اللجوء السياسي والتحول إلى المسيحية في النروج

لا ينقطع سيل الشبان الأفغان الباحثين عن اللجوء في النروج. يأتون وحيدين بلا عائلة، وفي أوائل العشرين. 70% منهم يحصل على الإقامة و30% يتوجب عليهم سلوك طريق العودة إلى أفغانستان، بعد أن تهديهم السلطات النروجية مبلغاً من المال يكفي لمصاريف العودة ولبضعة أشهر في الوطن.

من المعروف أن رحلة العذاب التي يسلكون دروبها الصعبة تستغرق عدة سنوات عبر إيران وتركيا ثم اليونان أو إيطاليا، يُستثنى منهم المحظوظون الذين يجلبون على حساب حصة الأمم المتحدة. يستغرق جواب السلطات على طلبات اللجوء من أشهر إلى سنتين، يعيش خلالها الشبان في معسكرات مخصصة، حيث يؤمن لهم المأوى والطعام والرعاية الطبية والتعريف بالقوانين ومصروف جيب. فالقوانين النروجية صارمة بهذا الخصوص، أي أنها تقبل كل من يروي قصة متماسكة ذات جذور واقعية. وطبعاً لا يتعلّق الأمر فقط بأولئك الملاحقين سياسياً وأمنياً أو المعرضين للخطر نتيجة للصراعات السياسية والطائفية، وإنما أيضاً لأسباب إنسانية كالمرض مثلاً.

الجديد في الأمر أن الصراع السياسي بين أحزاب اليمين واليسار وجد له مسرباً مؤثراً في رسم السياسة تجاه الأجانب. فأحزاب اليمين تكسب جمهوراً عريضاً من خلال برامجها الشعبوية المتحفظة والمضادة أحياناً لقبول المزيد من اللاجئين. حتى إن الناطق باسم حزب العمال (حزب يساري) صرح وبمناسبة المظاهرة التي نظمها الشبان الأفغان المعرضين للطرد في أوسلو بإن على “طالبي اللجوء الأفغان أن يسلكوا طريق العودة، عليهم أن يركبوا ذاك الطريق الطويل إلى كابول”. كان هذا التصريح مفاجئاً، واعتبر من قبل الكثيرين أنه يستخدم جرس الإنذار ذاته الذي يصلصل به اليمنيون طوال الوقت، وهو بذلك “يهدم سمعة النروج المبنية على القيم الانسانية المعروفة”.

منذ أشهر بدأ الترحيل الإجباري يطال الصوماليين والأفغان الذين رفضت طلباتهم. الآن على 300 أفغاني أن يغادروا البلاد. ووفق صحيفة “آفتنبوستن” جرى ترحيل 183 أفغان منذ الصيف الماضي.

مما لا شك فيه أن في النروج حرية دينية تكفلها القوانين، حيث يعاقب القانون التمييز على أساس اللون أو الجنس أو الدين. والجدير ذكره أن نسبة تقرب من 40% من النروجين لا تؤمن إيماناً نظامياً بالمسيحية. أولاء لا يصلون، ولا يذهبون إلى الكنيسة إلا من أجل حفلة زواج لصديق. واللافت أن الأكثرية هنا تحيل عدداً من الأعياد المسيحية إلى أصل أقدم في التاريخ النروجي، نعني فترة الفايكيغ. إذن الحرية الدينية حقيقية هنا، وإنما تأتي فيما بعد العوامل السياسية والثقافية، لتغيّر من الصورة مضيفة إليها لوناً باهتاً. يضاف إلى هذا الكراهية للمسلمين التي شرعت بالانتشار إثر 11 سبتمبر والعمليات الإرهابية في إسبانيا وبريطانيا.

من هنا نبعت قضية التحول من الإسلام إلى المسيحية. فقد بثت قناة “الجزيرة” ريبورتاجاً عن هؤلاء الشبان. يظهر الريبورتاج البعض منهم وقد ارتدى قمصانا يرتسم عليها الصليب. وتعلق صحيفة “المجلة” ذات النزعة المسيحية كما يلي “لم يتكلم الريبورتاج عن تحول هولاء الشبان عن الإسلام، ولكن الصور واضحة، إنها تبرزهم وهم يلبسون ثياباً عليها رموز مسيحية”.

يقول محامي الشبان: “في الصور التي بُثت، رأيت أفغانا يلبسون ثياباً كانوا قد حصلوا عليها من الكنيسة، وقد كانت الصلبان بارزة على صدورهم. أمر كهذا يمكن أن يفهم على أنهم تحولوا إلى المسيحية”. يضيف المحامي: “في أفغانستان ينظر إلى أمر كهذا ببالغ الخطورة، بالأخص من قبل المتدينين. هذا كاف لأن يودي بالمتحول عن الإسلام إلى الموت”.

القصة كما يرويها الأفغان تتلخص في أن أحداً ما وزع عليهم قمصاناً وهم في الطريق للاعتصام في الكنيسة، وأنهم لم يدركوا ما تعنيه الرسوم. أحد أولئك الشبان قال للصحف: “نحن لسنا مسيحيين، لكن صُورنا هكذا. لقد وضعونا في الخطر. في أفغانستان يعني التحول إلى المسيحية أمراً واحداً هو الموت. أنا لم أعلم أنه صليب أبداً… أنا نادم الآن على أنني ارتديت ذلك القميص”.

هناك من يرى أن في الأمر لعبة ذكية، نتائجها ستصب في مصلحة الشبان. فالصور ستستخدم وسيلة ضغط على السلطات النروجية، حيث سيحاجج المحامي بأن الشبان معرضون لخطر الموت بحكم الردة، والقانون النروجي يمنع ترحيل أي شخص إلى بلد تتعرض فيه حايته إلى الخطر.

عملياً يتم هنا تعميد عدداً لا يستهان به من الأجانب من مختلف الديانات. من بين هؤلاء الأجانب بعض من المسلمين، لكن من المعروف أن المسلمين يحاولون إخفاء تحولهم على عكس المنتمين لأديان أخرى. يشكل هذا التحول مبعث سرور للبعض من المسيحيين المتدينين، لكنه يدفع بعضاً آخر إلى إبداء الحذر لأسباب إنسانية وعملية، فمثلاً يرى مجلس مسيحيي النروج “أن من المفترض أن لا يُعمّد طالب اللجوء قبل أن يحصل على الإقامة، أو يحصل على الرفض… وأن الحذر واجب هنا بسبب لفت الاتنباه الذي بدأ تعميد طالبي اللجوء يثيره، وأن تعطى الأهمية للشخص ذاته، لأنه سيكون عرضة للخطر في بلاده، إذا ما تقرر إعادته وقد عُرف أنه تحول إلى المسيحية”.

وهناك أمثلة عن طرد متحولين عن الإسلام، سواء أكانوا متحولين حقيقيين أم يتظاهرون بالتحول لكسب الإقامة. بل إن بعضاً من المسيحيين الشرقيين الحقيقيين كانوا عرضة لأسئلة اعتبروها مهينة لهم، حيث يجري تعجيزهم بأسئلة صعبة جداً لا يلم بها إلا المتديّنون المتبحرون. أسئلة يعجز عنها حتماً الشاب النروجي العادي، فكيف بمسيحي شرقي لا يجيد اللغة ويرتعد خوفاً من رفض طلبه! علينا أن لا ننسى أن أسئلة كهذه تطرح فقط على من يروون قصة اضطهاد ديني أو طائفي في بلدانهم.

لدينا مثال عن أسرة إيرانية اشتهرت قصتها في الصحف. هذه الأسرة التجأت إلى إحدى الكنائس ولمدة ثلاث سنوات، وأعلنت تمسّحها، ومع ذلك رفض طلبها وأعيدت إلى إيران. فالكنيسة النروجية فعالة وغنية، لكنها تعمل بنعومة و”باطنية!”، وتبشيرها يتركز على الأفارقة و الشرق- آسيويين. وهي تتمسك بمفهوم متجدد تعتبر نفسها رائدة فيه، ألا وهو أنها كنيسة عصرية، حيث تسمع من الجميع جملة “إننا كمسيحيين في عام 2007 … إلخ”، وهي تحاول أن تظهر على الدوام، بحق أو دونه، مدى التزامها وتعاونها مع المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الانسان، وهي بذلك تسعى إلى الانسجام مع الموقف الرسمي للحكومات النروجية المتعاقبة. لكن نقّاداً يساريين يوردون حججاً مضادة، و يرون في هذا نوعاً من ذر الرماد في العيون، ويشيرون إلى دور الكنيسة في أفريقيا، فهي إلى جانب المساعدات الإنسانية تلعب دوراً سياسياً يثير الريبة، بل ويذهبون إلى حد الاتهام بتحريض الأفارقة ضد بعضهم البعض. إذن ليس من المستبعد، كما يشير هؤلاء، أن يستغل البعض في الكنيسة محنة اللاجئين من أجل حرفهم وتعميدهم.

لكن للكنيسة دفاعها المستمد من إيمانها، حيث يضرب أحد الآباء مثالاً تاريخياً عن ذلك الرجل الأثيوبي الذي سأل المبشر الرائد”فيليب”:

– انظر، هنا ماء، إذن ما الذي يمنع من أن أتعمّد؟

– إذا كنت من كل قلبك تؤمن، فإن هذا سيحدث.

فهل سؤل الشبان الأفغان ذات السؤال؟
في كل الأحوال هم في المقام الأول ضحية فشل دولتهم ومجتمعهم.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق