ومضمر, تارة عبر الاستعارة وطورا بالعدوى والتأثير وأحيانا كثيرة عبر الحروب والاقتلاع. أما اليوم فإن الحوار غدا معلنا ومباشرا تحتضنه ندوات ومؤتمرات لاتحصى يغلب عليها الطابع الاحتفالي ويتدافع إليها مثقفون, نجوميون في الغالب, يتلون مزاميرهم على حضور يتشكل غالبا من أقرانهم ومن طائفة كوسموبوليتية قوامها موظفون في المؤسسات الدولية وكادرات عليا في شركات كبرى ورجال أعمال كبار, يحاولون اصطياد فكرة مفيدة للبزنس, وسياسيون قدامى تحولوا في آخر العمر, تكفيرا ربما عن ذنوب ارتكبت, إلى دعاة انفتاح وفاعلي خير. أما الكتب والمقالات التي تتولى نشر فضائل حوار الثقافات فحدث ولا حرج. هذا مادفع بالماركسي العتيق, ريجيس دوبريه, إلى القول << إن الدور المحدِد [الحاسم] في المحصلة النهائية, الذي عزاه القرن التاسع عشر الماركسي إلى الاقتصاد, والقرن العشرون الليبرالي للسياسي [كحيز], هذا الدور هناك احتمال كبير جدا لأن تلعبه الثقافة, ومن ضمنها الدين, في القرن الواحد والعشرين>>( 1 ). لاأقل! ترى ماالذي استجد حتى تحظى الثقافات وحواراتها بهذا الاهتمام بعد أن كان أرباب  الفكر, الأوروبي خاصة, ينظرون باستعلاء إلى حقل << الدراسات الثقافية>> باعتباره لايرقى بنظرهم إلى مستوى الحقول المعرفية الأخرى ولا يتمتع بنفس النبالة والأهمية؟

إنها العولمة وتعميم تقنية الاتصال والهجرة, التي أدت مجتمعة إلى الاحتكاك المباشر بين الثقافات وتجاورها, غير السهل دائما, ليس فقط في البلد الواحد بل في كل مدينة وقرية تقريبا, خاصة في الغرب. كان من آثار هذه العولمة وما رافقها من توحيد لأشكال العيش انكفاء الجماعات الإتنية على ذاتها وتمترسها, في عملية دفاع نفسية, خلف هويات ثقافية تظن أنها تقيها خطر الذوبان والانقراض. تندرج في هذا الإطار إشكالية << التعددية الثقافية >>في المجال الأنكلوسكسوني ونظيرتها الاندماجية الفرنسية التي تدعو المهاجرين إلى التخلي عن قيمهم والالتحاق بثقافة الجمهورية وقيمها. لعب تراجع السرديات الكبرى أيضا وصعود فلسفة ما بعد الحداثة ودفاعها عن الخصوصيات الثقافية دورا هاما في بروز الثقافة كموضوع بحث ومعاينة.

في ما عنى << حوار الثقافات >> تحديدا, ينبغي القول إنه لم يكن ممكنا قبل أن يدرك الغرب ( ليس كجوهر لاوجود له بل كأنظمة وقوى سياسية وعسكرية واقتصادية مهيمنة) حدود هيمنته على العالم نتيجة صعود قوى عالمية بدأت تشكل تحديا جديا لآحادية هيمنته. لم يكن خطاب هنتنغتون  ولا خطاب فوكوياما ( تراجع مؤخرا عن أطروحة نهاية     التاريخ) خطاب حوار بل خطاب المنتشي بنصر ظنه نهائيا إلى أن وقعت أحداث أيلول المأساوية وحرب العراق وأفغانستان, التي صنفت زورا صراعا بين الإسلام والغرب, وصراعات أخرى أعادت الرؤوس إلى هدوئها. كانت الثقافات غير الغربية قد استعادت نوعا من الثقة بالنفس وأخذت تضع أسس الثقافة الغربية موضع شك و مساءلة رافضة بشكل خاص كونية قيمها المزعومة. على هذه الأرضية نشأت إشكالية << حوار الثقافات>>. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل إن حوار الثقافات أمر ممكن وبأية شروط؟

إذا تجاوزنا مشكلة تعريف الثقافة ( يحصي العاملون في هذا الحقل أكثر من مائة تعريف للثقافة ) باعتماد تعريف الأونيسكو لها مثلا, تبقى هناك أسئلة شائكة لا يستقيم البحث في الحوار بدون الإجابة عنها. الثقافات لاتتحاور فيما بينها بل الذين يتحاورون هم أفراد. والثقافات ليست جواهر صافية ولا هي متجانسة بل تتنازعها تيارات متناقضة كما يعرف الجميع. من يمثل إذن هؤلاء الأفراد الذين يتحاورون وأيا من تيارات الثقافة التي ينطقون باسمها؟ من الذي ينتدبهم لهذه المهمة؟ هل هناك مساواة بين المتحاورين من مختلف الثقافات؟ من يختار مواضيع النقاش؟ كيف تحدد الحجج المقبولة في الحوار وعلى أية قواعد؟ بأية لغة يتم الحوار؟ ما هي أهدافه ومن يحددها؟ الخ….

في كتاب بعنوان : الخوف من البرابرة, في ما يتعدى صدام الحضارات ( 2 ), يتصدى تزفتان تودوروف لوصف ومحاكمة وقائع تدور أمام أعيننا وتتمحور جميعها حول احتكاك الثقافات وتجاورها في عصرنا متنقلا بين الماضي والحاضر وبين الحياة اليومية والفلسفة, على ما يقول في مقدمته. يميز تودوروف بين الحضارة والثقافة وبين الحضارة والبربرية  مقترحا تعريفات ليس فيها فعلا أي جديد. كذلك يميز بين عدة أشكال من الهويات الجماعية : الانتماء الثقافي, التضامن المدني, اعتناق قيم سياسية وأخلاقية الخ…ويقرر أن الفرد متعدد الثقافات والهويات متسائلا عن جدوى وزارة الهوية الوطنية التي طرحها ساركوزي. في معالجته لقضايا الثقافات واحتكاكاتها, يلتزم تودوروف مواقف متزنة ونبيلة من القضايا والوقائع التي يعالجها ( الإسلام , الحرب على الإرهاب, الهجرة, الرسوم الدانمركية, الوحدة الأوروبية… ) وكذلك من العلاقات بين الدول التي يسميها << دول الخوف>>, وهي الدول الغربية الغنية, و<< دول الضغينة >> أي الدول المستعمرة سابقا والفقيرة عموما. على أن مايعنينا هنا بشكل خاص في هذا الكتاب هو ما يعتبره تودوروف شروطا ضرورية لنجاح حوار الثقافات.

أول هذه الشروط هو<< الاعتراف بوجهتي النظر وعدم اعتبار إحداهن المعيار والأخرى انحراف عنه >>. كذلك << يجب الاتفاق على إطار مشترك وواضح للنقاش وعلى طبيعة الحجج المقبولة وحتى على إمكانية البحث معا عن الحقيقة والعدالة >> (ص.285). على النخبة والمثقفين الغربيين أن يكفوا عن اعتبار أنفسهم متفوقين بسبب تكنولوجيتهم وعن تقديم أنفسهم كممثلي الحق والكونية. على الدول الغربية الانسحاب من العراق وأفغانستان وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة معتبرا أن حق التدخل الذي تمنحه بعض الدول لنفسها لاأساس له إلا القوة. << يجب التوقف عن إشاعة نظرة مختزلة عن الآخرين>>. بالنسبة للإسلام يدعو تودوروف إلى<< الكف عن اختزال المسلمين والمجتمعات المسلمة إلى الإسلام وعن تقليص الإسلام والإسلاموية إلى الإرهاب>>. إن الخلط بين الخيارات السياسية وبين الهويات الثقافية يؤدي إلى الاعتقاد الخاطئ أن << الديمقراطية هي نتاج الثقافة الغربية وحدها وأن الثقافات الأخرى لاتتوافق معها>>. يذكرنا تودوروف بأن كل مجتمع تعددي وأن إدارة هذه التعددية يجب أن تتم عبر دمج ثقافاته المختلفة في إطار مدني وهو ما يتيح الحفاظ على هوية الأفراد الأساسية والمشاركة في الحياة الاجتماعية. هذا لا يعني أن الغرب يجب أن يتخلى عن قيمه بل أن يتحرر من الخوف من "البرابرة" كما على << دول الضغينة >> أن تتجاوز ضغينتها.منحى هذا الكتاب إنسانوي واضح تماما.

حوار الثقافات موضوع كتاب آخر بعنوان : الكوني, المتشاكل, المشترك وحوار الثقافات (3 ) للفيلسوف الفرنسي فرانسوا جولليان . هذه المرة المقاربة مختلفة إذ المادة أشد كثافة والتحليل فلسفي صارم ودقيق جدا. أهمية هذا الكتاب بالنسبة لموضوع الحوار بين الثقافات تكمن في كون المؤلف اختصاصي في الفلسفة الصينية ولغتها وهو في كل أعماله, التي تجاوزت العشرين, يطرح إشكاليات الفلسفة الغربية بالتقابل مع الفلسفة الصينية ليس بهدف إيجاد المشترك بين الفلسفتين بل لدفع كل منهما إلى النظر في مرآة الأخرى لكي تكتشف أن مسبقاتها ومقولاتها الأساسية وكذلك أدواتها المعرفية وما تنتجه ليست حقيقة مطلقة ولا كونية متحققة. يرى جولليان أنه لامعنى للحديث عن حوار الثقافات قبل التعريف الدقيق للمصطلحات التي يستدعيها البحث في هذا الموضوع : الكوني, المشترك, المتشاكل  والفرو قات بينها. ما هي الثقافة, ما الحوار وما هي شروطه؟

يميز جولليان بين كوني كسول يقوم على التجربة فقط وبين كوني أكثر تماسكا,منطقي,عقلي وذي طابع إلزامي. وهو يدعو إلى التخلص من النظرة الأولى التي تعتبر الكوني معطى, مبدأ تكوينيا, رصيدا مشتركا تفترضه "الطبيعة البشرية". ليس الكوني كلا متحققا في الواقع, على ما تدّعي الثقافة الغربية  لنفسها مثلا, وهو ما يكذبه أصلا تاريخ الصراع الفعلي بين هذا الكوني ونقيضه ,الذي هو الفردي, المتميز. بديلا عن هذه النظرة للكوني يرى جولليان ضرورة فهم الكوني << ليس ككلية وضعية ومشبعة. على العكس يجب اعتباره أحد متطلبات العنصر السالب بإعادة فتح كل كونية مقفلة ومكتفية بذاتها >> (ص. 15 ). إنه اكتمال ناقص دائما, أفق, متعال, مبدأ ناظم للخصوصيات التي لا يمكن منطقيا القول بالمساواة بينها بدونه. كل تأكيد لحق الاختلاف يناقض نفسه إن لم يعترف بكونية هذا الحق. ليس الكوني موضوعا نظريا بل أداة نضال ضد كل تشكيل أو مؤسسة تنام على حرير الثقة بذاتها. لقد اكتشفت الحركات التي رفعت لواء خصوصية راديكالية, بالتجربة, أن لا أفق لمطالبها إلا بالاستناد إلى كونية ما وذلك بالبرهان على عدم كونية الكونية المهيمنة.

أما المتشاكل فلا يجب النظر إليه كامتداد للكوني. إنه ليس مفهوما من نتاج العقل بل ينتمي إلى عالم الإنتاج الاقتصادي وإلى عالم الإدارة. انه فعل تأحيد وقولبة ركيزته التقليد ويقوم على الشبه المظهري وهو لذلك لا ينتج معنى.  وإذا كان نقيض الكوني هو الفردي أو الخاص فإن نقيض المتشاكل هو المختلف لكون هذا الأخير يخلق توترا في الوعي مما يجعله أكثر خصوبة في مجال المعرفة. كان أرسطو يتوصل إلى تعريف الموجودات عبر سلسلة من << ليس هذا>> حتى الوصول إلى" هو هذا ". إن المتشاكل هو تعميم للتفاهة والبلادة عبر محاولة إلغاء الفروقات ليس فقط في عالم الأشياء بل في مخيلة البشر: هاري بوتر ودافنشي كود نماذج حية عن تأحيد مخيلة المراهقين. يرى جولليان أن عدم نقد المتشاكل والخلط بينه وبين الكوني يجعل حوار الثقافات أمرا مستحيلا.

ليس المشترك من طبيعة منطقية كالكوني ولا هو اقتصادي كالمتشاكل, إنه ينتمي إلى عام السياسة, يضرب جذوره في التجربة ويغنيها. لكن عندما يصبح المشترك مشتركا بين الجميع ألا يصبح كونيا؟ أولا ندرك الكوني عبر المشترك؟ كلا لأن الكوني تجريد بينما المشترك وجود متحقق في مادة هي الفردي, المتميز. إن نقيض المشترك هو الخصوصي , ما يخص فردا أو جماعة. المشترك بطبيعته توسّعي/ دفاعي, مفتوح/ مغلق والأهم كونه احتوائي/ إقصائي أي أنه يضم في توسعه ما كان خارجه لكنه يمكن أن يقصي في عملية ارتدادية ما كان جزءا منه كما تفعل الجماعات مثلا ببعض أفرادها.

بعد أن ينهي جولليان نقده لهذه المصطلحات يستعرض عملية انتشارها وتمددها في التاريخ. لقد برهن نشوء المدينة في اليونان أن المشترك هو جوهرها. ثم جاءت الفلسفة , التي تنهض دوما متأخرة, لتبسط المشترك على كل المدينة وحتى خارجها. رأى هرقليطوس أن المشترك بين البشر هو العقل. اللوغوس هو المشترك والكثرة تعيش في الخاص. لكن المدينة اليونانية أقصت كل من لم يكن من مواطنيها. كان يجب انتظار فتوحات الاسكندر والفلسفة الرواقية لكي يشمل المشترك البشر جميعا.

ولئن توسع المشترك بالسياسة فإن الكوني, الذي ينتمي إلى عالم الخطاب واللوغوس والمنطق, كان عليه أن ينتظر الفلسفة لكي يرى الوجود. هكذا اعتبر أرسطو أن أول من فكر "" انطلاقا من الكلي ", أي من كونية المفهوم, هو سقراط. إلا أن الكونية اليونانية بقيت كونية مفهومية, منطقية أي أنها تخص العلم وحده. برغم ذلك ظل التراث اليوناني إقصائيا وبقيت الكوسموبوليتية الرواقية أخلاقية أي أنها لم تُترجم تاريخا. جاءت روما, التي لم تكن مهووسة بالنسب والدم واللغة مثل أثينا, فمنحت جنسيتها لجميع سكانها ( مرسوم كركلا الشهير عام 212) . هكذا نشأت الإنسانوية الأوروبية في روما وليس في اليونان كما يقال. هنا تأسس الكوني على القانون والتشريع وليس على المنطق.

مرة أخرى لم يكن الوضع هذا ليدوم طويلا نظرا لارتباطه بمصير مدينة واحدة. جاء بولس فقلب هذه الكونية الشكلية وحولها إلى كونية إيمان. لقد دفع خطاب بولس إلى الكونية عبر دعوته للتخلي عن كل انتماء وعبر تجاوز كل فصل بين الفئات المختلفة وكذلك التخلي عن كل موقف أو رأي من أجل الارتقاء إلى الإيمان الخالص. وبدلا من أن ترسي الكونية المسيحية تناقضا بينها وبين الفردي كما فعل العقل اليوناني ( لاعلم إلا كونيا ولاوجود فعليا إلا للفرد: أرسطو), زاوجت بينها وبين الفرد بشخص المسيح. لكن هل طرحت مسألة الكونية في الثقافات الأخرى, يتساءل جولليان؟ وهل لهذا المصطلح أية قيمة خارج الإطار الأوروبي؟

إذا كانت الفلسفة العربية ومنطقها قد اتبعا إلى حد كبير منهج الفلسفة اليونانية وعالجا نفس  ثيماتها تقريبا, إلا أن الديانة الإسلامية لم تستطع أن تنسلخ عن لغتها وظلت لصيقة بمصطلح النبي, وهذا يعني ارتباطها بشعب معين , خلافا للمسيحية التي خرجت من لغة المسيح ومن سلالة الأنبياء (كذا). خلاصة الكلام أن الإسلام, حسب جولليان, طوّر الكونية المنطقية إلى حد بعيد  بينما<< لم تكن كونية القيم مهمة بنظر الجماعة >>(الأمة). إذا كانت هذه حال الإسلام فماذا عن الهند والصين ؟ يبدو للمؤلف أن الحالة الهندية تؤكد الاستثناء الأوروبي لأن الهند تفصل بشكل واضح تماما تنظيم المجتمع ومثله عن أية كونية منطقية. ما لم يتوفر للفكر الهندي هي تلك المسافة اللازمة بيننا وبين العالم والتي تنشأ فيها القطيعة بين الحسي والعقلي مما يتيح إنتاج المفاهيم. وعليه يتساءل جولليان << أي مكان يبقى إذن للمفهوم لكي ينبسط بين الإدراك وبين الوحي؟ >> ص.113. أضف إلى ذلك أن نظام الطبقات المغلقة      (castes ) في الهند يمنع نشوء أية كونية أخلاقية. أما اليابان فإنها تبدو مغتبطة بمحليتها واليابانيون أنفسهم يعتبرون << الثقافة اليابانية ثقافة المتفرد وبالتالي فإن الكونية لاتعنيها >>  ص.120. الثقافة الصينية, بدورها, لا تلجأ إلى أي وحي وهي تعتبر أن قيمها قابلة للتصدير بدون حدود وبالتالي لا تطرح حتى مسالة كونيتها. هي ترى نفسها قلب العالم والصين القديمة لا تعترف إلا بحضارتها أما الآخرون فهم بشر لم" يتصيّنوا" بعد. هكذا لا وجود لكونية نظرية في الثقافة الصينية.

هذه الرحلة عبر التاريخ الغربي واستعراض المسألة في الثقافات الأخرى يرى الكاتب أنها سمحت له بالتأكد من فرضيته حول الكوني : ليس معطى بل وظيفة نقدية ومعيارية تحافظ على وجود متعال, أفق, يضبط علاقات الخصوصيات ويمنع المشترك من التحجر والجمود. من هنا ضرورة الحفاظ عليه كمصطلح. على هذا الأساس يعلن جولليان أن حقوق الإنسان التي يعتبرها الغربيون كونية ليست كذلك إذ لا أحد يجهل كونها نتاج ثقافة خاصة ووليدة ظروف تاريخية وصراعات يعرفها الجميع . ثم إنها حتى الآن موضع شك في أكثرية الثقافات العالمية. مع ذلك يرى المؤلف أن كونية هذه الحقوق ضرورة  ليس بما يُعبّر عنها حاليا بل كمفهوم منطقي وليس كايديولوجيا. ضرورتها تكمن تحديدا في كونها أداة رفض ومعارضة. ذلك أن غياب هذه الحقوق أو الحرمان منها يستثير كونية إنسانية عابرة للثقافات وللتاريخ. باختصار هي ليست كونية متحققة بل محفزا للكونية بالمعنى المحدد أعلاه.

عن المشترك بين الثقافات يشير جولليان إلى أن الذين يتحدثون عنه غالبا << ما ينظرون إلى الثقافات غير الغربية بعيون الوسيط المفهومي الغربي  باعتبارها مجرد تنويعات غرائبية على الثقافة الغربية >> ص.192. ليس المشترك بين الثقافات نتيجة عملية تحليل أو تركيب كاريكاتورية كسولة فيما بينها. لكن ألا يمكن الحديث عن أخلاق كونية تتأسس على العقل؟ هذا ما حاوله هابرماس وآبل . لكن جولليان يرى أن هذا الأساس الذي يقوم على مبدأ عدم التناقض هو نتاج لغة وفكر محددين. ليست اللغة مجرد أداة بل إنها تختزن مضمرا كثيفا تنتج عنه خصوصيات اصطلاحية. إن الجماعة التواصلية التي هدف إليها هذان الفيلسوفان قد بنيت على مسبقات برهانية خاصة بالفكر الغربي ولا صلاح لها خارجه. (نتذكر هنا النقاش الذي دار بين المنطقي بشر متى والنحوي  أبو سعيد السيرافي في الليلة الثامنة من ليالي "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي حيث يعلن أبو سعيد صراحة أن المنطق نتاج اللغة اليونانية ومصطلحاتها وبالتالي فإن الآخرين ليسوا ملزمين بالاحتكام إليه). هذا ما خلص إليه جولليان في تجربته مع الفكر الصيني الذي لا يشكل اكتشاف الحقيقة عبر استعمال العقل هدفا له كما في الفكر الغربي. كذلك لا يهدف تابع المذهب التاوي من النقاش إقناع الآخر كما تهدف أخلاق النقاش الهابر ماسية وهو لا يقيد نفسه أبدا بمبدأ عدم التناقض الأرسطي بل يحافظ على انفتاح متساو على حدّي التناقض. إنه << يماشي اللحظة >>. يرى جولليان أن المشترك بين الثقافات لا يكمن في قواعد ومعايير بقدر ما هو قدرة تواصلية كونية لكنها غير موروثة. إنه رصيد من الممكنات التي يجب اكتشافها وهو تواصل في المعقول, ليس معطى ثابتا, بل في صيرورة دائمة.

إذا كانت هذه حال العقل كأساس ألا يمكن بناء المشترك على القيم؟ ليست القيم موضوع تفاوض, يجيب جولليان, والمطلوب هو جعل قيم الآخر مفهومة بلغتنا لا التوصل إلى تسوية معه. لا معنى لثقافة عالمية واحدة لا ولا هي قابلة للعيش أصلا. كل ثقافة تحوي رصيدا من البديهيات والمسبقات ومما لا نقاش فيه وهو ما يجعل التوافق ممكنا بين أعضائها. لكن بغض النظر عن الفرو قات اللغوية أليست هناك مقولات فكرية هي ذاتها في كل الثقافات؟ إن مقولات أرسطو الشهيرة هي يونانية وكذلك العقل الخالص عند كانط, بنظر الكاتب. لم تعزل اللغة الصينية مصطلح المادة ولا طورت مفهوم الجوهر وهي لاتفكر انطلاقا من  السؤال: ما هذا؟ وهي لم تعط لفعل " الوجود" الأهمية التي احتلها في الفلسفة الغربية. اللغة الصينية أكثر تلاؤما مع التفكير بالفيض, بال " ما بين" , المتتابع, اللاشخصي , التحول الخ …

على ماذا يبني إذن حوار الثقافات وهل هو ممكن أصلا؟

نعم شرط أن يتم التخلي عما يسميه  جولليان الطابع النظري الرخو لهذا الحوار كما يمارس حتى الآن. ينبغي للحوار أن يستمع لوجهتي النظر وأن يحفظ المسافة التي تفرضها اللغة بينهما من جهة, وما تولده هذه المسافة من توتر يستدعي لقاء المعقول في كل منهما, من جهة أخرى. هذه المسافة هي ضرورة مطلقة للوقوف في وجه التأحيد والتشاكل الذي تفرضه العولمة. ليس الهدف إذن خلق ثقافة عالمية واحدة لأن هذا يعني موتا محتما للثقافة. بأية لغة يتم الحوار؟ كل يحاور بلغته عبر ترجمته للآخر لأن أية لغة وسيطة سوف تفرض مضمراتها و مسبقاتها وثيماتها حتى. الترجمة هنا تعني إعادة النظر بمصطلحاتنا ومواقفنا, إعادة التفكير بها وإعادة صياغتها على ضوء اللقاء بالآخر. الترجمة تفكير والتفكير ترجمة.

بقي أن نقول إن الانفتاح الفكري والجهد النظري في هذين العملين يستحقان التقدير فعلا وكذلك طيب النوايا ونبل العواطف المعلنة في مؤتمرات حوار الثقافات بشكل عام. لكن هل يكفي ذلك لإحلال السلام والتفاهم والتفهم بين الثقافات؟ أولا تشير النتائج الهزيلة لهذه المؤتمرات التي تعقد منذ عدة سنوات إلى فشل ذريع في تحقيق أي من أهدافها المعلنة ؟ في اعتقادي أن الحوار بين الثقافات, سواء داخل البلد الواحد أو على المستوى العالمي, لا يمكن أن يفضي إلى نتيجة تذكر إن لم يتزامن مع سياسة تقوم على المواطنة الحقة والمساواة والعدالة الاجتماعية ومنع كل أشكال التمييز على أي أساس كان. على المستوى العالمي يجب محاربة الفقر والمرض والعمل على نشر التعليم وعلى ردم الهوة بين البلدان الفقيرة والغنية. كذلك يجب الكف عن الإملاءات السياسية الامبراطورية وسياسة المعايير المزدوجة التي تمارسها الدول الكبرى واحترام كرامات الشعوب. إن هذه السياسات هي السبب في التشنجات التي تعيشها الثقافات فيما بينها. إنه بدون سياسة كهذه يخشى أن يتقلص حوار الثقافات إلى إنسانوية رخوة تغطي, واعية كانت أم لا, السياسات الجائرة السائدة حاليا وذلك بتحويلها المشاكل التي يعاني العالم منها إلى مجرد مشاكل ثقافية, أخلاقية. هل يكون المطلوب أولا حوار ثقافات أم تغيير سياسات؟
 

الهوامش:

1- Debray, Régis : Un mythe contemporain: le dialogue des civilisations, CNRS Éditons, Paris, 2007. P 15
2- Todorov, Tzvetan : La peur des barbares, au- delà du choc des civilisations. Robert Laffont, Paris, 2008.
3- Jullien, François : De l’Universel, de l’uniforme, du commun et du dialogue entre les cultures. Fayard, Paris, 2008.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق