اللغة والدم في غزة

نائب وزير الدفاع الاسرائيلي مائير فلناي اطلق كلمة “محرقة” على ما جرى في غزة، مستخدما الكلمة العبرية “شوا”، وهي الكلمة التي يصر الاسرائيليون على اطلاقها على الهولوكوست. كلمة “شوا”، تأتي من الحرق، كما في اللغة العربية، لكن القاموس الاسرائيلي يرفض استخدام كلمة اخرى من اجل وصف المحرقة النازية، لأن “الشوا” حدث فريد في التاريخ.

وعندما شكّك الرئيس الايراني احمدي نجاد في المحرقة، قامت الدنيا ولم تقعد، وجرى استغلال حمق الخطاب النجادي من اجل توكيد فرادة المحرقة، والهجوم على المشككين في حدوثها.

غير ان زلة لسان نائب وزير الدفاع الاسرائيلي مرّت في الاعلام الاسرائيلي والاميركي بخفر، ولم تتم الاشارة الى دلالاتها العميقة، لأن اسرائيل تستطيع لا ان تفعل ما تشاء فقط، بل ان تقول ما تشاء ايضا.

في الماضي القريب، عندما زار الروائي البرتغالي ساراماغو فلسطين، وشبّه ممارسات الاحتلال الاسرائيلي للضفة وغزة بالممارسات النازية، شنّ الاعلام الاسرائيلي حملة كبرى على صاحب رواية “العماء”، وسخرت الكاتبة والصحافية الاسرائيلية المناهضة للاحتلال اميرة هاس من ساراماغو واجابته بأنها لا ترى معسكرات الابادة في فلسطين.

كانت هاس على حق ربما. فظائع الاحتلال الاسرائيلي تكفي كي تصير مثلا، فلماذا نشبهها بفظائع اخرى؟! نظام الاحتلال الاسرائيلي تفوّق على نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا بأشواط، وخصوصا مع الجدار ونقاط التفتيش والمستوطنات، ولا حاجة بنا الى خوض معارك تثير حساسيات الرأي العام الغربي، عبر قيامنا بتشبيه الممارسات الاسرائيلية بالهولوكوست.

غير ان زلة لسان جنرال اسرائيلي كانت كافية كي تجعلنا نعيد النظر في كل هذا النقاش الذي استهلك كثيرا من الحبر والوقت. فلناي قال ان الفلسطينيين في غزة يجلبون على انفسهم محرقة، مستخدما كلمة “شوا” تحديدا.

لاحظوا معي تركيب الجملة. لم يقل السيد نائب الوزير ان اسرائيل تمارس محرقة على الفلسطينيين، بل حمّل الفلسطينيين مسؤولية محرقتهم، مُجهِّلاً الفاعل، او موحياً أن المسافة بين المفعول به والفاعل تلاشت، بحيث صارت الضحية قاتلة ذاتها!

حاول نائب وزير الدفاع الاسرائيلي ان يخفي الحقيقة خلف السفسطة، لكن جاء من يتبرع قائلا ان كلمة “شوا” العبرية، يمكن استخدامها من جانب الاسرائيليين من اجل الحديث عن شتى انواع الكوارث، لذا فالجنرال الاسرائيلي كان يعني الكارثة ولم يكن يعني المحرقة. اما اذا استخدمها غير الاسرائيليين فالويل لهم.

بالطبع، فإن ما يجري في غزة يختلف عما جرى في معسكرات الابادة النازية، لكنه يشترك معها في مسألتين:

1- العنصرية ضد الآخر الفلسطيني، الذي لا ترى فيه المؤسسة الصهيونية انسانا يجب ان تُحترَم حياته.

2- تحويل غزة ومناطق الضفة الى معسكرات اعتقال مقفلة بالأسلاك الشائكة والجدران.

في هذا المناخ الوحشي جرت عملية “الشتاء الساخن”، وهو الاسم الذي اطلقه الاسرائيليون على عمليتهم الاجرامية في غزة. الجنرال باراك يلمّع اوسمته بدم اطفال غزة، لكنه لم ينس ان يطلق اسما على العملية، كي لا يسقط في الهاوية التي سقط فيها الثنائي التعس بيريتس وحالوتس خلال حرب تموز 2006، التي نسي الاسرائيليون ان يطلقوا عليها اسما، فانتهت بالخزي الذي تستحقه.

يقول الاسرائيليون انهم لا يتحملون وجود الصواريخ، ولذا فهم مضطرون للذهاب الى اجتياحاتهم الدموية. يتناسون الاحتلال وينسون انهم وضعوا الشعب الفلسطيني كله في سجن كبير. يختبئون خلف ترسانتهم النووية ويقولون انهم خائفون!

لقد ذهب الدلع بالدولة العبرية الى الاعتقاد بأنه يحق لها ان تفعل ما تشاء. تبقي الاحتلال وتقتل ياسر عرفات بسمّ الحصار وتعتقل ألوف الفلسطينيين وتستبيح سموات المنطقة. يحق لها ان تشارك القوى الدينية المتطرفة في حكوماتها، بينما لا يحق للآخر المحتل ان يتطرف، كما يحق لها ان ترفض اطلاق سراح اي فلسطيني تلوثت يداه بالدم الاسرائيلي بينما جنرالاتها ووزراؤها يفتخرون بالدم الفلسطيني والعربي على ايديهم. كأن دمنا ليس دما.

هراء دموي يقود المنطقة الى الخراب. هذه هي سياسة اسرائيل، وهذا هو حصاد عملياتها الدموية في غزة والضفة ولبنان وكل مكان.

سياسة الاحمق الذي سقط ضحية شعوره بالقوة المفرطة، وضحية اللحظة السوداء في تاريخ العالم التي مثّلتها ادارة جورج بوش للعالم. فاعتقد الاسرائيليون ان الزمن لا ينقلب الا بالعرب والفلسطينيين ورفضوا ان يتعلموا شيئا من دروس فلسطين ولبنان.

الاسرائيليون ذاهبون الى الهاوية، وهم الذين فتحوا ابواب هذه الجحيم التي تبدو بلا نهاية. اعتقدوا انهم يستطيعون دفع ضحيتهم الفلسطينية الى الخراب، متناسين انهم سيذهبون معها الى الخراب نفسه.

لكن في مواجهة بحر الدم الذي يلوح في الأفق، وفي مواجهة حروب متناسلة لن تنتهي، على الفلسطينيين ان يتعلموا درسا واحدا يحفظ لهم الحد الأدنى من الوجود في مواجهة مشروع ابادتهم السياسي: انه درس الوحدة الوطنية. فلم يعد مسموحا هذا التردد امام ضرورة صوغ رؤية وطنية موحدة، تواجه حال التفسخ والتشتت، التي تغري الاسرائيليين بالاستمرار في احتفالاتهم الوحشية الدموية. على “حماس” ان تعي ان استمرار سياسة التفرد والتسلط في غزة لن يكون حصادها سوى مزيد من الخراب، وعلى السلطة الفلسطينية ان تتوقف عن هذه الميوعة السياسية والاخلاقية، وان تعلم ان السلام لا يصنعه الا من يقاوم الاحتلال.

هذا الدرس الفلسطيني ينسحب على لبنان ايضا وايضا. كفى تلهٍّ بقشور السلطة وتلاعب بالمسألة الطائفية المذهبية. فالمطلوب انتخاب رئيس، ووحدة وطنية قادرة على منع شبح الاساطيل التي تلوح في الأفق من ان تعيد لبنان “ساحة” للموت، وعلى منع تلاعب الديكتاتور السوري بلنان.

لم يرتكب نائب وزير الدفاع الاسرائيلي خطأ مطبعيا او زلة لسان، قال نصف الحقيقة، اما نصفها الآخر فيمكن قراءته في كتب التاريخ التي كتبت مصير صانع المحرقة النازي بحبر العار.

نشر في ملحق النهار في 9/3/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق