الله في الفلسفة الغربية التقليدية

 تهتم الفلسفة الحديثة بداية بإثبات وجود الله .ويستتبع النقد الفكري والديني لأدلة وجوده إعادة صياغة للمسالة ولدور العقل .  

   تُبنى مسألة الله، في الفلسفة الغربية, على اللقاء ما بين تيارين: تيار اللاهوت المسيحي الذي ينطلق من الله إلى العقل، وتيار الميتافيزيق الذي ينطلق من العقل إلى الله – لكن هل ينتهي المرء في كلا  التيارين إلى ذات   "الإله " ؟ إذا كانت علاقة الفلاسفة بالله تقودنا إلى التأكيد أكثر على ثاني التيارين,فإن الفهم السليم للميتافيزيق الغربي يفترض أن نأخذ بالاعتبار أصوله اللاهوتية.

 الجذور اللاهوتية للميتافيزيق:

   الإيمان بحثاً عن تفسيره العقلي ." هكذا كانت "كلمة سر" اللاهوت المدرسي, التي صاغها القديس آنسيلم(4/1109,1033) .إذا كان الله أبعد من إدراك العقل ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر الإيمان، فإن العقل البشري ذاته هبة من الله,إحدى هباته الأثمن. لقد تصدت السلطات الكنسية على الدوام للمواقف الإيمانية (الإيمان لأنه مناف للعقل، رفض كل تنظيرthéorisation للإيمان ), التصوفية أو غير العقلانية. وهكذا فقد تأسس اللاهوت القروسطي على الاعتقاد المزدوج بأن الله لا يمكن تماما الإحاطة به بالعقل البشري (وهذا قد يعني إنكار تعاليه) وأن العقل ليس محكوما بعجز جذري حيال موضوعه (وهذا قد يعني إحداث انشقاق مدمر بين العقل والله ).يتعلق الأمر هنا بالتأكيد "باللاهوت " لأنه توجد أشكال أخرى للخطاب الديني (العظة، الصلاة ، الحكم القطعي، تلاوة الكتاب، الأسرار ) الذي يتفاوت فيه المكان الذي يحتله عنصر " العقل " تفاوتا شديدا .يقترح سان توما الأكويني (1225-1274) بعض الأدلة لصالح إثبات وجود الله، دون الإدعاء مع ذلك بأنه يقدم برهانا على هذا الوجود غير قابل للدحض كما لو كان برهانا رياضيا – الأمر الذي سيبدو بنظره مستحيلا منطقيا وغير جدير بالاحترام دينيا. لكنه يبين أنه توجد "طرق"( كلمة أكثر تواضعا من كلمة "إثباتات ") تتيح استنتاج وجود الله عقليا. إذ يمكن، على سبيل المثال,الانطلاق من العالم إلى علته، أي من المخلوق إلى الخالق .فإذا كان كل شيء في العالم حادثا عن علة أسبق منه,فينبغي بالتأكيد أن يكون العالم ذاته حادثا عن علة خارج العالم,عن الله إذن.لأن علة داخلية في العالم لن تستطيع إحداث العالم . إذا لم يستطع العقل البشري توضيح الأسرار(الثالوث المقدس، والتجسد ), فإنه يستطيع إثبات وجود الله, بوصفه"وجود كلي – القدرة, واجب الوجود,وعلة العالم. ولابد لهذه الحجة، كما يعتقد سان توما, أن تستطيع إقناع غير المؤمنين, إذا ما كانوا عقلانيين .

   أما سان آنسيلم، من جهته, فقد ابتدع برهانا عبقريا جدا وتأمليا بالكامل – ولا يقوم لا على وجود  العالم ولا على التجربة عموما .يقول سان آنسيلم، نحن نحمل في عقلنا فكرة عن وجود لا يمكن تخيل ما هو أكبر منه,فكرة عن "الوجود الأعظم" إذا جاز القول. والحال أنه وجود يكون أعظم إذا كان يوجد ليس فقط في التفكير,بصفة فكرة، لكن أيضا في الواقع, بوصفه موضوع حقيقي. إذن فإن الوجود "الذي لا شيء أكبر منه يمكن تخيله "يجب أن يوجد بالفعل، وإلا فإن المرء قد يتخيل وجوداا آخر أعظم أيضا (الوجود ذاته,لكنه موجود بالفعل ). يتمتع هذا البرهان بقوة كبيرة,على الرغم من أنه يثير عددا من القضايا المنطقية.لكن المهم هو أنه ابتدع ليس من قبل فيلسوف، وإنما من قبل شخص لاهوتي . 
 
   الميتافيزيق الحديث وإثباتات وجود الله:

   حينما بدأ الميتافيزيق الحديث ، مع ديكارت (1596-1650 ),فإنه كان يمتلك إذن "مخزونا" هاما من المفاهيم والحجج الموروثة عن التراث اللاهوتي في العصر الوسيط. فإذا  كان ديكارت ادعى أنه لا يدين لهذا التراث بأي شيء,فإن لايبنتز(1646-1716)، لم يتردد في إعلان ذلك.

   من المثير أن الفلسفة الغربية,حينما تتحدث عن الله, تنشغل على الأخص بإثبات الوجود والخواص الجوهرية( اللامادية، الوحدانية، الضرورة، القدرة-الكلية,العدل، الطيبة ) .ويستخلص ديكارت، من تأمل هذه "الصفات "، الحجة الأشهر والأكثر إثارة للنقاش :الإثبات الأونطولوجي لوجود الله .إن الله يؤخذ على أنه الوجود المتمتع بكل الفضائل، الوجود الأكثر اكتمالا. والحال فإن الوجود يعتبر فضيلة (الوجود أفضل من عدم الوجود ),إذن فإن الله يوجد. إن الوجود متضمن بالضرورة في جوهر أو فكرة الله. هذه الفكرة ليس فيها ما هو اعتباطي أو تخيلي,وهي توجد في إدراك كل البشر .

   وسوف يطور لايبنتز البرهان بإظهار أن مفهوم الله ليس متناقضا و بأن الفضائل كلها متوافقة فيما بينها :"الله يوجد بالضرورة إذا كان ممكنا",والحال أنه ممكن، فهو يوجد إذن. نلاحظ أن الميتافيزيق (ديكارت ولايبنتز ) يذهب بصورة واضحة إلى أبعد من اللاهوت . فهناك حيث كان سان توما يتحدث بتواضع عن "طرق" فإن ديكارت يتحدث عن برهنة، بل إنه يفكر بأن "الله يوجد "هو طرح  أكثر إثباتا من "2+2=4 " .إن التأكيد الميتافيزيقي بوجود الله هو في الوقت ذاته أكثر سموا في الكرامة من التأكيد الرياضي وأسبق منه بحسب ترتيب الأسباب.

   سوف يخترع الميتافيزيق الغربي كثيرا من الأدلة الأخرى على وجود الله. وقد قدم لها كانط (1724-1804 ) تصنيفا مفيدا في نقده للعقل الخالص (1781). ونوه بالدليل الأونطولوجي، الذي عرفناه من قبل، والدليل الكوني( الذي يثبت وجود الله، الوجود الضروري,انطلاقا من وجود العالم، الوجود الحادث) والدليل الفيزيائي – اللاهوتي (الذي يثبت وجود الله انطلاقا من جمال وتعقيد العالم ).إن وجود الله يمكن إذن، كما يبدو,مبرهنا موضوعيا,بمعزل عن الإيمان الشخصي للفيلسوف الذي يبني البرهان.

   النقد المضاعف للإثباتات الميتافيزيقية: 

   كانت هذه الأدلة المختلفة هدفا لانتقادات فكرية ودينية. فكريا,يبين النقد أن هذه "الأدلة " المزعومة لا تثبت شيئا .فقد اعتبر كانط أن كل  هذه "الأدلة" غير مقنعة. فالوجود ليس خاصية لا يمكن للمرء إثباتها، الوجود يُعايَن  في التجربة لكنه لا يُستنتج  – وهكذا يُسقط الدليل الأونطولوجي . مبدأ السببية يُعتبر موافقا لمعرفة العلاقات القائمة بين الأشياء في العالم، لكن ليس لفهم سبب علة للعالم المأخوذ باعتباره  كلاً –وهكذا يُسقط الدليل الكوني . جمال وكمال العالم محدودان، ولا يتيحان إثبات وجود صانع ما محبي بكمال مطلق – وهكذا دُمر الدليل الفيزيائي – اللاهوتي .

   ومع ذلك، فإن  ميتافيزيقي مثل هيجل(1770-1831 ) ظن أن باستطاعته تقويم أدلة وجود الله، على الرغم من النقد الكانطي .  النقاش لم يُغلق إذن، وهو يتعلق  على الأخص بالمعنى الذي يعطيه المرء لكلمة "الله " .فقد أعطى هيجل وكذلك سبينوزا(1632-1677 ) لهذه الكلمة معنى يتوافق بصعوبة مع المعنى المُعطى عادة لهذه الكلمة . مما يؤدي إلى ظهور بعض التوتر بين إله الفلاسفة وبين إله المؤمنين .

   من وجهة نظر الذهن الديني، لا تستطيع الأدلة الميتافيزيقية، سواء كانت صالحة أم طالحة، أن تقود إلى إله الإيمان ، إلى "الله الحقيقي".وقد قارن باسكال (1623-1662) " إله إبراهيم واسحق ويعقوب " (إله الوحي )ب"إله الفلاسفة والعلماء "(إله الأدلة الميتافيزيقية ).فحتى حين يمكن أن تصبح الأدلة الميتافيزيقية قاطعة ( وهو ما يشك به باسكال ), فإنها لن تفيدنا بشيء من أجل خلاصنا .فالله المدرك من قبل الميتافيزيقيين لا يعدو كونه صنما، أما الله الحقيقي فهو الله الحب . ليس بالعقل يستطيع الإنسان الاهتداء إلى الله، وإنما ب" القلب "، والإحساس، والإيمان .الأدلة الميتافيزيقية  تظل عاجزة، وهي في الواقع تمثل عقبة في وجه اقتراب حقيقي من الله : فإله الميتافيزيق ليس إلهاً يضرع له الناس ويمكن للمرء أن يرتجيه ، إنه إله موضوع  objet  وليس إلها تواصليا  relationnel .

   هذان  النقدان، الفكري والديني، المختلفان  من حيث استلهامهما وفي تفاصيل برهنتهما، يفترقان مع ذلك حو نقطة شديدة الدلالة : الله لا يمكن إثباته بالعقل، سواء لأن العقل لا يمتلك الأدوات لمثل هذا الإثبات، وهذه هي القراءة الفكرية، وإما لأن الله هو بالمبدأ فوق أية مكانية للسيطرة عليه، وهذه هي القراءة الدينية، لأن توخي برهنة الله ألا تعني توخي السيطرة عليه ؟ وهكذا فإن نقد المشروع الميتافيزيقي للبرهنة على وجود الله يصيب الميتافيزيق في القلب منه (وليس فقط في واحد من مشاريعه الخاصة ). وفي الواقع فإن في مشروع "برهنة الله " هذا إنما تتجلى بأشد الوضوح إرادة السيطرة التي تحرك المفهوم الميتافيزيقي للعقل . يتعلق الأمر إذن بمسألة استراتيجية أساسية بالنسبة للنقاش بين ما هو ميتافيزيقي وما هو ليس بكذلك في الفلسفة الغربية .

   مقاربات  فلسفية أخرى لوجود الله:

   بيد أن الفلسفة ليست الميتافيزيق فقط، ومباشرة خطاب عقلي حول وجود الله لا يعني بالضرورة  السعي لبرهنة هذا الوجود . وقد سلك كثير من الفلاسفة، على الأخص منذ القرن الثامن عشر,بعض المسارات المبتكرة .واثنتان من أقوى هذه المحاولات هما محاولتا كانط وبيرغسون (1859-1941 ) . لم يظهر النهج الكانطي  والمذهب البيرغسوني، في صياغتهما الأولى أنهما لابد أن يقودا إلى الله، وقد أصيب الكثيرون من المعجبين بهذين الفيلسوفين بالدهشة أمام الانعطافة "اللاهوتية " لخطابهما .ومن المؤكد أن الخيارات الدينية الشخصية للفيلسوفين قد لعبت دورا هاما في ذلك .  إن كانط في تفكيره الأخلاقي سيجد نفسه منقادا إلى طرح مسألة وجود الله . يرى كانط  أن القانون الأخلاقي مستقل تماما عن الدين أو عن الخصوصيات الاجتماعية – الثقافية .والقانون الأخلاقي يأمر به العقل، تحت شكل متطلب العمومية universalité (الذي يقتضي الاعتراف بالكرامة المتساوية للكائنات البشرية  ):يكون مبدأ تصرفي أخلاقيا إذا أردت أن يؤخذ أيضا مبدأ للتصرف من قبل أي شخص آخر .الكذب  فعل غير أخلاقي، فعندما أكذب ، لا أستطيع بطبيعة الحال قبول أن يدعي الجميع هذا الحق ذاته ! اللاأخلاقية، هي الاستتئثار,هي حق أمنحه لنفسي رافضا منحه للآخرين .بيد أن الحياة وفقا للقانون الأخلاقي المعرف على هذا النحو لا تكون  بالضرورة حياة سعيدة: إذتقدم التجربة بالعكس من ذلك  مخادعين سعداء وناس طيبين أساء القدر معاملتهم .والحال، فإن اتحاد السعادة والفضيلة هو حاجة للضمير الأخلاقي :إذا كانت الفضيلة لا تكفي لجعلنا سعداء فإنها تجعلنا  أهل للسعادة .ههنا يتجه كانط، بطريقة جريئة جدا"لطرح مسلمة "( postuler) "وهذه كلمته " وجود الله .بما أن مسير العالم وتصرف الناس لا يكفيان لضمان  تطابق السعادة والفضيلة,فإنه ينبغي الإيمان (إيمان عقلاني ) بأن ثمة إله عادل وقوي سيتكفل بذلك .إن الله يتطابق على هذا النحو,عند كانط، مع التماس الأخلاقي، وليس مع إرادة ميتافيزيقية . " التسليم " أو "الإيمان " لا يعني إطلاقا  علم أو عرف . لا يفترض بأحد أن يؤمن بوجود الله لكن الوجود الأخلاقي، كما يعتقد كانط، يكون أكثر تماسكا إذا ما قبل المرء هذا الأيمان العقلاني .في حين ينطلق كانط من الأخلاق فإن بيرغسون ينطلق من البيولوجيا ومن "الاندفاع الحيوي ". الحياة خلق، لكن لا يوجد خلق من العدم .كل خلق هو نمو، تطور, وتجربة حريتنا هي التجربة الأشد إفصاحا في هذا المجال .الحياة هي اندفاع حيوي، تيار حياة أُطلق عبر المادة يسعى  دون انفكاك لزيادة مناطق عدم التحديد  والحرية . الحياة وعي  أو "ما فوق – وعي " كما يقول ذلك بيرغسون في التطور الخلاق Evolution créatrice، والله يمثل المركز في هذه " الموجة الواسعة " التي هي الحياة والتي تجر كل الأحياء، كما إلى داخل دائرة . وقد بحث بيرغسون في التجربة الصوفية للقديسة تيريزا داڤيلا، الصوفية ذاتها المتشبثة بعمق في حركة الحياة (دون أية اختزالية بيولوجية ) عن إشارات أخرى حو وجود وطبيعة الله .وما تعلمنا  الصوفية هو أن الله حب,وحياة، وحرية .الله ليس شيئا جاهزا سلفا .وسيصل الأمر ببيرغسون حد القول في مصدري الأخلاق والدين أن الله بحاجة للناس، أن الله بحاجة للناس . كم نحن بعيدون عن إله الميتافيزيقيين ! ومن أجل الوصول إلى هذه المواقف، لم يتدرج بيرغسون عبر الاستنتاج أو المحاكمة العقلية المجردة، وإنما عبر "تقاطع مجريات الواقع  ".ما من حدث في الطبيعة أو في التاريخ يمكن أن يكفي لإثبات  وجود الله، لكن توجد وقائع عديدة والتي "تتقاطع  "في اتجاه ما، هو اتجاه وجود إله معَرف على أن حب  وحرية وقوة مبدعة . ليس من الضروري الإيمان بهذا الله، ومع ذلك فهو, بالنسبة لبيرغسون، الاسم النهائي للقوة المبدعة التي تعبر كل الأشياء من نبات وحيوان وبشر .إن التباينات بين كانط  وبيرغسون كبيرة ولا يمكن تجاوزها .ومع ذلك فكلاهما يتشاطران  ريبة كبيرة أمام الإدعاء ضعيف الأساس للمناهج الميتافيزيقية وأمام التعصب المقلق للدوغمائية الدينية .إن "الله " لن يتقلص لا إلى نسخته الميتافيزيقية ولا إلى نسخته الدينية الدوغمائية.

   الله فوق الأدلة:

   يقترح كانط وبيرغسون تجاوزا جديرا بالملاحظة لمسألة وجود الله في شكلها المطروح تقليديا . فقد تحدث هذان الفيلسوفان عن وجود الله، لكن هذه المسالة لم تستقطب خطابهما .إن الله بوصفه "موجودا" أقل أهمية منه بوصفه معنى أو قيمة . والقضية لم تعد معرفة إن كان يوجد وجود ما (أو كائن ما) إضافي في العالم أو في ما بعد العالم، بقدر ما هي أن نأخذ بعين الإعتبار ما يعنيه  الرجوع إلى الله .

   إن الله هو أقل بصفته واقع، سينبغي اثباته، مما هو قيمة، بالرجوع إليها نستطيع أن نتحرك .ليست  المسألة هنا مطلقا مسألة أخلاق دينية (كانط يرفضها  صراحة، بيرغسون يوطد الأخلاق في مرتبة أعلى  من أي مبدأ كنسي ).إن الله لا ينبغي على وجه الخصوص أن يُشييء .فهو انموذج الإرادة السليمة (المطابقة تلقائيا للقانون الأخلاقي,أو المبدأ الأقصى للحياة وللحرية .إنه يعني أن ما هو أخص  ما يخص الانسان ليس "تحت تصرف الانسان ",وليس شيئا بمقدور الانسان أن يقلبّه على هواه ز وبكلمة واحدة,الانسان لا يحمل بذاته مسوغه الخاص .

   إن عمل الفلاسفة المتعلق بمسألة الله يوضح  تعقيد  معاني "العقل" . وكثيرا ما يجري معارضة الإيمان بالعقل، كما لو أن الأمر كان يتعلق بسلطتين متنافرتين تماما .ويبين مفهوم  "إيمان العقل "الذي بناه كانط ( العقل الأخلاقي  يقود إلى التسليم بوجود الله ) أنه ينبغي التخلص من تناقضات  عنيفة . يقدم العقل  البشري الكثير من الأشكال، وقد اختبر الفلاسفة دون ريب كل جوانب العقل من أجل البحث في مسألة وجود الله .وقد أثرنا بعضا منها، لكن ما يزال هناك  الكثير، مثل، على سبيل المثال ، حساب الفرص  "للرهان "الباسكالي أو فكرة "تأكيد الله " عند فيلسوف كاثوليكي مثل كلود برييار (1932-1986 ) .وسواء كان موجودا أم غير موجود ، فإن الله قد ظل لقرون عديدة، أداة قوية لتشذيب  وتعقيد العقل البشري.

   و أخيرا يظل الله، وتحت مظهر مختلف، مضمونا جوهريا لمختلف الثقافات البشرية .وعلى الفيلسوف أن يتذكر أيضا هذا الواقع، لا ليستمد منه برهانا على وجود أوعدم وجود الله، وإنما فقط لتذكره .وقد كانت هذه  هي مهمة فلسفات الدين، التي دشنها بمعنى ما  فيورباخ (1804-1872 ) في كتابه جوهر المسيحية (1841 ) الذي يعرض فلسفة لكل الأديان، وللظاهرة الدينية بوصفها هذا . ومما لاشك فيه أن الله لم يعد عندئذ يُناقش مباشرة وبذاته، بل يُناقش بطريقة غير مباشرة، بوصفه موضوعا لبعض المعتقدات ولبعض الممارسات الانسانية  . وبالتوازي، يقدم الفكر الانساني المعاصر أمثلة هامة لفلسفات تستلهم الدين (شيستوڤ وليڤيناس ) ، التي ترى أن الله هو في الوقت ذاته " ما يجب التفكير فيه " و"مدبر فكر " قوي إذا جاز لنا قول ذلك .لن نخلط بالتأكيد هذه الفلسفات الدينية ( التي تستند إلى الفرض المسبق لحقيقة الإيمان)مع فلسفات الدين ( التي لا تقبل هذا الفرض ).لكن هذه الفلسفات أم تلك تظل بالأحرى محاولات تسعى لتعليمنا ما يعنيه "الله" .

    في عصر يتم فيه  دون  تحفظ استعمال الأسماء العظمى ل"لله",و"الدين " أو" الإيمان " لا يكون دون فائدة مواجهة العمل الصبور,والدقيق، والمبرهن بقوة لكبار الفلاسفة التقليديين والمعاصرين .

برنار سيڤ: مدرس علم الجمال و فلسفة الفن في جامعة ليل الثالثة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق