الليبرالية مرّة أخرى…

يكتسي النقاش حول الليبرالية أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعصف بمنطقة المشرق العربي بشكل عام، حيث الاحتقان والانقسام المذهبي والطائفي بلغ مرحلة غير مسبوقة، وينذر بما هو أسوأ، وكأن المخططات والمشاريع الهادفة إلى إعادة تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي قد بدأت تأكل أكلها.

وما يزال يجري بين المفكرين والمثقفين والناشطين السياسيين العرب، في أيامنا هذه، وخاصةً في سوريا، نقاش واسع حول الديموقراطية والليبرالية وعلاقة الليبرالية مع نظام الحكم والدولة والتعددية وسواها.

ويرجع محرك النقاش إلى عدة عوامل، أهمها: التحولات والمتغيرات الفكرية والسياسية التي حدثت في العالم منذ العقدين الأخيرين للقرن العشرين المنصرم إلى يومنا هذا. وحالات التردي والانهيار التي تعصف بالبلدان العربية، بسبب تدخلات القوى الخارجية وفشل الأنظمة العربية السياسية القائمة في تحقيق التنمية المرجوّة، وفي تحسين شروط معيشة مواطنيها، وعجزها عن فهم ومواكبة المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة. البحث عن سبل للخلاص من الأوضاع الراهنة عربياً، بالرغم من اتساع حالات اليأس والقنوط والإحساس باللاجدوى.

غير أن الأمر يرتبط بالثقافة السياسية والفكرية التي تصدر عنها جملة المواقف والآراء حول كل من قضايا نظام الحكم والليبرالية والديموقراطية والتنمية وسواها. لكن المفارق في الأمر هو أن من تحولوا – في أيامنا هذه – إلى صفوف الليبرالية الجديدة من بين أوساط المعارضات العربية، إنما تحول جزء كبير منهم إليها كردّ فعل على نظام الفكر الواحد والعقل الواحد والقائد الواحد والحزب الواحد، أي كرد فعل على أنظمة اتسمت بالشمولية والهيمنة على مستوى السلطة السياسية، وكذلك على مستوى الأحزاب السياسية بشكل عام. وهم ينتمون إلى فئات اجتماعية وسياسية متعددة، ويصدرون عن ثقافة سياسية ماركسية وقومية وإسلامية. وليس في ذكر هذا أي حكم تقييمي، بل المهم هو توصيف وتحليل ظاهرة التحول ومكوناتها.

لقد حمل الليبراليون العرب في القرنين الماضيين مشروعاً نهضوياً، لتحديث المجتمع العربي وتجديد ثقافته وفكره، ولم يكن التحرر السياسي سوى أحد هذه أهدافهم التحديثية.

وتعرّف المثقفون العرب على الخطوط العريضة للمنظومة الليبرالية، التي صارت تغذي أذهان بعض الكتاب والصحافيين والسياسيين منذ أوائل القرن التاسع عشر كفرانسيس المراش ورفاعة الطهطاوي، ويعقوب صروف ومحمد عبده، وطه حسين، ..الخ، وحاول هؤلاء أقلمة المفاهيم الليبرالية وأرضنتها في التربة العربية الإسلامية، لكنهم مع الأسف لم يذهبوا بعيداً، بل اكتفوا بالمناداة والمطالبة بحرية الاجتهاد وليس بحرية الفرد الفكرية، ونادوا بالأوربة وأهملوا الأقلمة، وانشدوا إلى قضية الدولة، ولم يجترحوا مفهوماً للذات المستقلة ولقدرات العقل المعيارية، كما لم يفطنوا لحرية العقل بوصفها إحدى مرتكزات الليبرالية الأساسية، فلجأوا عوضاً عنها إلى التوفيق والوسطية ومركباتهما، بل وساهموا في أعادة إنتاج وتثبيت العقل التوفيقي، فغاب الإنسان بوصفه مركزاً للكون، لتحلّ مركزيات الهوية والدين. ولا شك في أن معظم المثقفين الليبراليين اتخذوا منحى أوروبياً في أسلوب تفكيرهم، وفي الموقف من العقل والعلم ومن قضايا الحرية والمساواة، أي أصبحوا ليبراليين دون أن يعرقل إسلامهم أو مسيحيتهم ذلك، ودون أن يعرقل ذلك أيضاً تمسك بعضهم الشديد بأصوله الريفية.

وكان المجال العربي والإسلامي شديد الحساسية والمقاومة حيال الليبرالية، لكن مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ورحيل الاستعمار تشكلت في البلدان العربية نماذج ليبرالية جنينية مشوهة، ناقصة، وافترض البعض أن كلمة ليبرالية تتضمن معنى التحدي للقيم الأكثر تجذراً في المجتمع، لكن الليبرالية العربية لم تطرح قضايا فلسفية وأخلاقية عميقة، بل انحصرت في الجوانب السياسية والثقافية ولم تتجاوزها.

وقد نظر المثقفون الليبراليون إلى الليبرالية نظرة جزئية، فمنهم من اختار معركة العقل تاركاً بقية التطلعات الليبرالية، بل وربما اتخذ موقفاً سلبياً منها، فيما اكتفى بعضهم بالدعوة إلى العلم، والبعض الآخر سار حافي القدمين على شوك معركة الداروينية، أو معركة الشك الديكارتي، أو حق تكوين الأحزاب أو معركة الوحدة الوطنية، أو تحرير المرأة..إلخ، دون أن يدركوا أن الليبرالية هي رؤية متكاملة، ولا تكون إلا كذلك. ولم يدرك الليبراليون أن معركتهم واحدة وأن مصيرهم واحد، فوقعوا في أخطاء عديدة، حين اعتقدوا أن ليبراليتهم مرادف للتغريب، وأن مهمتهم هي إقامة نموذج ليبرالي أوروبي في البلدان العربية الناشئة، الأمر الذي أوقعهم في متناقضات عديدة، وساهم ذلك في توجه البعض الذي أفزعته نزعة “التغريب” نحو “سلفية” أفرزت وبشكل سريع تيارات سلفية وأصولية تدعو إلى أسلمة المجتمع وأسلمة السياسة وأسلمة العلم.

ويمكن القول أن الضعف الذي شاب الليبرالية في بلاد العروبة والإسلام كان ضعفاً بنيوياً، كامناً في ذات البنية المجتمعية والظروف الموضوعية للنشأة الليبرالية، وتوازنات القوى المختلة في وقتها اختلالاً شديداً، حيث كانت المجتمعات العربية بمثابة حلقة ضعيفة، مكتملة ومغلقة، لكنها حلقة مفرغة تدور حول نفسها؛ فتحت ظل الاحتلال الأجنبي لا يمكن التمتع بإرادة مستقلة، ولا يمكن قيام حركات دستورية، وبدون استقلال لا يمكن قيام أي تطور أو أي إصلاح. وعليه فإن الفارق الجوهري ما بين الليبرالية الأوروبية وبين الليبرالية العربية، هو أن الأولى قامت على أكتاف مجتمع اكتملت تشكيلته الاجتماعية والسياسية، فيما كان النمو الليبرالي العربي جزئياً وضعيفاً، كونه حاول النمو في وجه مقاومة من الاحتلال والقوى المتحالفة معه (أنظر: رفعت السعيد، الليبرالية المصرية).

إن الليبرالية هي قدرة على صناعة العقل المتحرر القادر على الإبداع، وقدرة على التعامل الحر والمتجدد مع الواقع المتغير. ومثل هذه القدرة تحظى باهتمام كبير يدفع حتى خصومها للتشدق بها، ومحاولة استخدامها كلفظ دون فعل، وقول دون مغزى حقيقي، حتى الحكام المستبدين. من هنا فإن الليبرالية ليست مجرد فكرة، بل هي فكر يحتاج بالضرورة إلى أقلمة بالفعل والممارسة، والحديث عن الليبرالية لا يستهدف مجرد البحث التاريخي، بل هو يتقدم بهذا المحتوى التاريخي وبالفكرة كمخرج للوطن،ومنقذ يأخذه إلى أرضنة العقل والعلم والتقدم والحرية في التربة العربية.

لم ينتبه الليبراليون العرب أن بلادنا العربية بحاجة ماسة إلى ربط الحرية بالتحرر، والديموقراطية بحاجات المجتمع الذي يتطلع لدولة لها وظائف حقيقية، وليست دولة ميتافيزيقية أو فوقية تضع نفسها فوق الجميع، وتقتصر مهمتها في التنسيق بين فئاته فقط، وإن واقعنا العربي القائم يحتاج ديموقراطية تتواءم مع احتياجات المجتمع في التطور والتنمية، وإلى تحرر اقتصادي واجتماعي، وإلى كبح جماح الحرية الفردية النفعية المنفلتة، خاصة وأن ملايين الفقراء وهم الأكثرية الساحقة في بلادنا العربية ما زالوا بحاجة لخدمات اجتماعية أساسية وللضمان والمساعدة، إلى جانب حاجتنا للخلاص من التبعية السياسية والاقتصادية، وتشييد عقد اجتماعي يوازن بين مصالح فئات المجتمع كلها.

وتختلف الليبرالية العربية الجديدة، من حيث جذور النشأة والتركيبة المجتمعية والأهداف، عن الليبرالية الأوروبية في عصور الأنوار، والليبرالية العربية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

ويمكن القول أن الحركة الليبرالية العربية الراهنة هي تيار متعدد الحساسيات السياسية والفكرية، وتتشكل أساساً من ثلاث روافد أساسية هي:

1-بعض المثقفين والأكاديميين والجامعيين الذين همشوا وأقصوا سنوات طويلة عن مجال العمل السياسي العام.

2-عدد من ناشطي منظمات المجتمع المدني الحديثة العهد، والتي يقتصر نشاطها في مجالي العمل العام والحراك والسياسي، ومن الأحزاب السياسية المعارضة والضعيفة التي أقصتها السلطات السياسية الحاكمة وحدّت من مجال عملها ونشاطها إلى مواقع محدودة جداً في الحقل السياسي.

3- أفراد من القطاع الصناعي والمنتج.

ولا شك في أن الليبرالية الجديدة تعاني – عربياً – من ضعف شديد، نظراً لجملة من العوامل الاجتماعية والسياسية، والتخبط بين ممثليها وأوساطها، وعدم وضوح المشروع الذي يجنح أحياناً إلى تبشيرية جديدة. وقد التبس الأمر على بعض المثقفين العرب من الليبراليين الجدد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والتفتوا إلى أهمية الديموقراطية، لكنهم عمدوا إلى الخلط بينها وبين أفكار الليبرالية، وانحازوا إلى نموذج الليبرالية القديمة الأكثر ديمقراطية والأقل توحشاً، لكن هل من الممكن معالجة الأوضاع الجديدة بأدوات قديمة؟

وعند النظر في عوائق التحول الديموقراطي في سوريا على وجه الخصوص، والبلدان العربية على وجه العموم، نجد أن السبب الرئيس هو غياب الروح والاتجاهات الليبرالية، وهو ذات السبب وراء غياب الحريات العامة والفردية في بلداننا العربية. وقد سمعنا، ورددنا كثيراً، المقولة التي تفيد بأن الديموقراطية لا تستقيم بدون ديموقراطيين، وعليه فإن أي انفتاح سياسي لا تسنده قوة ليبرالية حقيقية سيفضي إلى النكوص، إلى الاستبداد والديكتاتورية. وقد وظفت هذه الحجة لتبرير إقصاء بعض مكونات الحقل السياسي من دائرة الشرعية، حتى ولو كان من اللازم طرح السؤال الجذري الذي واكب نشأة الفكر الليبرالي ذاته، وهو سؤال العلاقة القائمة بين الجانب الإجرائي التنظيمي في العملية الديمقراطية ومضامين التصورات الكامنة للشأن السياسي لدى الفاعلين المتنافسين.

بقي أن نشير إلى أن اختزال الديموقراطية في بعدها الإجرائي يحولها إلى مجرد أداة لضبط موازين القوى القائمة، بينما يؤدي تحميلها مضامين قيمية بعينها إلى انتهاك مبدئها الأساس، وهو ضمان حق التعددية الفكرية واختلاف وتباين الآراء والبرامج، أي حرية الاعتقاد والتفكير والوعي التي تعتبر أساس الحريات العامة ومنطلقها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق