اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منا – إيمان علي البداح

لطالما كنا كشعب عنصريين لأقصى درجات العنصرية. ولم نسم «يهود الخليج» جزافا، فقد عرفنا عربيا وخليجيا بأنانيتنا وتعالينا على بقية الشعوب لا بانجازاتنا وثقافتنا، بل بما أنعم الله علينا من نفط. وكأن هذا النفط قد جاء كمكافأة كوننا شعب الله المختار أو كأننا بذلنا مجهودا ما للحصول عليه والتمتع بنعمه. وحتى عندما كان لنا مساهمات في دعم مشاريع تربوية أو إنسانية أو حتى اقتصادية لم تكن بمعظمها من باب المشاركة الإنسانية وإنما كانت «تكرما» أو «عن الحسد» أو «دفعة بلاء» نعود في الأزمات و«نعاير» الآخرين بها. ولا أود أن أقع في مطب التعميم ولكني أتحدث هنا عن الغالب وليس الكل وبالتحديد عن الموقف الرسمي مدعوما «بالشارع».

وجاء الغزو الصدامي ليعطينا مخرجا «شرعيا» لكل مشاعر الفوقية والأنانية والعنصرية. فقد أصبح لدينا عذر مقبول لنكره ونعادي ونحجب نعمنا عن إخواننا في العروبة والدين والتاريخ. فحاربنا «دول الضد» وكفرنا بالقومية وفقدنا كل أشكال التعاطف أو الارتباط الإنساني بكل ما هو عربي.

المقيت أن تتجسد هذه الحالة بمشاعر اللامبالاة والشماتة بفلسطينيي غزة وكأنما في معاناتهم انتقام لموقف بعضهم أثناء الغزو. ويحاول البعض تغليف هذه المشاعر بالعديد من الحجج منها مناهضة «حماس» أو رفض التورط في «قضايا داخلية». ولكن العامة لا تتكلف عناء تغليف هذه المشاعر بل تعبر عنها بكل صراحة وافتخار وكأنها دليل على الوطنية وحب الكويت.

ولن ادخل في التفاصيل السياسية أو المنطق وراء الحجج أو المبررات والمنطلقات لتلك المشاعر. ولكن يهمني مؤشراتها. عندما يشعر إنسان ما (أي إنسان بغض النظر عن دينه أو عرقه أو فكره) بعدم الاكتراث لموت طفل فهذا مؤشر لاضطراب نفسي واضح. وعندما يشعر بالسعادة والتشفي لوفاة أي طفل (بغض النظر عن دينه أو عرقه أو فكره) فهذا دليل مرض نفسي مستعص. فمن أهم غرائز الإنسان هي التعاطف، وهي من الغرائز التي يحظى بها الإنسان الطبيعي منذ ولادته. فقط هم المجرمون والمرضى النفسيون لا يمكنهم التعاطف مع ألم أو حزن إنسان آخر.

وكيف لشخص يكره بهذه الدرجة أن يحب؟ لا يمكن لمن يفتقد الشفقة والتعاطف أن يحب حبا حقيقيا. ولا يمكن أن يكون في القلب الممتلئ بالحقد والرغبة في الانتقام مجال للعشق والجمال. لذا، فإن ادعاء الكره بسبب حب الوطن ادعاء باطل لا أساس له من الصحة. فمن يحب وطنه يسعى للسلام والأمن والاستقرار. وهذا لن يحدث إن ساد شرع الغاب وأنانية الحيوان.

والحمد لله على القلة القليلة التي ملأ الله قلبها بالحب وعقلها بالحكمة لترى أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن الناس جميعهم يولدون «أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء»… وأن «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه» * دون أن تخص تلك الحقوق الكويتيين دون غيرهم.

الأهم أنهم واعون أن الأوطان تبنى بالحب والتسامح والإنسانية… فعمر العنصرية قصير جدا كما علمنا التاريخ.

* المادة الأولى والثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

{جريدة الجريدة، 1/1/2009}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق