“الله من وراء القصد”

ثمة ذهنيتان نستطيع أن نشبّههما بالماء في طريقة سيره، فهما لا ترتفعان إلى الأعلى بل تميلان بطبعهما وتنسكبان نحو الأسفل بفعل جاذبية السهل والهيّن وإن ادّعتا أنّهما تطالان السحاب وتناطحان الصخر الأصمّ وتحلّلان ما يجري من تفاعلات كيمياوية بداخله بتقنية "الفمتو ثانية" التي اكتشفها العالم المصري أحمد زويل، وتفسّران الأحداث بعلمية وحيادية.

 

الذهنيتان هما : الذهنية القدرية التي تلغي دور الإنسان ككائن حرّ ومسؤول عن حريته وبالتالي يتحمّل ما يختاره، وتحيل الأمر في كلّ شيء إلى قوى غيبية تتدخّل في كلّ شاردة وواردة ولها رأي في أدقّ تفاصيل الحياة البشرية، وذهنية أخرى تشكو من مركّب نقص ينظر إلى كلّ أمر بمنظار منْ هو الأذكى والأقوى؟ ويفسّر من خلال هذا المنظار كل ما يدور من أحداث. الذهنيتان تتبعان طريقين لا ثالث لهما. إمّا أن تكون هناك خطة إلهية للثواب والعقاب العاجل في هذه الدنيا، على طريقة الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عندما تحدّث عن سبب انحباس المطر عن الشام، وهو بنظره، كان طرد مدرّسات منقّبات من مدارس كن يدرّسن فيها الدين للطلبة في حصّة المواد الأخرى؛ فتجد دروسا للجغرافيا والتاريخ واللغة والفيزياء والرياضيات، تتحوّل لحديث دينيّ من قبل أولئك المدرّسات، ممّا تسبّب بمنعهنّ من التدريس وتحويلهنّ إلى وظائف أخرى في وزارت أخرى غير وزارة التربية. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الخطة الإلهية تغيّرت لأسباب مجهولة ووقفت إلى جانب قرار وزير التربية، ونزلت الأمطار والثلوج بمناسيب عالية بعد حديث الشيخ الدكتور!!!

 

أمّا الطريق الثاني، وهو تحليل كلّ ما يجري من أحداث عبر نظرية المؤامرة ذائعة الصيت وخصوصا لدى الحرس القديم للأحزاب الايديولوجية التي يعاني مثقّفوها كما تعاني أطروحاتها من عقدة "الوحش" المتربّص عند الأبواب، مع تجاهل تامّ لأمرين، أوّلهما الإيمان بإرادة الشعوب، والثاني التنكّر لمقولة "تطوّر وسائل الإنتاج يؤدّي لخلق علاقات إنتاج جديدة"، وبالتالي فإنّ تطوّر وسائل الاتصال كان أحد أسباب ثورة الشباب. هذه المقولة التي ظلت متداولة لعقود من النضال من أجل حياة كريمة!  وأُغفلت الآن لصالح نظرية المؤامرة أو Conspiracy Theory  التي هي محاولة لشرح السبب النهائي لحدث أو سلسلة من الأحداث التاريخية السياسية والاجتماعية على أنّها أسرار، وغالباً ما يحال الأمر إلى عصبة متآمرة بشكل منظّم هي من يقف وراء الأحداث. الكثير من معتنقي نظرية المؤامرة يدّعون أن الأحداث الكبرى في التاريخ قد هيمن عليها المتآمرون وأداروها من وراء الكواليس.

وقد ورد هذا المصطلح أوّل مرّة في مقالة اقتصادية عام 1920م ثم جرى تداوله، بعد ذلك أضيف هذا المصطلح إلى قاموس أكسفورد عام 1997م. ومن أشهر المدافعين عن نظرية المؤامرة في العالم الغربي الكاتب الكندي وليم غاي كار وهو صاحب كتاب "أحجار على رقعة الشطرنج" الذي لقي قبولاً كبيراً في العالم العربي. والكاتب نفسه هو صاحب القول بأن مؤتمر باندونغ الذي عقد في عام 1955م وتأسّست فيه حركة عدم الانحياز، لم يكن في الحقيقة إلا تمهيداً للقضاء على الجنس الأبيض وذلك عن طريق سنّ قوانين عالمية تفرض الزواج المختلط فرضاً، وتمنع البيض من التزاوج فيما بينهم.

 

الذهنيتان اللتان نتحدّث عنهما تصلان إلى نفس النتيجة، في تحليلهما لما يجري من أحداث، بدأت تغيّر وجه المنطقة العربية والإسلامية، النتيجة هي الإيمان الكامل بعجز شعوب هذه المنطقة من العالم عن التغيير، واستحالة انضمامها لركب التقدم الإنساني ودولة القانون والديمقراطية والحريات العامة. في الأولى يخرج علينا السلفيون بمقولات من كتاب علامات الساعة ودنوّ يوم الحساب فيروون أحاديث يكرّرها خطباء الجمعة وتكرّسها المواقع الإسلامية هذه الأيام، وتضعها جنباً إلى جنب مع فتاوى مشايخ السعودية بتحريم الاحتجاجات والمسيرات الشعبية التي "تخدم أعداء الأمّة". بعدما شهدت المنطقة العربية ما بات يسمّى ثورات الشباب، فمن الحديث الذي يقول "من علامات الساعة وثوب الناس على ملوكهم" إلى الحديث القدسي : "أنا الله لا إله إلا أنا، مالك الملوك، قلوب الملوك في يدي، وإنّ العباد إذا أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإذا العباد عصوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة ولكن أشغلوا نفوسكم بالذكر والتضرّع أكفِكم ملوككم". إلى الحديث الذي ينقله صحيح مسلم ونصه: (تَسَمعْ وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع).  ثم يأتي دور المشايخ والفتاوى التي تحرّم المظاهرات والمسيرات الشعبية. على رأس هذه الفتاوى ما قاله الشيخ الراحل عبد العزيز بن باز مفتي السعودية بأن المظاهرات ليست السبيل الأسلم للصلاح فالنبيّ "على حدّ تعبير الفتوى" مكث في مكة ثلاث عشرة سنة لم يستعمل المظاهرات ولا المسيرات. (مجلة البحوث الإسلامية العدد 38 ص21).

أما رئيس المجلس الأعلى للقضاء في السعودية الشيخ صالح اللحيدان فقد وصف المظاهرات بـ "الفساد في الأرض" وإن كانت لنصرة غزة، مبرّراً رؤيته بأنّ المظاهرات "تصدّ عن ذكر الله" حتى وإن لم يحصل فيها تخريب. ووصف تعبير الجماهير عن مواقفها عبر التظاهر بأنه "استنكار غوغائيّ". ويصف شيخ آخر المتظاهرين إنهم "(خليط مليط) رجالاً ونساءً يتزاحمون الكتف بالكتف وربما العجيزة بالقبل، ونحو ذلك، هذا هو تمام التشبّه بالكفار، أن تخرج الفتيات مع الفتيان يتظاهرون، هذا خروج عن طريق المسلمين وتشبه بالكافرين". وهكذا نجد أصحاب الذهنية الأولى وقد تمترسوا خلف جدار عال من التبريرات التي تحيل الحياة إلى سكون المقابر بحثا عن حياة أخرى تنبعث من رميمها. أي إن ما يجري الآن محض أمر قدّره الله تقديرا، وجعله من أشراط الساعة، لا إرادة الشعوب بالتغيير.

أما أصحاب الذهنية الثانية فنجد التشكيك بكلّ ما قام به شباب الثورة ليتحوّل الفيسبوك بنظر هؤلاء المشكّكين إلى موقع امبرياليّ غير جدير بالثقة بل يدعو للريبة. ويمطرك الرفاق بالأسئلة عنه. فمن وراءه؟! ومن هي القوى التي تحركه؟! ولماذا استهدف المنطقة العربية بالتحديد؟! ومن وراء علاء غنيم؟ وكيف انتشر العلم الليبي الجديد بهذه السرعة؟! أسئلة أصحاب نظرية المؤامرة، من هذا القبيل، تؤكد وحدة المسار والمصير بل والتماهي مع سالفي الذكر من أصحاب الذهنية الأولى. فكل ما يجري هو إمّا مؤامرة أو خطة إلهية يكون ختامها "الله من وراء القصد". 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق