اللذة والإثم في بواكير الرواية العربية / سلام عبود

اللذة والإثم في بواكير الرواية العربية / سلام عبود

المؤامرة التي حاكها النقد العربي ضد النص الروائي العاطفي كانت مركّبة. فقد استهدفت تأديب النص أولا، وتشذيب الواقع ثانيا، من طريق تأويل النص تأويلا كاذبا، يلائم قصور أدوات النقد البحثية من جهة، وتخلف المفاهيم الإجتماعية والفنية التي يحملها النقد من جهة أخرى. لذلك نصب النقد فخّا ثقافيا مزدوجا، هدفه الاحتيال على الواقع بقتل لحظات المروق والجرأة فيه، وتضليل الوعي الاجتماعي بقيادته الى مناطق منتخبة، خالية من الصدامات المصيرية الحادة. هذا البحث يميط اللثام عن بعض فصول المؤامرة من خلال مراقبة مفهومَي اللذة والإثم في بعض النصوص الروائية العربية، التي عُدّت مفتتحا فنيا لفجر الرواية العربية الحديثة.

 

تتفق غالبية المعنيين بتاريخ الأدب العربي الحديث على أن روايتَي “الأجنحة المتكسرة” (1912) لجبران خليل جبران، و”زينب” (1914) لمحمد حسين هيكل، هما أقدم نصين روائيين عربيين حازا الشروط الفنية الأساسية، واعتُبرا بداية مقبولة لتاريخ الرواية العربية. ربما يتساءل القارئ عن الفائدة التي يجنيها دارس الأدب من العودة الى هذين النصّين؟ وما قيمتهما الأدبية والعقلية وفق مقاييس اليوم؟ وهل هناك ما يمكن تغييره، أو ما يمكن إضافته الى كل ما قيل وشاع عن النصين؟ هذه الأسئلة وغيرها جزء من حزمة المفاتيح، يستخدمها هذا البحث لغرض إعادة فتح مغاليق النصين، وإضاءة الجوانب المحتجبة من مشكلة الحرية الجنسية وسبل بحثها نقديا. يمكث البحث عند هذين العملين، ثم يعرّج على نصوص لها مساس مباشر بهما، لكي يعيد تقويمهما وتمحيص ما أحاط بهما من تفسير وتأويل ونقد، يطابق أغراض الروايتين، أو يخالفها. سيتم النظر الى النصوص المعروضة والنقد المرتبط بها من زاوية محددة جدا: رصد تطور المعالجة الأخلاقية للعلاقات العاطفية، ووضعها في إطارها التاريخي فنيا وفكريا.

 

 

التمرد على مخططات قاسم أمين

 

 

يلخص يوسف حسن نوفل في كتابه “القصة والرواية”، رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل، بعد مقدمة طويلة عن حامد وعلاقته بزينب، على النحو الآتي: “وعلى الرغم مما كانت بين حامد وبين زينب من علاقة غير مشروعة فإنها مالت الى إبراهيم رئيس العمال وأحبته، ولم تستطع الجهر بذلك الحب، ثم يزوجها أبوها لرجل آخر بينما يلتحق إبراهيم بالجيش، ويسافر الى السودان تاركا منديله لزينب التي تصاب بمرض السل فتموت ودمها ينزف من فمها فتمسحه بمنديل إبراهيم، أما حامد فيرسل الى أهله رسالة يخبرهم فيها بأسباب ضيقه ويختفي بعد أن تزوجت عزيزة”.

 

في هذا النص القصير، نرى بوضوح تام إشارة أخلاقية تدين علاقة حامد بزينب، التي وصفت بـ”غير مشروعة”. لكننا لا نلاحظ حكما تقويميا، ولو ضئيلا، للعلاقة الحسية بين إبراهيم وزينب، سوى منديل إبراهيم، رمز  الحب الموؤود.

 

أما جورج سالم فيصف في كتابه “المغامرة الروائية” أحداث رواية “زينب” الرئيسية بالكلمات الآتية: “إن الشخصيات التي تكوّن لحمة هذه الرواية هي حامد وزينب وإبراهيم وحسن. أما الشخصيات الثانوية فكثيرة. وليس في التوقف عندها أي فائدة لأنها لا تؤثر تأثيرا يذكر في سير الأحداث. وتدور  هذه الرواية حول حدث رئيسي يشد الرواية كلها هو الحب، وإن كان يتخذ أكثر من محور واحد. فكل أبطال الرواية الثلاثة حامد وإبراهيم وحسن يحبون زينب بطلة الرواية، ويدورون في فلكها. وقد صوّر الروائي بطلته بكثير من الرهافة والدقة، فوصف رقتها وجمالها الفاتن الذي أبدعت الطبيعة في صنعه وحبّها لإبراهيم رئيس العمال، وحاول في العديد من المرات أن ينقل الينا ما يدور في نفسها من أفكار ومشاعر وخلع عليها من كل صفات النفس الرومنطيقية المعذبة التي يضنيها الحب وتحول الظروف دون أن يتحقق هذا الحب، فتذوي وتموت ألما وجوى وهي ممسكة بمنديل إبراهيم بعد أن عانت من مرض السل ما عانت”.

 

هنا نعثر على بصيص ضئيل من الوصف يتعلق بـ”أفكار زينب ومشاعرها”، من دون تحديد طبيعة هذه الأفكار والمشاعر، بيد أن منديل إبراهيم كان حاضرا أيضا في نهاية العرض.

 

في كتاب “صورة المرأة في الرواية المعاصرة”، يتقدم طه وادي خطوة أوسع للإقتراب من المشكلة الحقيقية، فيلمّح ويناور، لكنه في نهاية المطاف يبقي تلك العلاقة، كالعادة، مطويّة في منديل إبراهيم كشاهد وحيد على المأساة: “وتساق زينب الى بيت الزوجية كشاة ضالة، ويرحل الحبيب بعد أن أهدى ثوره لزوجها حسن صديقه، ونسي عندها “منديله المحلاوي” لتشم فيه ذكرى الحبيب (كلمة هنا فيها قدر كبير من الإيهام، لأنها توحي كما لو أن زينب “هنا”، أي بعد رحيل إبراهيم). كما يفهم من السياق، يتصارع في زينب عاملان: الوفاء للحبيب والإخلاص للزواج. إنها في موقف يذكّر بمأساة ليلى العامرية في “مجنون ليلى” عند أحمد شوقي، حيث يشتعل في نفسها الصراع بين العقل والقلب، بين الواجب والعاطفة”.

 

كما حاول عبد المحسن طه بدر كشف تناقضات زينب الداخلية وتفسير مأساتها، في سعي منه للاقتراب أكثر من الشخصية وأزمتها، والوصول الى قلب المشكلة التي عانت منها، لكنه سرعان ما أضاع الخيط الموصل الى الحقيقة: “لقد زوّجها أهلها من شاب هو أمنية كل فتيات القرية، وحبيبها لم يتقدم لطلبها، وما نظن أن أحدا يمكن أن يصدّق فتاة حين تزعم أنها لا تريد أن تتزوج. ثم ان زينب تعترف بأنها تعيش مع زوجها كالعسل. فأين تكمن المأساة الا في تصور المؤلف؟ إن المأساة الحقيقية، في اعتقادنا، اذا كان هناك مأساة هي مأساة الزوج الشاب لا مأساة زينب. أما إبراهيم فشخصية سلبية ويبدو لنا أن المؤلف قد اصطنعه ليكون لآلام زينب وموتها مبرر”.

 

ربما يجد القارئ شيئا من الجدّة والفائدة في هذه التساؤلات، لأنّ كاتبها يشير الى موضع القلق في الرواية، ويعتبره خللا فنيّا، يقع على عاتق مؤلف الرواية. لكن ضعف هذه التساؤلات يكمن في أنها نزعت المشكلة من زينب وأحالتها على حسن. إن مشكلة زينب وحسن واحدة، اسمها إبراهيم، صديق حسن وحبيب زينب. وهنا، ربما يصلح حامد أن يكون شخصية هامشية في هذه المأساة، أو يصلح أن يكون قصة مستقلة، لإن حذفه لا يغيّر شيئا في معادلة الصراع التي عاشتها زينب. أما إبراهيم فهو جزء جوهري من المأساة وقطب الصراع الرئيسي؛ من دون وجوده، لا يتحقق عنصر الصدام والتطور في الرواية، بل لا تكون هناك رواية أصلا. فإبراهيم هو شيطان الحب في معادلة الجنس التقليدية المسماة “وثالثهما الشيطان”. أما حامد فلم يصل الى مرتبة الشيطان، على الرغم من أنه مارس “الغواية” أيضا، لكنه ظل يحتفظ بدور تلميذ الشيطان الخائب.

 

كان الصراع الذي صنعه هيكل أكبر مما تتحمله أخلاق القرية المصرية، وأخلاق “فلاح مصري” أو “مصري فلاح”. إنه درجة من التحدي والجرأة العاطفية، تتخطى قوانين المألوف الديني والأخلاقي كلّها. لهذا السبب رأى عبد المحسن طه بدر أن شخصية إبراهيم صُنعت صنعا من المؤلف لكي تكون معاناة زينب وموتها مبررين، كما لو أن النقد يتمنى غيابها من النص، أو تعديل سلوكها لكي يكون وجودها ايجابيا. إن الرفض الأخلاقي لشخصية إبراهيم، الذي يلبس لبوس الفن، لا يلغي وجود هذا النموذج الأدبي، بل يؤكد وجود مشكلات غير مشخّصة في المفاهيم والتقويمات والسلوك، لا يريد كثيرون كشفها علنا وتسميتها بأسمائها. انطلاقا من حقيقة وجود إبراهيم في النص، باعتباره “منتوجا” فكريا، يجب علينا أن نتساءل: ما هو حظ هذا النموذج من القبول في الواقع؟ ما تأثيره في وعي القارئ ومشاعره؟ وما موقف المجتمع منه؟

 

أدخل هيكل شخصيته الروائية في دوامة صراع قاسية، ممكنة وجائزة الوجود في مجتمع القرية المصرية، وفي أيّ مجتمع آخر، حينما ساق فتاة الى الزواج من رجل لا تحبّه، بينما كانت الفتاة على علاقة عاطفية، خفيّة، برجل آخر. وتلك أزمة عاطفية ممكنة واقعيا ومعروفة اجتماعيا. بيد أن بعض كتّاب الرواية العربية الأوائل، هيكل ومعه جبران خليل جبران، لم يتوقفا عند هذا الحد، ولم يجعلا المعاناة الرومنطيقية مجرد مناجاة وآهات على حبيب سُرق من حياة شخصيتيهما القصصيتين، بل ساعدا الشخصيتين المعذبتين زينب في رواية “زينب” وسلمى في رواية “الأجنحة المتكسرة” على كسر حاجز التحريم واختراق جدار الرقابة والمنع، فحسمتا التناقض القائم بين الواجب والعاطفة، وبين الوفاء للحبيب والإخلاص للزواج، لصالح العاطفة والوفاء للحبيب. أي أنهما انتقلتا من صراع المشاعر والأفكار الى مجال الفعل والممارسة. تلك هي الخطوة التي أراد الجميع، على مدى مئة عام من النقد العربي، طمسها وإنكارها، أو اللف والدوران حولها، من دون أن يجرؤوا على تسميتها باسمها.

 

أهو نفاق أدبي، أم نفاق أخلاقي، أم كلاهما؟

 

 

المرأة تغوي شياطين النقد

 

 

لم تكن رواية “زينب” “تقف على قدم المساواة من الناحية الفكرية مع كتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين”، كما ظن طه وادي في دراسته للمرأة في القصة المصرية، بل أجزم فأقول إنها قفزت على مخططات قاسم أمين، وخرجت بعيدا من حدوده المرسومة في كتابيه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة”. ولا يعرف المرء هل حدث ذلك بوعي وتبصر، أم أنه جاء عفو الخاطر! بيد أن هذا التساؤل لا يغيّر من الأمر شيئا.

 

كانت جرعة الرفض والمروق، التي سعت سلمى وزينب ووردة الهاني في مجموعة جبران القصصية “الأرواح المتمردة”، الى إحداثها، ردود أفعال يائسة، موقتة، في مواجهة عوامل الكبت والحرمان وسلطة الإرغام. أما النهاية التامة، أو الحل الفني للمشكلة، فجاء بمساعدة المؤلفين، على يد الطبيعة الرحيمة، التي أعطت كلمتها النهائية، فوضعت حدا لحياة زينب وسلمى ومأساتيهما، بينما خلّفت وردة الهاني في أحضان الحياة، تعاني من موت دائم: اتهام الناس لها بأنها “زانية عاهرة قد أتلفت بمقابضها القذرة أكليل الزواج المقدس الذي ضفرته أديانه، واتخذت عوضا عنه أكليلا وسخا محبوكا من أشواك الجحيم، وألقت عن جسدها ثوب الفضيلة وارتدت لباس الإثم والعار”.

 

جرعة الرفض والمروق التي أخذتها زينب وسلمى كانت أكبر مما تحتمله حدود البدايات الفنية لكاتب ناشئ، أو لنوع أدبي في طور ظهوره. ربما لذلك السبب لم يؤخذ هذا الرفض على محمل الجد، فتم تخفيف حدّة مشاهده المتعلقة بالخروج على تقاليد المجتمع وأعرافه الأخلاقية، وعلى مخططات قاسم أمين الإصلاحية أيضا، كمشاهد الإلتقاء بحبيب من خلف ظهر الزوج والمجتمع، حتى لو كان لقاء رومنطيقيا، “طهريا”، كما يصفه جبران في قصة “صراخ القبور”: “فجلستُ (الزوجة وعشيقها) والسكينة حديثنا والعفاف ثالثنا”. إن هذا التمرد العاطفي المتطرف، الذي اتسم بالمروق الأخلاقي والفردية، لم يكن سوى ردّ فعل نفسي وسلوكي مباشر على ما لحق بالشخصية (المرأة) من جور عاطفي، في ظل طغيان قيم اجتماعية مغلقة. أما ظهوره السافر فتمّ على يد كاتبين لم يتمرسا كثيرا في معادلة النص والواقع، وفي توازنات الابتكار وبعده الإجتماعي، وإشكالات الدوافع النفسية الفردية للكتابة وحاجات المجتمع العقلية في مرحلة تاريخية معينة. ويشمل الأمر كلا الكاتبين، جبراناً وهيكلاً؛ حتى لو بدا ظاهريا أن بُعد جبران عن الوطن الأم، وما ينجم عنه من تخفيف الصدام المباشر مع المجتمع، مسوغ محتمل، وربما دافع واقعي لمزيد من الجرأة، الأخلاقية والاجتماعية.

 

هذا الجزء من حياة الشخصية ومعاناتها، كان أعمق مواطن الصراع النفسي والعاطفي والأخلاقي وأهمها وأخطرها في الروايتين. ومن أجل أن نتفهم دوافعه جيدا، لا بد من النظر الى ما خلف النص، الى المؤلف نفسه، كمنظومة أفكار اجتماعية، تاريخية. كان موقف جبران حاسما من الناحية العقلية، فلم يُخف كفره الصريح بسلطة رجال الدين والتقاليد القديمة، الذي يتردد صداه قويا في غالبية قصصه، حيث نرى العروس الشابة الهاربة من عريسها الى عشيقها في قصّة “مضجع العروس” تبرر تمردها بإلقاء اللوم على أب وكاهن لم يستخدما الشريعة كما ينبغي: “لا توجد قوة في العالم ترجعني الى ذراعي الذي زففت اليه كرها ويأسا. قد تركت العريس الذي اختاره لي الكذب بعلاً، وتركت الوالد الذي أقامه القدر ولياً، وتركت الزهور التي ضفرها الكاهن إكليلاً، وتركت الشرائع التي حبكتها التقاليد قيوداً”.

 

أما زينب فقد تقاتلت في روحها عناصر متناحرة، جعلتها نهبا للاضطراب النفسي والعاطفي، فلم تتمكن من حسم موقفها، إلا بعد صراع ضار بين عواطفها والتزاماتها الأسرية والأخلاقية: “هل تذهب لإبراهيم تحت جناح الخفاء فتستسمحه عما سبق من هجرها إياه؟ نعم نعم. يجب أن تفعل. لم يبق على ما تحملت من الشقاء صبر. ولكن كيف يمكن أن تفكر في هذا وفيه من الغدر بزوجها ونكث ما تحمله له من العهد وهي زوجة”.

 

يلخص السارد الروائي مشكلة زينب النفسية هذه بكلمات قليلة قائلا: “ما أقسى القضاء الذي يجور على فتاة حساسة كزينب، فيعاكسها في كل آمالها، ويقلب عليها الحوادث كلها، ويذرها هكذا بائسة تعيسة ولا يجود عليها بشيء ما، ولا بشعاع من أمنية سعيدة تجعل في عيشها من اللذة ما يحرضها على البقاء… والليل وحده شهيد على دموعها!”.

 

إن الأزمة الداخلية في روايتي “زينب” و”الأجنحة المتكسرة”، أي أزمة الشخصيتين النسائيتين، لا تكمن في زواج الإكراه فحسب، بل في المعاناة الناشئة من وجود حبيب مفضل الى جانب الزوج المفروض، والمعاناة العميقة الناشئة جراء ذلك: التوفيق بين العاطفة والواجب الأخلاقي، التوفيق بين مطالب النفس والجسد وبين مطالب المجتمع والشرائع السموية وقوانين المجتمع الأخلاقية. فخشية سلمى على حبيبها من الناس، هي التي دفعتها الى التضحية بنفسها. تلك هي أزمة الشخصيتين وأزمة الروايتين الأساسية، التي سعى النقد الأدبي طوال قرن كامل الى تجاهلها، سالبا من الروايتين، “زينب” خصوصاً، أعظم جوانب الصراع فيها. فلو عدنا الى “زينب” لوجدنا أن أزمتها، كما تفهمها هي، تتحدد في صراعها بين الخطيئة والعاطفة، بين الحرام واللذة: “كيف يمكن أن تفكر في هذا وفيه من الغدر بزوجها ونكث ما تحمله له من العهد وهي زوجة”، “لم يبق لهما إلا أسبوع، وبعد ذلك يفترقان الى أمد طويل، من يدري فقد يكون الى الأبد. فهل يجعلانه أسبوع سرور ولذة أو هما يقضيانه أسبوع دموع حارة وآلام قاتلة”. هي المشاعر ذاتها التي وصفها لنا حبيب سلمى في “الأجنحة المتكسرة”: “كم يصعب عليَّ الآن أن أدوّن بالكلام ذكرى تلك الساعات التي كانت تجمعني بسلمى، تلك الساعات العلوية المكتنفة باللذة والألم، والفرح والحزن، والملل واليأس، وكل ما يجعل الإنسان إنسانا والحياة لغزا أبديا”.

 

إنه صراع جلي بين اللذة والمحرّم. وقف ميخائيل نعيمة أمام “مأساة” التمرد هذه، واجتماع الحبيبين “خلسة”، وعدّ ذلك رغبة عاطفية قادت الى نهاية سلبية، كان من الممكن تلافيها “بقليل من عناد المحبين وإيمانهم بقدسية الحب أن يتغلبا على العقبات التافهة التي قامت في سبيل اتحادهما. ولكنهما آثرا الرضوخ للأمر الواقع على العناد، وآثرا الشكوى والتفجع والنواح على الوقوف بجانب حقهما في الحياة”. كلمات نعيمة الأبوية، المواسية، لم تكن على قدر كبير من الإقناع، ولا تشفي جراح النقد ولا المبتليات بهذا الضرب من الحب. كان جور القدر ومعاكساته لزينب أكثر تعقيدا من جوره على سلمى ومعاكساته لها. وربما لم يكن العناد سلاحا فعالا لمواجهة القدر وجوره إلا في الخيال أو على الورق. فلم توضع زينب وسلمى أمام “عقبات تافهة”، كما اعتقد ميخائيل نعيمة، وهو يحاول تبرير نزوة التمرد في الشخصيتين، وإن كان على نحو أخفّ مما فعله الذين تناولوا رواية “زينب”. فقد كانت تلك العقبات “قضاء جائرا” حتى في تقدير هيكل نفسه. لذلك عمد هيكل، بكل ما أوتي من حيل وسبل، الى جعل حال زينب، قضاء جائرا حقا، قياسا بحال سلمى. لذلك آثر هيكل أن يجعل من حسن، زوج زينب، طيبا وحنونا ومخلصا الى أبعد الحدود، ومن زواجها إرغاماً فرضه عليها أبوها: “ألا ما أقسى أباها! سلك بها ذلك المسلك الخشن واضطرها لموقفها الحاضر تكاد تصعق دونه!…”، بينما كان زوج سلمى مفروضا من عم زوجها المطران (رمز الشر عند جبران)، الذي يشبه زوجها تماما في جشعه وتخلفه. أمّا أبو سلمى فلم يكن موافقا في قرارة نفسه على ذلك الإرغام. لذلك رفض أن يقربه كاهن عند موته: “لا تدعوا كاهنا الى جانب فراشي لأن تعازيمه لا تكفّر عن ذنوبي إن كنت خاطئا ولا تسرع بي الى الجنة إن كنت بارّا”. كان الأب يدرك أن زواج سلمى الجائر جزء من خطاياه، التي تعذب ضميره. وربما لهذا السبب كانت سلمى أقل قلقا من زينب من الناحية العائلية: علاقتها بأهلها الأقربين. كان “الناس” أي المجتمع، وليس الأهل، مشكلتها الكبرى. كانت موافقة سلمى على الزواج متعجلة، بينما لم يكن أمام زينب من خيار سوى الصمت. لذلك تفنن هيكل تفننا عجيبا في جعل مشكلة زينب مشكلة قضاء جائر، يتعدى جوره الحدود النفسية والعاطفية، الى الأبعاد الاجتماعية والسياسية. لهذا السبب أيضا أرغم المؤلف شخصيته القصصية ابراهيم، حبيب زينب، على الانخراط في الجيش، والذهاب الى السودان، لكي يدافع عن شرف الوطن، كما يظن زوج زينب الطيب، ولكي يدفع ضريبة الاحتلال، كما يظن حامد المثقف، بينما كان إبراهيم يدفع، كما يعتقد هو وأهل القرية، ضريبة الفقر. فهو أحد الفقراء الذين لم يتمكنوا من دفع البدل النقدي للتخلص من الجندية. لكنه كان، في حقيقة الأمر، مغدورا به عاطفيا وفنيا وضحية قدرية أيضا، حاله كحال زينب وسلمى. لذلك فإن مأساته الشخصية زادت من جرعة التعاطف مع  زينب، وسوغت للبعض مهمة إهمال نزوتها ولقائها حبيبها، الذاهب “ليقوم بصغائر الخدم تحت إمرة المتحكمين في بلده… فما أشد ذلك إيلاما له! وما أقسى وقعه على نفسه!”

 

إن إغفال ذلك الجزء الحي من النص في النقد الأدبي العربي، وذلك الجزء المهم من فورة المروق والتمرد التاريخي (فنيا واجتماعيا)، إخصاء متعمد  للنص الأدبي، كوثيقة تاريخية اجتماعية، وتدجين لخطوة الحرية، كما تجري على الأرض بين البشر، حتى وإن كانت في صورة نزوة أو مروق أو شذوذ؛ كما أنه إضعاف عظيم لروح النص الأدبي ومضمونه، باعتباره إنتاجا فنيا وفكريا تاريخيا، من ناحية أخرى. لقد نظر بعض الأدباء من مختلف الاتجاهات الفكرية الى مشكلة زينب بعين القوالب الفكرية الجامدة، حينما ربطوا أزمتها بقضية زواج الإكراه، وتم تفسير عواقبها المأسوية وربطها بذلك السبب وحده. عن هذا الأمر يقول روجر ألن: “ضمن إطار هذه القصة (زينب) يبرز كل من حامد وزينب باعتبارهما ضحية للعادات الاجتماعية، فكل منهما لا يستطيع الزواج بمن يحب”، وتلك إشارة لا تخلو من الصحة في مضمونها العام، لكنها، كما أسلفنا، لا تفسر جوهر أزمة زينب وجوهر ما كتبه هيكل وجبران. فمن الناحية الفكرية والتاريخية ربطت مشكلة زينب وعواقبها بفكر المرحلة، وعلى وجه التحديد بأفكار قاسم أمين وتأثّر هيكل بها. إن هذه العمومية في التفسير، وإن حوت شيئا من الحقيقة أيضا، لم تستطع أن تميز خصوصية فكر قاسم أمين، المتمثلة في خشيتها وحذرها من التمرد غير الموزون وغير المحسوب النتائج. وهي نبرة سادت بين سطور قاسم أمين، على الرغم من الطابع الهجومي لبعض أفكاره في كتابيه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة” خصوصاً. فدعوته الى تخفيف الحجاب حتى يزول تدريجيا، والحق في التعليم والعمل والاختلاط، ونبذ زواج الإكراه، وتأييده “تأفف الشبان من التزوج على الطريقة الحالية، وتمنيهم تغييرها بما يمكنهم من معرفة المخطوبة”، ذلك كله اختلط بنبرة الخشية والحذر من سوء الفهم وسوء التأويل، وعلى وجه التحديد سوء الفهم الذي يربط بين التحرر والتهتك، بين الحرية الشخصية والتفسّخ الخلقي، بين الاختيار والرذيلة: “ومما أخذناه على الغربيين في آدابهم تكشف نسائهم واختلاطهن بالرجال وتمتعهن بالحرية التامة واحترام الرجال لهن، وكثير منا يعدّ هذه العادات أسبابا لفشو الفساد فيهم ويعتقدون أن جميع نسائهم لا يعرفن العفة، وكل الرجال مجردون من الغيرة”.

 

ألحقت محاولات بعض دارسي الأدب، الهادفة الى تطهير الروايتين السابقتين من لحظات المروق الأخلاقي والعصيان النفسي والجرأة السلوكية، المتمثلة في لقاء الحبيبين، أضرارا كبيرة بسبل معالجة النص روائيا. فقد تستّر النقد على واقع سيئ، واقتطع من النص جزءه الحي، ونعني به الصراع النفسي العنيف بين الحلال والحرام، بين النفسي والأخلاقي، بين الفردي الخاص والاجتماعي العام، بين اللذة والإثم. قاد هذا كله الى ازدياد حدة البلبلة المتعلقة بتفسير شخصية زينب كنموذج فني اجتماعي. ومن مساوئ النقد أيضا أن “زينب” هيكل خُصّت بالذكر أكثر من “سلمى” جبران. فالأخيرة، كرواية، على الرغم من سبقها التاريخي، لم تحظ بالعناية الكافية من النقاد إذا قورنت برواية هيكل. إن من غير العسير على الدارس أن يلمس العموميّات في نص ما، ومن اليسير جدا أن نلخّص المأساة القصصية بالحديث عن مشكلة الزواج الإرغامي، وعن ظهور موضوع الريف في القصة، وعن بروز النزعة الرومنطيقية، وغير ذلك من التبويبات الشكلية والأحكام الفضفاضة. إلا أن الخصوصية الفنية تاريخيا تكمن دائما في ثنايا الصراع النفسي والإجتماعي، لا في أسبابه الظاهره أو تجلياته الخارجية، الاجتماعية أو الطبيعية أو الأسلوبية. وهذا ما غفل عنه أو أغفله الباحثون. يضاف الى ذلك أمر تاريخي على قدر كبير من الأهمية، هو أن تدجين النصوص وترويضها سابقة عقلية، رقابية، طوعية، غدت مع مرور الأيام الطابع المميز للجدل العقلي في صفوف المثقفين العرب: عمومية الفكر وانتقائيته وغياب المنهج.

 

مما تجدر الإشارة اليه هنا أن روايتي “زينب” و”الأجنحة المتكسرة” خضعتا لنقد غير قليل، لم يكن خاليا من القسوة أحيانا. وقد خصّ “زينب” بالنقد أعلام بارزون من كتّاب الرواية العربية كيحيى حقي وعبد الرحمن الشرقاوي. ورأى الأول وجود صلة بين “زينب” وبعض كتّاب الرواية الفرنسيّة: بول بورجيه وهنري بوردو. ولم يتوقف الأمر على الكتّاب العرب، فقد خصّ روجر ألن الروايتين بالنقد، مبيّنا نقاط الضعف فيهما، وتركز هذا النقد في الجانب الفني.

 

 

حينما يغدو التحجر النقدي مرضا وراثيا

 

 

إن دراسة موضوع العلاقات العاطفية والجنسية النسوية المحرّمة، القائمة خارج إطار العلاقات الزوجية الشرعية، تستوجب منّا التوقف عند إحدى المحاولات الأدبية المبكرة في الأدب العربي، التي اجتهدت بطريقتها الخاصة وسعت الى معالجة هذه الإشكالية العاطفية والأخلاقية المعقدة والخطيرة. ففي 1930، قبل وفاته بسنتين فحسب، وضع الشاعر أحمد شوقي مسرحيته الشعرية المشهورة “مجنون ليلى”. وهناك من يؤكد أن كتابتها تمت عام 1929، ويؤكد آخرون أنها مع غيرها من مسرحياته تمت في سنة مرضه عام 1930. هي محاولة أدبية متأخرة، قياسا بتجربة جبران وهيكل، كما أنها على درجة عالية من الوهن الفني والفكري، عدا بعض الأبيات المتفرقة، التي تمتعت بصياغة وصنعة متقنة. أما أهميتها فتكمن في ريادتها الشعرية، وفي سعيها للإفادة من التاريخ لغرض بسط موضوع الحب المحرّم. ولا يعرف المرء الدوافع التي حملت شوقي وهو في أواخر حياته على القيام بمثل هذه المحاولة المحفوفة بالأخطار، لكننا نعرف أن شوقي مرّ بمدرسة باريس الثقافية أيضا، أسوة بهيكل وجبران وتوفيق الحكيم. لقد أجهد نفسه في صناعة تبريرات أخلاقية تسوّغ فكرة إقامة امرأة متزوجة لعلاقة حب جانبية مع رجل آخر. وهي فكرة لا وفاق فيها، تتصادم بشكل سافر مع مؤسسات الأخلاق كافة. لذلك اضطر شوقي الى رسم صورة متطرفة الى حد الشذوذ عند وصف براءة ليلى، فجعلها عذراء حتى بعد زواجها، لغرض إقفال كل محاولة للنيل من شرفها.

 

“لم تعذب بالحب عذراء قبلي/ كعذابي ولن تعذب بعدي

 

عفراء: هي عذراء؟ ربي اشهد

ليلى: أجل عذراء حتى يضمني ركن لحدي”.

أما ورد، زوج ليلى، فقد اقتبس من حسن زوج زينب، طيبته:

“فورد يا عفر لا كفاء له/ مروءة في الرجال أو ورعا”

 

لكنه بالغ في طيبته وورعه، حينما تزوج ليلى، على الرغم من شيوع خبرها مع قيس. كما أنه كان كريما الى الحد الذي أباح لها أن تُخلّد في تاريخ الشعر العمودي كزوجة عذراء عاشقة، على قاعدة عاطفية اسمها ثلاثية الحب المحرم: الزوج والزوجة والشيطان. لذلك أُرغِم ورد على مخاطبة قيس، واصفا بنفسه هذا الكرم الأخلاقي الغريب والشاذ، ودور القضاء في حدوثه:

 

“قيس أرى الموقف لا يجمعنا/ أنت حبيب القلب، والزوج أنا

 

 يا لكما مني ويا لي منكما/ نحن الثلاثة ارتطمنا بالقضا”

من عجائب العقل النقدي العربي أن هذه المسرحية أثارت جدلا كبيرا في الوسط الثقافي المصري، ساهم فيه أعظم كتّاب تلك المرحلة كطه حسين، الذي خص المسرحية بنقد قاس، قارب حد الاستهزاء ببناء شخصيتها الرئيسية وتكوينها. بيد أن النقد لم يقدم دراسة متوازنة عادلة لطرفي العلاقة العاطفية ليلى وقيس. فطه حسين وجّه نقده الى قيس حينما وجد فيه قدرا عاليا من الإضطراب الفني. ومن المؤكد أن شوقي كان مدركا، منذ البدء، لأخطار تلك المعضلة الأخلاقية، وما تتسبب به من قلق فني عند رسم شخصيات لها مرجعياتها التاريخية المعروفة. لذلك أصرّ على جعل ليلى عذراء حتى بعد زواجها، وحاول غير مرة أن يبرر لقاء ليلى وقيس على أنه ضرب من الود المثالي، يشبه الى حد كبير لقاء زينب وابراهيم وسلمى وحبيبها:

 

“لم تكن وحدها ولا كنت وحدي/ كما يجمع الحما السُمارا

 

جمعتنا خمائل الغيل بالليل/ ذهبت يمنة وسرت يسارا

ليس غير السلام ثم إقترفنا/ …”.

 

لا يكتفي شوقي بتلك الأعذار، وإنما يذهب بعيدا في التبرير حينما لا يحصر العذرية بليلى وحدها، وإنما يشمل بها قيس أيضا: “انما نحن فتية وعذارى”.

 

حاول طه حسين الاقتراب من جوهر المشكلة حينما قارن الاستخدام الفني المشوّه للعواطف بالنتائج المتحققة فنيا، من خلال دراسة شخصية قيس، فعدّه مريضا أكثر منه عاشقا متيما. لكن طه حسين أحجم عن مواصلة الحفر في بناء الشخصيات، ولم يتغلغل عميقا في جوهر المشكلة: ليلى. لماذا توقف طه حسين عند هذا الحد؟ هذا أمر تتعذر الإجابة عنه ويصعب إدراكه. لكن ما يؤسف له أن يكون النقد والعقل العربي المرتبط به لم يزل حتى يومنا هذا يرث ويعيد ترديد تلك الأخطاء النقدية، التي حملتها فترة الثلث الأول للقرن العشرين، وما انفك يمارس بإصرار شديد مؤامراته العقلية على الواقع والنص. ففي واحدة من أحدث محاولات الكتابة عن الموضوع يعيد جابر عصفور، في صحيفة “الاتحاد” في 30 تشرين الأول 2007، تبريرية النقد السطحي، بكلمات عصرية لكنّها أشدّ سطحيّة وعقما، حينما يشيد بعذرية الحب “المتدرج” وسويته في مسرحية “مجنون ليلى”: “نظرة، فابتسامة، فسلام، فكلام، فموعد فلقاء”، من دون أن يكلّف نفسه عناء النظر الى جوهر المعالجة ومزالقها الفنية والأخلاقية المتوارثة.

 

هناك من النقاد من اعترض على مشهد صغير من مشاهد المسرحية، مثل قيام ليلى بتقديم قيس لإحدى صديقاتها، فعُدّ الأمر خروجا على التقاليد العربية. وفي الذكرى السبعين لوفاة شوقي كتب محمد ابرهيم أبو سنة مقالة بعنوان “قراءة جديدة في مسرحية مجنون ليلى لأمير الشعراء أحمد شوقي” عدّ فيها كرم وتسامح ورد “منزلة غير مقبولة وغير منطقية”، لكنه أغفل أن يتناول أثر تقبّل هذا الكرم على الطرف الآخر للمشكلة: المرأة.

 

بيد أن هذه التبريرية، أو هذه المؤامرة التاريخية (الثقافية- الأخلاقية) الإنكارية، لا تعدو أن تكون رقابة ساذجة على موضوع شديد الخطورة، لم تتقبله مؤسسات الأخلاق في مجتمعات أكثر حرية من مصر والبلاد العربية. لأن هذا الضرب من

الخيانة فعل اجتماعي غير قابل للتبرير أو الإنكار أو الابتلاع، إلا في الأوساط المغلقة والثقافات المنافقة، التي تخشى من افتضاح عوراتها، أكثر من خشيتها على قوانين الحق والعدالة والصدق والكرامة والجمال. لكنه فعل قابل للتصوير والنقد والمعالجة التقويمية المتفتحة والصريحة، في المجتمعات الأكثر استعدادا لمعالجة معضلة التوازن بين الفردي والاجتماعي. لم تقبل فرنسا "مدام بوفاري" بيسر، ولم تقبل انكلترا "عشيق اللايدي تشاترلي"، وأوصل تولستوي "أنا كارنينا" الى الموت، لكي يحقق التطابق مع القيم الإجتماعية المسيحية، وتم تحوير نص بروسبير ميرميه "كارمن" للغرض نفسه عند إعدادها كأوبرا، ولم تتقبل النروج مسرحية "بيت الدمية" لأبسن، إلا بعد تحوير خاتمتها المارقة. إنّ ما يميز العقل الأوروبي النقدي عن النقد العربي، في تعامله مع التحريم، أن العقل الأوروبي لا ينكر الظاهرة أو يغفلها، بل يناقش محتواها بالرفض أو القبول أو التعديل، أما العقل النقدي عندنا فيتولى مهمة تزوير الواقع والنص من طريق إلغاء وجود المشكلة لكي يتحرر من معضلة مواجهتها. الإنكار طريق سهلة، لكنها غبية، لأنها قد تصل في تطرف شذوذها الى حدّ منح الشرعية الضمنية للظاهرة التي يجري رفض وجودها علنا. وتلك أبرز تناقضات الجمود العقلي. لكن ظهور مسرحية "مجنون ليلى" في الثلث الأول للقرن العشرين، كنص أدبي، على رغم ما يقال عنها فنيا وفكريا، يكشف عن وجود رغبة قوية مستترة لمناقشة هذا الموضوع وإعادة إحيائه فنيا.

 

 

تلك البداية الروحية والفنية المتواضعة مهاريّاً، في نظر قارئ اليوم، كانت أكثر محاولات التعبير عن الجنس المحرّم في الثقافة العربية جرأة وإفصاحا، لأنها أوسع مما يتقبله حيز الحرية المتاح آنذاك، بما في ذلك حيز الحرية النسبية الذي امتلكه النقاد ودارسو الأدب. لذلك كانت بواكير الرواية العربية، ممثلة في "الأجنحة المتكسرة" و"زينب" سبّاقة الى تصوير الشخصية المتمردة وتقديمها الى القراء، في وقت مبكر، كموقف حياتي وعقلي وأخلاقي وفنّي.

 

إن هذا المروق المدجّن، الذي حرص الجميع على إخفائه، وشارك كثيرون عمدا في طقوس تغييبه، سرعان ما غدا مجرى أساسيّا في قصص الحقب اللاحقة ورواياتها. أما الإضافات الاسلوبية والإثارات العاطفية والجنسية، التي طبعت الكثير من قصص الأجيال الجديدة، فاكتفت بممارسة حرية شكلية، خالية من العمق العقلي والعاطفي، تستمد جرأتها من السطح ومن مساحات التعبير الفنية والأسلوبية، فجاءت أميل الى الحسي والخارجي في مضامينها، منها الى عمق المعالجة. ومنها ما جنح نحو التعبير عن المشهد الخارجي (كموضوع) بأدوات فنية خارجية، مما ضاعف من شكلية المعالجة، وإن بدت في الظاهر أكثر جرأة ومروقا، نظرا الى كثرة التعابير والأوصاف الجنسية، الحسية، التي يحويها النص. في هذا الموضع نعثر على أحد عناصر الجمود والثبات الفنية والثقافية، التي هي جزء من لوحة الجمود التي تسود حياتنا الاجتماعية والعقلية عامة. إن رصد تطور المعالجة الفنية تاريخياً، يتطلب كشف تعرجات مسارات الظاهرة وانعطافاتها وتداخلها. فمجرى التطور الاجتماعي والنفسي وانعكاساته الفنية أكثر تعقيدا مما يظنه كثيرون، وأكثر خفاء والتباسا ¶

 

 

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق