الكيانات الناشئة إذ تقلد الكيانات الأم إمارة غزة … اندلاع الدين

المعاني الاقتصادية والسياسية القريبة والبعيدة التي أدّت بدول المركز العالمي، وبالذات منها تلك التي انتصرت عقب الحرب العالمية الثانية، إلى الدعم المطلق لتكوين دولة إسرائيل، فإن قيام تلك الدولة يعد نكوصا لحركة العقل السياسيّ التاريخيّ البشريّ، وذلك على اعتبار أنّ الدولة المؤسّسة على ما هو دينيّ، في تصوّرها لذاتها ولرعاياها ( ثمة رعايا في الدولة الدينية ولا يوجد مواطنون ) كان العقل البشريّ الحداثويّ قد عبرها، منذ الثورة الفرنسية وكتابات هيغل .وأعتبر أيّ شكل من أشكال العودة أليها نكوصا غير حميد في مسار الروح البشرية ( ” تاريخ العقل البشري” ترجمة أفضل برأينا، لما ذهب إليه هيغل في مخطوطه “فينومينولوجيا الروح” ) كما كانت حال التجربة النازية في النصف الأوّل من القرن العشرين .

إسرائيل بهذا المعنى كانت جوابا / حلاّ دينيا على شكل دولة، جوابا للتيارات اليمينية المسيحية التي لا ترى، حسب معتقدها، عودة للمسيح المنتظر إلا بتجمّع يهود العالم في أرض فلسطين التاريخية، كما كانت حلاّ لـ ” القضية اليهودية ” التي آلمت باطن الوعي الأوربيّ لقرون عديدة. إسرائيل بهذا المعنى هي حالة نكوصية في حركة مجتمعات المركز العالمي، حينما أجبرت عقله للعودة إلى الرؤى الدينية لحلّ مشكلات العالم. لذلك كان تكوين إسرائيل الخسارة الأكبر التي دفعتها البشرية ثمنا للعصر النازيّ. نقول كل ذلك بوضع التحليلات الاقتصادية والسياسية المباشرة لتكوين إسرائيل جانبا .
الشيء المفترض، أن يكون الحمال السياسي المقابل / الند لذلك التيار المحبذ والمنجذب للرؤية الدينية أبعد ما يكون عن المنظور الديني. وذلك كي لا تمنح الطرف الإسرائيلي أي مسوغ لنيل الشرعية التاريخية. وقد استطاع القائمون على – بالذات الجناح التاريخي لمنظمة التحرير – تحقيق ذلك التباين مع الحالة الإسرائيلية لما يقارب النصف قرن وذلك من خلال تحقيق ثلاث قضايا مترادفة :

أولا : الحفاظ الدائم على القوة الأخلاقية للقضية الفلسطينية، وذلك برفض العنف المجرد والكلي والأعمى من طرف، واعتبار أي ممارسة فلسطينية للعنف، هي آنية تهدف إلى تحقيق أشياء أخرى . وليس العنف من أجل العنف، ولكن ممارسة العنف بطريقة الذي لا حول له ولا قوة . أو بعبارة أدق: ممارسة العنف ولعنته في اللحظة عينها . أو ما قد يسمى في الأدبيات الصوفية الحديثة بـ ” عنف الدفاع عن النفس “.

ثانيا : نفي أي وجود لمشكلة يهودية شرقية، واعتبار اليهودية واليهود دينا ومجتمعا أصيلا في البنية التاريخية للمنطقة الشرق أوسطية. حيث عرضت التيارات السياسية المعبرة عن هذا التيار، حل الدولة العلمانية الديمقراطية الجامعة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، من أواسط الستينات. طبعا ذلك لن ولم يكن ليتعارض مع رفض تحمل ذنب السياق السياسي التاريخي الأوربي في التعامل مع يهود أوربا، والذي أنتجت الهولوكوست مثلا.

ثالثا : نفي التحليل الديني لوجود وتكوين دولة إسرائيل، ورد المسألة دوما إلى صراع سياسي محمل بالدين كأداة للتصعيد والحشد من قبل الطرف الآخر – الإسرائيلي – وذلك عن طريق التركيز على الجانب العقائدي الوطني لا الديني، في محورة نضالها السياسي. فالكثير من المنظمات الفلسطينية كان يقودها مسيحيون فلسطينيون، مثل جورج حبش ونايف حواتمة … الخ.

بذا كان التصعيد المقام على الدين أعرجا على طول طريق ” المسألة الشرق أوسطية “. فقد كان تصعيدا من طرف واحد. إلى أن ظهرت حركة «حماس» في المجتمع الفلسطيني كمؤسسة خيرية وناشطة في حقول التعليم والصحة والمعونات الاجتماعية، وحفظ الأمن، والإصلاح بين الناس، منبثقة من الروح الفكرية والعقائدية لتنظيم الأخوان المسلمين المصري. ثم شاركت في المقاومة المسلحة 1987، في فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وفي هذه المرحلة حظيت «حماس» بثقة الناس وتقديرهم. ثم ظهرت لأول مرة كطرف سياسي مباشر لفتح، ولمنظمة التحرير بالعموم، وبدعم إقليمي وقتئذ، في رفضها المطلق لاتفاقية أوسلو عام 1993. وبفتوى دينية – على الأقل في الأدبيات الحزبية الداخلية – .

ثم استفادت من تحول المقاومين في منظمة التحرير إلى تجار وبيروقراطيين وحكام فاسدين، بعد أوسلو، وأيضا بدعم مالي إقليمي مفتوح، حيث تحولت إلى أحدى الأحزاب الأكثر شعبية داخل الأراضي المحتلة، مستفيدة من شبكة الرعايا الاجتماعية التي كانت تمنحها للطبقة الفلسطينية البائسة. ثم رفضت الدخول في انتخابات عام 1996 وحرمتها أيضا بفتوى دينية. وبقيت على الجانب الأكثر راديكالية في فهم الحل الممكن للقضية الفلسطينية، طوال عقد زمني كامل من عملية السلام. إلى أن شاركت في انتخابات 2512008، وأيضا بفتوى دينية!!. وفازت بأغلبية مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني . ثم استولت بطريقة ” مشرفة للنضال الفلسطيني ! ” على المكان المحرر الوحيد من أراضي فلسطين التاريخية، في قطاع غزة، وأعلنتها أمارتها التي تحكم منها بمنهجها الخاص.

كأول تيار وتنظيم سياسي فلسطيني ديني، ألهب جذوة المواجهة الدينية مع الطرف الإسرائيلي، وذلك بأتباع منهجها المؤسس على ما هو ديني طوال مسيرتها. استطاعت حماس تحويل الفلسطيني الضحية إلى الفلسطيني الجلاد. وذلك ببعثرة القضايا الثلاثة السابقة الذكر. والتي نضال الفلسطينيون لعقود للحفاظ عليها. كي يميزوا بينهم وبين الند الآخر في الصراع، الطرف الإسرائيلي.

أولا : حينما لجأت إلى استخدام العنف المطلق الأعمى، واعتبرته هدفا بذاته، سحبت البعد الأخلاقي من نهج النضال الفلسطيني. فحين تتابع الأدبيات السياسية لتلك الحركة، نادرا ما تجد حديثا عن الخسائر التي تكبتها القضية الفلسطينية، على أي مستوى كان، جراء العمليات الانتحارية التي ينفذها مقاتلو حماس . بل معظم السرد يكون عما تكبده الآخر من خسائر في الأجساد والأموال. وكأن القضية الفلسطينية باتت مختصرة في إيذاء الآخر، لا في إنقاذ الذات.

ثانيا : حينما عرضت حماس نفسها كتنظيم سياسي ديني، كلي النظرة لقضايا المنطقة للعالم. متتبعة بذلك حذافير المنهج الفكري لحركة الأخوان المسلمين. فأنها حولت القضية الفلسطينية إلى مسألة دينية متجذرة في ذاكرة المنقطة، وبذا خلقت مشكلة يهودية مشرقية من لا شيء. وبذلك تحقيق رغبة اليمين المسيحي واليهودي والإسلامي دونما ثمن. تلك الرغبة التي لا تصور الوجود إلا كمكان لصراع أديانا متنافرة، لا يسع العالم إلا لواحدة منها. أو بقول آخر : لا يحلو العالم إلا بقضاء واحدة منها على البقايا. حيث المهم أن يكون الدين هو محور الصراع، سيان من كان الجلاد ومن كان الضحية.
صديقنا المناضل اليساري الكردي فايق بولوت، والذي كان قد قدم من جبال كردستان المحيطة بمدينة ديار بكر ليقاتل في صفوف حركة فتح في سبعينات القرن المنصرم، والذي أسرته إسرائيل لعشر سنوات. صديقنا فايق حينما كان يشاهد مقاتلي حماس وهم يسحلون الشبان الفتحاويين في شوارع غزة. كان يعض شفته السفلى بقوة بالغة، ناظرا للأفق البعيد، ماسحا دمعة المهزوم. حيث كانت ذاكرته وقتئذ مليئة بعبارات من مثل تلك التي قالتها الروائية السورية سمر يزبك لنابليون في أحدى روايتها : يا سيدي أرضاء جوزفين في السرير أجدى من غزو العالم ؟.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This