المأخوذون بالموسيقى

{{الجزء الأول من كتاب عشق الموسيقى (ميسكوفيليا) والمخّ}}

{{هجوم من الأزرق:}}

{{عشق موسيقي فجائي (ميسكوفيليا مباغت)}}

كان “توني سيكوريا” Tony Cicoria في الثانية والأربعين من عمره شخصاً يتمتّع بلياقة وبنية بدنية ممتازة، كما كان ينتمي لجماعة من لاعبي كرة القدم، ثم أصبح جرّاحاً مجبراً لكسور الأعضاء السفلية ويسكن في مدينة صغيرة تابعة للقسم الشمالي من مقاطعة نيويورك. بعد ظهر أحد الأيام، كان مع عائلته في مقصورة قرب ما يشبه البحيرة، وكان الجوّ ممتعاً وتهبّ عليه النسمات، لكنه لاحظ قدوم عاصفة صغيرة من الغيوم، وكأنّها مطر.

خرجَ، حينئذ، من تلك المقصورة وذهبَ لكي يشتري هاتفاً، حتى يجري مكالمة سريعة مع والدته (كان ذلك في عام 1994، أي قبل زمن وجود الهاتف الخلوي). ما زال “توني سيكوريا” يتذكّر كلّ لحظة مما حدث له فيما بعد : “كنت أتحدّث مع أمي بالهاتف. ثم لاحظت زخّة مطر ضعيفة وسمعت رعدا على مسافة. قُطَعتْ المكالمة مع والدتي، ثم انقذفَ هاتفي بعيداً عن المكان الذي كنت أقف فيه حين صُعقت. أتذكّر بريقا من الضوء وقد انبثق من خارج الهاتف. لقد ضربني ذلك النور في وجهي. الشيء الأخير الذي أتذكّره هو “أنّي طرت لبضعة أقدام نحو الخلف”. بعد ذلك –بدا متردّداً قبل أن يخبرني بالشيء التالي- “حَلَقتُ إلى الأمام. كنت مرتبكاً. تَلفتُّ من حولي، فرأيت جسدي واقعاً على الأرض. قلت في نفسي، “متّ، للأسف”. رأيت أناسا يقتربون من ذلك الجسد. كذلك رأيت امرأة –كانت تقف خلفي تماماً منتظرةً استخدام الهاتف- وهي تنحني بنفسها من فوق جسدي وتناولني شيئاً من الـ “CPR” … ارتقيتُ عائماً السلالم –كان شعوري قد عاد إليّ- رأيت أطفالي وأدركت بأنهم كانوا على ما يرام. بعد ذلك، طوّقتني دفعة بيضاء من النور… شعور عظيم بالراحة والأمان. لم أشعر بأيّ انفعال مُترافقاً مع ما حدث… كانت فكرة محضة، إثارة خالصة. بعدها تولّد عندي إحساسٌ بتسارع الأمور، لأنّي كنت أُسحبَ… كلّ شيء كان يجري بسرعة وسير منتظم. ثمّ، كما قلت ذلك في نفسي حينها “هذا هو أعظم شعور بالمجد صادفته في كلّ حياتي،- السلام! لقد عدتُ ثانية”.

كان الدكتور “سيكوريا” يعرف بأنه قد عاد إلى جسده، لأنه كان يشعر بألم –ألم متولّد عن حروق في وجهه وقدمه الشمالية، حيث عبرت الشحنة الكهربائية التي حرّكت جسمه- وكما أدرك ذلك فيما بعد، بأنّ “الأجساد هي وحدها منْ يتألّم”. كان يرغب في العودة والطلب من تلك المرأة التوقّف عن إعطائه الـ CPR، وأن تدعه يذهبَ، لكن ذلك كان متأخّراً جداً- فهو قد عاد بقوّة ليكون ثانية وسط الأحياء. بعد دقيقة واحدة أو دقيقتين، حينما كان ما يزال قادراً على الكلام، قال لها “كلّ شيء على ما يرام، أنا طبيب”. فردّت عليه المرأة (التي تبيّن لاحقاً أنها واحدة من طاقم العناية الفائقة) “قبل بضعة دقائق، لم تكن كذلك”.

قَدمتْ الشرطة وكانت تنوي القيام بمكالمة هاتفية لطلب سيارة إسعاف، غير أنّ “سيكوريا” قد رفض؛ لذا، وعوضاً عن ذلك، رافقوه إلى داره. (“بدا الأمر وكأنه أستغرقَ ساعات”)، عندما هتف إلى طبيبه الخاص، الاختصاصي بأمراض القلب. ظنّ الاختصاصي أنّ “سيكوريا” كان تعرّض لسكتة قلبية عارضة، لكنه لم يتمكّن من العثور على أيّ شيء ينقص فحصه أو في الـ “EKG. “فبسبب أشياء كهذه، يمكنك أن تكون حيّاً أو ميتاً”، ذلك ما أشار عليه الاختصاصيّ بأمراض القلب. لكنه لم يضع في حسبانه أن الدكتور “سيكوريا” سيعاني من عواقب لاحقة ناتجة عن هذه الحادثة الغريبة.

استشار “سيكوريا” طبيب أعصاب أيضاً – كان يشعر بالإنهاك (وهذا شيء غاية في الغرابة بالنسبة له) ويعاني من بعض الصعوبات المتعلّقة بذاكرته. إذ وجد نفسه في حالة من النسيان يصعب عليه معها تذكّر أسماء أناس كان يعرفهم من قبل. ثم أُجريت له فحوصات نيرولوجية (عصبية) وخضع كذلك للـ EEG والـ MRI. وثانية، لم يظهر أي شيء ينقص الفحص.

بعد أسبوعين من ذلك، حين عادت له قواه، رجع الدكتور “سيكوريا” إلى عمله. غير أن ذاكرته كانت ما تزال تعاني من بعض الصعوبات والبطء – كان ينسى، أحياناً، أسماء بعض الأمراض النادرة أو الطرق الجراحية – لكن مهاراته الجراحية لم تتلف بكاملها. بعد أسبوعين آخرين، اختفت مشاكله المتعلقة بالذاكرة، وسيكون ذلك، كما كان يظنّ، نهاية الأمر.

ما حدث بعد ذلك لا يزال يملأ “سيكوريا” بالحيرة حتى الآن، أي بعد انصرام أكثر من عشرة أعوام. عادت حياته، ظاهريا، إلى مجراها السابق، ثم “باغتته لمدّة يومين أو ثلاثة رغبة لا تقاوم في الإصغاء لموسيقى البيانو”. و”لم يكن لذلك أية علاقة بماضيه”. فهو لم يتلقّ سوى بضعة دروس في البيانو، حين كان صبيّاً، كما يقول، بيد أنّ هذا لم يحظ لديه بأيّ اهتمام حقيقيّ. كما لم يكن يمتلك جهاز بيانو في داره. فكل الموسيقى التي كان يسمعها هي من النوع الذي يميل نحو موسيقى الروك.

مع بداية حاجته الماسّة والمفاجئة لموسيقى البيانو، شرع بشراء أسطوانات فونغرافية، وأصبح مولعاً “بفلاديمير أشنيسكي” Vladimir Ashenesky الذي سجّل مآثر شوبان – “البولونية العسكرية”، درس “عاصفة الشتاء” ودرس “المفتاح الأسود”، على المنخفض-أ من السلم الموسيقى الكبير البولوني، والمنخفض-ب من السلم الصغير ليشرتسو Scherzo. “لقد أحببتها جميعها”، قال “سيكوريا”. “كانت تتملّكني الرغبة في لعبها، وكنت متمكناً من الصفحة الموسيقية بكاملها. عند هذه النقطة، سألتني إحدى مرافقات أطفالي إذا ما كان بمقدورها نقل جهاز البيانو الخاصّ بها إلى دارنا – وهكذا وصلنا البيانو، بالدقّة في اللحظة التي كنت أتحرّق فيها من أجل الحصول على واحد، بيانو صغير ورائع. كان ذلك البيانو مُلائماً لي تماماً. كان يصعب عليَّ للغاية قراءة الموسيقى، ولم يكن بمقدوري سوى لعبها، لكني بدأت بتعلّمها”. لقد مضى أكثر من ثلاثة عشرة عاماً على تلك الدروس القليلة في البيانو التي تلقاها “سيكوريا” في طفولته، ومع ذلك، ما زالت أصابعه متشنّجة وخرقاء.

بعد هذا، وعقب رغبته المفاجئة بموسيقى البيانو، شرع “سيكوريا” بالإصغاء للموسيقى في رأسه. “في المرة الأولى”، كما قال، “كان ذلك في حلم”. كنت أرتدي ملابس سهرة، فوق خشبة مسرح، وكنت ألعب شيئاً كتبته أنا بنفسي. استيقظت مضطرباً وكانت الموسيقى ما تزال ترنّ في رأسي. قفزت خارج السرير وشرعت بالكتابة بالقدر الذي أتذكّره. لكن كان من العسير عليَّ معرفة كيف ينبغي تسجيل ما سمعته”. لم يكن ذلك مستغرباً، فهو لم يحاول أبداً كتابة أو تسجيل موسيقى من قبل. لكن في كلّ مرّة يجلس فيها لكي يشتغل على شوبان، كانت موسيقاه الخاصة “تقدمُ وتستولي عليه، فحضورها القويّ لا يقاوم”.

لم أكن متأكّداً مما يمكنني فعله بهذه الموسيقى الطاغية، التي كان بإمكانها إقحام نفسها عليه بقوة وسحقه. هل كانت لديه هلوسة موسيقية؟ كلا، فالدكتور “سيكوريا” قال لي بأنها لم تكن هلوسة –”إلهام” هي المفردة المناسبة. كانت الموسيقى حاضرة هناك، قائمة بعمق في داخله – أو في مكان آخر- وكان جلّ ما بمقدوره القيام به حيالها هو تركها تقدم نحوه. “إنها تشبه الذبذبةِ، شريط راديو. وإذا ما فتحت نفسي، فإنها ستقدم. كنت أوّد القول بأنها تأتي من السماء، كما قال موزارت”.

ما كان لموسيقاه لتتوقف. ” إنها لا تنضب أبداً”، واصل حديثه. “لو كان بإمكاني القيام بأي شيء، لأوقفتها”.

ما يتحتم عليه الآن القيام به لا يقتصر على المصارعة لكي يتعلم كيف يلعب شوبان، بل ينبغي عليه أيضاً إعطاء شكل لتلك الموسيقى التي تجري داخل رأسه. إذ لا بدّ له من القيام بمحاولة لعبها على البيانو، ووضعها على الورق. “إنه صراع مرعب”، كما قال. “كان عليَّ الاستيقاظ في الساعة الرابعة صباحاً ومن ثم أشرعُ في اللعب حتى الساعة التي أغادر فيها الدار للذهاب إلى عملي، وحين كنت أعود من العمل إلى البيت، أجلس إلى البيانو وأواصل اللعب طيلة المساء. في الواقع، لم تكن زوجتي مسرورة من ذلك. كنتُ مأخوذاً”.

بعد ثلاثة أشهر من هجوم الضوء عليه، تحول “سيكوريا”من رجل سهل العشرةِ، رجل بيت أصيل، ولا يكترث تقريباً بالموسيقى، إلى مُلهم، وحتى مهووس بالموسيقى، ونادراً ما كان لديه الوقت لشيء آخر سواها.

ثم استولت عليه فكرة “خلاصه” من أجل غرض خاص. “أخذت بالتفكير”، كما قال، “بأن السبب الوحيد الذي وهبني إمكانية البقاء هو الموسيقى”. سألته إذا ما كان رجلاً مُتديناً قبل أن يفاجئه ذلك الضوء. قال أنه قد تربّى على الطريقة الكاثوليكية، لكنه لم يكن مهتماً في هذا أبداً؛ كانت لديه بعض المعتقدات “الأرثوذكسية”، كمعتقد التجسّد.

لقد بدأ بالتفكير بأنه هو نفسه قد عاش تجربة التجسّد تلك، وبأنه قد تحوّلَ ومُنحَ موهبة خاصة، رسالة تبشيرية، وأصبح”متآلفاً” مع ما أسماه بالموسيقى، بطريقة نصف مجازية، “الموسيقى القادمة من السماء”. ثم تحوّلت تلك الموسيقى في الغالب إلى “شلال مطلق” من الملاحظات التي لا تهدأ ولا تكفّ عن الاختلاط فيما بينها، وبالتالي كان عليه وضعها ضمن شكل وغلاف مُحدّدين. (عندما أخبرني بذلك، كنت أفكر “بكايدمون” Caedmon، شاعر أنغلوسكسوني، في القرن السابع عشر، وهو راعي غنم غير متعلّم، كما يُروى عنه، كان قد تلقّى “فنّ الغناء” في واحد من أحلامه الليلية، ومن ثمّ أمضى حياته برمّتها في تمجيد الخالق وإبداع التراتيل والأشعار).

واصل “سيكوريا” عمله في اللعب على البيانو والتوليفات. كان قد اشترى دفتر نوتات موسيقية، لكنه أدرك على الفور بأنه بحاجة إلى معلم موسيقى. ثم صار يسافر لمتابعة الحفلات التي يخبره عنها مدربّوه المأثورون، غير أنه لم يكن يعبأ بأصدقائه الموسيقيين، أو بالنشاطات الموسيقية التي تقام في مدينته. كان ذلك بمثابة ملاحقة معزولة، بينه وبين مصدر وحيه.

سألته إذا ما كان قد عاش تحولات أخرى منذ الهجوم الأول للضوء –ربما تثمين جديد للفنون، أو تذوق مختلف لقراءة، بعض المعتقدات الجديدة؟ ردَ عليَّ بأنه قد غدا “روحانياً تماماً”، منذ تجربة اقترابه الأولى من الموت.

ثم شرع بقراءة كل كتاب جديد يعثر عليه، أيّ كتاب يتحدث عن تجارب الاقتراب من الموت والهجوم النوراني. وبالتالي تكونت لديه “مكتبة بكاملها عن “تيسلا” Tesla، تماماً كما هو الأمر بالنسبة لأي شيء يتعلّق برعب وجمال القوة الكهربائية ذات الهجوم العظيم. كان يفكر أحياناً بأنه محاط “بهالات” من الضوء أو الطاقة اللتين تطوّقان أجساد الناس –فهو لم يلاحظ ذلك من قبل تلك الهجمة النورانية.

مرت بضعة أعوام، لكن حياة “سيكوريا” الجديدة، وكذلك إلهامه لم يغادراه أبداً. كما واصل عمله بالوقت الكامل كجرّاح. غير أن قلبه وعقله قد تمحورا الآن من حول الموسيقى.

حصل على الطلاق من زوجته في عام 2004، وفي نفس السنة حدثت له حادثة مروعة مع دراجة بخارية. لم يكن لديه مال، لكن دراجته “هارلي” Harley، قد اصطدمت بناقلة أخرى، ومن ثم تمّ العثور عليه وهو مُلقى في حفرة، فاقداً لوعيه ومصاباً بجروح مؤلمة، إلى جانب كسور في العظام، تمزق في الطحال، رئة مثقوبة، كدمات في القلب، ورغم الخوذة التي كان يلبسها، جروح في الرأس. لكنه، ورغم كلّ ما حدث له، استعاد قواه ورجع إلى مزاولة عمله بعد شهرين. فلا تلك الحادثة ولا جروح رأسه، ولا حتى طلاقه من زوجته، بدا وكأن له أية أهمية مقارنة باندفاعه في لعب الموسيقى وتوليفها.

لم أصادف أبداً قصة تشبه قصة “توني سيكوريا”، غير أني كنت ألتقي، أحياناً، بمرضى يتملّكهم نفس الهجوم الموسيقي المباغت، أو الاهتمامات الفنية الأخرى، بما فيهم سليمة.م Salimah.M، وهي باحثة كيميائية. ففي الأربعينات من عمرها، بدأت سليمة تعيش لمُدد وجيزة، تستمرّ لدقيقة أو أقل، يستولي عليها أثنائها “شعور غريب” في بعض الأحيان. كان يتولّد لديها أحساس بأنها موجودة قرب ساحل، عرفته مرة في حياتها، فيما كانت، في ذات الوقت، واعية تماماً بما يجري من حولها وبمقدورها كذلك مواصلة نقاشها، أو قيادة سيارتها، أو أي شيء آخر تقوم به. كانت هذه المجريات تترافق في بعض الأحيان مع “مذاق مرّ” في الفم. لقد لاحظت تلك الأمور الغريبة، غير أنها لم تفكّر أبداً أن تكون لها أية دلالة عصبية. فهي لم تذهب لزيارة طبيب أعصاب، قبل أن يمسك عليها ألم حادّ، في صيف عام 2003، ومن ثم أجريت لها فحوصات دقيقة في المخّ. كشفت تلك الفحوصات عن وجود ورم ضخم، في جزء من صدغها الأيمن –سبب حوادثها الغريبة. شعرَ طبيبها بأنّ ذلك الورم هو من الأمراض الخبيثة (مع أنه كان من الممكن اعتباره مجرّد Oligodendroglima، الخبيثة نسبياً). كان ينبغي إزالة ذلك الورم. أمّا سليمة، فقد ظلت مندهشة وتفكّر إذا ما كان قد حُكمَ عليها بالموت، كذلك كانت مرعوبة من العملية وعواقبها المحتملة؛ لقد أُخبرت، هي وزوجها، بأنّ تلك العملية ربما تؤدّي إلى بعض “التغييرات في الشخصية”. لكن، وعلى أية حال، كانت العملية الجراحية موفقة، إذ أُزيل القسم الأكبر من الورم، وبعد فترة إنعاش، كان بمقدور سليمة العودة ثانية إلى عملها، ككيمائية.

قبل العملية، كانت سليمة سيّدة محافظة بشكل مقبول، بيد أنها كانت تشعر أحياناً بالضيق أو تشغلها أشياء صغيرة، كالغبار في الدار، أو عدم ترتيب الأشياء في الأماكن المخصصة لها؛ أما زوجها، فقد صرحَ ليَّ بأنها كانت “مبالغة” أحياناً، بخصوص الأشغال التي ينبغي القيام بها في المنزل.

والآن، أي بعد العملية، أصبحت غير مبالية بالأشياء المنزلية. لقد أصبحت اليوم، كما عبّرَ عن ذلك زوجها عبر مفرداته الخاصة التي تنمّ عن مزاجه (لم تكن الإنكليزية لغتهما الأمّ)، “قطّة أنيسة”، وغدت خبيرة بالفرح.

ظهرت الغبطة الجديدة لسليمة في العمل. في نفس المختبر الذي عملت فيه منذ خمسة عشر عاماً، والذي كانت فيه مثار إعجاب زملائها، بسبب فطنتها وتفانيها في الشغل. لكنها، في الوقت الحاضر، ومع أنها لم تفقد أي شيء من قدرتها المهنية، تبدو وكأنها شخص يتمتّع بدفء أكبر، متعاطفة ومهتمّة للغاية بحياة ومشاعر منْ يشاركونها العمل. ففيما كانت في السابق، كما يشير زملاؤها على ذلك، “أكثر انغماساً في نفسها”، أصبحت اليوم موضع ثقة للآخرين ومركزاً اجتماعياً لقطاع بكامله من المختبر.

كما غدت على هذه الحالة في دارها أيضاً، إذ أصبحت تتمتّع ببعض صفات “ماري كيري” Marie Curie، أي شخصا منظّما جداً في عمله. كذلك سمحت لنفسها الابتعاد لحين عن تفكيرها، معادلاتها، وصارت مهتمّة أكثر بالذهاب إلى السينما والمشاركة في الحفلات، أي أنها تركت نفسها تعيش قليلاً. ومن ثم فإنّ حبّا وحماسا جديدين قد دخلا في حياتها. لقد كانت “موسيقية بصورة غامضة”، حسب مفرداتها الخاصة، حينما كانت ما تزال صبية، كما كانت تلعب قليلاً البيانو، غير أن الموسيقى لم تلعب يوماً أي دور أساسي في حياتها. أما الآن، فالأمر يختلف تماماً. فهي تتشوق اليوم لسماع الموسيقى وحضور الحفلات الموسيقية، وكذلك الإصغاء للموسيقى الكلاسيكية عن طريق الراديو وأقراص السيديات. كما يمكنها الانفعال إلى حدّ الجذل أو ذرف الدموع عند سماعها لموسيقى لم تكن تحمل لها سابقاً أية “عاطفة خاصة”. وها أنها قد أصبحت “مدمنة” على راديو سيارتها الخاصة، إذ يمكنها الآن الإصغاء إليه أثناء قيادتها لها، عند الذهاب إلى عملها. لقد قال أحد زملائها، الذي حدث أن صادفها في سيارته وهو في طريقه إلى المختبر، بأن الموسيقى الصادرة عن راديو سيارتها كانت “صاخبة بشكل لا يُصدق” –كان بإمكانه سماعها على مسافة ربع ميل منها. إذ صارت سليمة، بعد تحولها، “تتمتع بكامل حريتها”.

وعلى غرار “سيكوريا”، أظهرت سليمة تحولاً ناجزاً في حياتها، من شخص مهتمّ نوعاً ما بالموسيقى إلى شخص مُثار ومنفعل تماماً بها ويشعر بحاجته الدائمة لها. وفي كلتا الحالتين، كانت هناك أنواعٌ أخرى من التحولات أيضاً –انفجار انفعالي، وكأن انفعالاتهما كلها قد تحفزت أو تمّ إطلاقها. فكما تقول سليمة، ضمن مفرداتها الخاصة، “ما حدث بعد العملية -شعرت بأني ولدت ثانية-. لقد غير ذلك من نظرتي إلى الحياة وجعلني أثمن كل دقيقة تمر منها”.

هل يمكن لأحدهم أن يُطورَ الميسكوفيليا المحضة (عشق الموسيقى)، دون أن يصاحب ذلك التطور تحويرات في شخصيته أو سلوكه؟ أن موقفاً كهذا قد جرى وصفه، في عام 2006، من قبل “روهر” Roher، “سمث” Smith، و”وارن” Warren، حينما تحدثوا عن حالات صاعقة في قصة امرأة في الستينات من عمرها كانت تعاني من آلام مبرحة في جزء من صدغها، متزامنة مع انقطاع في النقاط المركزية من صدغها الأيمن. بعد سبعة أعوام، تمت السيطرة على تلك الآلام المبرحة، وذلك بفضل عقار مضادّ للتشنج (Lamotriginie) (LTG). في بداية استخدامها لذلك العقار، كتب “رهور” وزملائه :

كانت لا تبالي أبداً بالموسيقى، ولم تكن تصغي لها من أجل الحصول على اللذة، كذلك لم تكن تحضر الحفلات الموسيقية. كان ذلك على النقيض تماماً من زوجها وابنتهما، اللذين كانا يلعبان على البيانو والكمان… لم تكن متأثرةً بالتقاليد الموسيقية التاهيتيةِ التي كانت تسمعها مع عائلتها أو في المناسبات العامة في بانكوك حيث كانت تعيش، ولا بالأنواع الموسيقية الشعبية بعد انتقالهم للعيش في المملكة المتحدة. كانت تتحاشى، في الواقع، الموسيقى قدر الإمكان، وكانت تكره بقوّة أنواعاً بعينها من الأنغام الموسيقية (على سبيل المثال، كانت تغلق الباب كي تتفادى سماع موسيقى البيانو التي كان زوجها يلعبها، كما كانت تجد الموسيقى الكورالية شيئاً مزعجاً. غير أن عدم الاكتراث هذا قد تغيّر فجأة، بعد أن خضعت لذلك العقار: بعد بضعة أسابيع من بدء الـ “LTG”، لوحظ تبدل عميق في نظرتها وتقديرها للموسيقى. ثم شرعت بالبحث عن البرامج الموسيقية التي تبثّ عبر الراديو والتلفاز، وصارت تصغي للمحطات لساعات عديدة في اليوم الواحد، كما كانت تطلب مرافقتها للحفلات الموسيقية. لقد وصف زوجها الطريقة التي كانت تجلس بها “مشلولة” أثناء عزف “الترافياتا” (la Traviatia)، وكيف كانت تتضايق من الأفراد الذين كانوا يتحدثون خلال فترة العزف. أما هي، فتصف الآن إصغاءها للموسيقى الكلاسيكية باعتباره تجربة ممتعة وله شحنة انفعالية عالية. لم تكن تغنّي أو تصفر، ولم يُلاحظ تغيّر ما في سلوكها أو شخصيتها. إذ لم تظهر عندها فوضى ذهنية، هلوسة أو تعكّر في المزاج.

عندما لم يتمكّن “روهر” وزملائه من القيام بالتشخيص الدقيق لأسباب الميسكوفيليا عند مريضتهم، لمحوا بفرضية مفادها أنّ تلك المريضة وطيلة سنوات احتفاظها بقوّة على نشاطها الذي يرفض أيّ تحوير، ربّما كانت قد طورت نوعاً من التواصل الوظيفيّ الحادّ ما بين أنظمة الإدراك الحسّي القائمة في أجزاء من صدغها وأقسام من النظام النصلي المغلّف في الاستجابة الانفعالية –اتصال لم يتّضح إلا بعد أن تمّت السيطرة على آلامها المبرحة بفضل الأدوية. كان “دافيد بير” Davide Bear، قد أشار، في السبعينات من القرن المنصرم، إلى أنّ مثل ذلك الاتصال الكبير في الجهاز الحسّي-النصلي قد يكون سبباً في ظهور مشاعر فنية، جنسية، موسيقية ودينية، غير متوقّعة عند بعض الأفراد الذين يعانون من الصرع القائم في جزء من الصدغ. هل يمكن لشيء مماثل لهذا قد حدث “لتوني سيكوريا” أيضاً؟

في موسم الربيع الفائت شارك “سيكوريا” في عطلة موسيقية لعشرة أيام، أقيمت لطلبة موسيقيين، ومن الهواة الموهوبين والمحترفين. وذلك في مخيّم مزدوج يُستخدم كصالة عرض يعود إلى “أريكا فاندرلاند فايندر” Erica Vanderlinde Feinder، وهي لاعبة على البيانو في الحفلات الموسيقية ومتخصّصة كذلك في اختيار أفضل أجهزة البيانو لكل واحد من زبائنها. كان “توني” قد اشترى للتوّ واحداً من أجهزة البيانو تلك من عندها، بيانو ضخم من نوع “Bösendorfer”، نموذج فريد صُنعَ في فيينا –كانت “أريكا” تعتقد أن “توني” يتمتّع بغريزة استثنائية بالتقاطه لذلك البيانو الذي يتوافق تماماً مع النغمة التي كان يودّ سماعها. شعرَ “سيكوريا” بأنه قد حصل الآن على الوقت والمكان المناسبين لكي يكون موسيقياً.

وهكذا جهزَ مقطوعتين لحفلته الموسيقية القادمة: حبّه الأوّل، علامة المنخفض–ب في السلم الصغير لشوبان، وتوليفته الشخصية التي أعطاها اسم “الرابسودي” Rhapsody، قطعة رقم 1. لقد أذهلَ لعبه وكذلك حياته كل من كان معه في تلك العطلة (العديد منهم عبّر عن خياله الجامح بتمنّيه أن يكون هو أيضاً قد تلقّى ضربة ذلك الضوء). قالت “أريكا” أنه لعبَ “بحماس كبير وحيوية عظيمة” –وإذا لم يكن ذلك بفضل عبقريته ما فوق الطبيعية، فعلى الأقل بمهارة لا تصدّق، وبعمل بطوليّ مدهش، بالنسبة لشخص لا يتمتّع ضمنياً بأيّة خلفية موسيقية، وعلّمَ نفسه بنفسه وهو في الثانية والأربعين من عمره.

في نهاية المطاف، سألني الدكتور “سيكوريا” ما هو رأيي في قصته. وهل صادفت يوماً ما يماثلها؟ سألته ما الذي يظنّه هو، وكيف يفسّر ما حدث له؟ لقد ردَ عليَّ بأنه كطبيب يعجز عن تفسير تلك الحوادث، لكن عليه التفكير بها ضمن مفردات “روحية”. اعترضت على ذلك، دون أيّ ازدراء لما هو روحيّ، لأنّي كنت أفكّر بأنّه حتى أكثر الحالات الذهنية إثارة، وأشدّ التحولات غرابة، لا بدّ أن يكون لها بعض الركائز الفيزيائية، أو على الأقل الفيزيولوجية المتصلة بالنشاط العصبي.

في وقت مهاجمة الضوء، كان الدكتور “سيكوريا” قد عاش تجربة الاقتراب من الموت وتجربة انفصاله عن جسده. لقد طُرحت العديد من التأويلات ما فوق الطبيعية، أو الصوفية لتفسير تجارب الانفصال عن الجسد تلك، لكنها كانت أيضاً موضوعاً للبحث العصبيّ منذ قرن أو أكثر. إذ يمكننا، إلى حدّ ما، وضع هذه التجارب عبر الصياغة التقليدية التالية : يبدو أنّ المرء لا يبقى في حدود جسده الذاتي، بل يخرج منه، وبتعميم أكبر، ينظر إلى نفسه من علوّ ثمانية أو تسعة أقدام عنه (يتعامل طبيب الأعصاب مع شيء كهذا باعتباره “هلوسة ذاتية”. فكما يبدو، يرى الفرد الذي تصيبه حالة كهذه بوضوح المكان والناس القريبين منه، لكنه يرى من منظور شاهق. وغالباً ما يصف الأفراد الذين يعيشون تجارب كهذه بمفردات مجازية “كالتحويم” أو “الطيران”. كما يمكن لتجارب الانفصال عن الجسد توليد مشاعر الخوف والغبطة، أو التخلي عن كل شيء، لكنهم غالباً ما يصفونها كونها تجارب “واقعية” –ليس على شاكلة الحلم أو الهلوسة أبداً. كذلك فإنها تُروى عبر العديد من أشكال أو حالات الاقتراب من الموت، كما هو الأمر بالنسبة للأوجاع الصدغية الجزئية.

من المسلم به تقريباً بأن الجانب الرؤيويّ والمجازي في تجارب الاقتراب من الموت تتصل باضطراب وظيفة في اللحاء الدماغي، لاسيما في منطقة الاتصال ما بين الأقسام الصدغية والفواصل الجزئية (1).

غير أن ما رواه الدكتور “سيكوريا” لا ينحصر في تجربة الانفصال عن الجسد فقط. فهو قد رأى دفعة بيضاء من النور، كما رأى أطفاله وحياته يبرقان أمام عينيه، وكذلك تملّكه أحساس بالإثارة أيضاً، وفوق أي شيء آخر، أحس بشيء ترانسدنتالي (متعالي) ذي مغزى عظيم. ماذا يمكن أن يكون الأساس العصبي لذلك؟ غالباً ما توصف تجارب الاقتراب من الموت المماثلة لتجربته من قبل أفراد كانوا، أو يظنون بأنهم كانوا على مقربة كبيرة من خطر كبير، أما بسبب من انجرافهم المباغت في حوادث، أو لأنهم تلقوا ضربة نور خاطفة، أو بعمومية أكبر، بعد عودتهم ثانية إلى الحياة على أثر سكتة قلبية. لم تجر معايشة كل هذه التجارب بخوف ورعب وحسب، بل وكأنها أيضاً قد تسببت بسقوط قطرة في الضغط الدموي وسيلان دم مخّي (وإذا ما كانت هناك سكتة قلبية، فسيكون هناك نفاد لأوكسجين الدماغ). يبدو أنّ ثمّة ارتفاعا انفعاليا حادّا وانفجارا في النورادرنيل noradrenaline وغيرها من التحولات العصبية قد حدثت في مثل هذه الحالات، سواء كان الأثر قد تولّد عن الرعب أو الجذل. وعلى أية حال، ليس لدينا، في الوقت الحاضر، سوى فكرة صغيرة عن المضاعفات العصبية الحالية المصاحبة لمثل تلك التجارب، بيد أنّ التحويرات الحادثة في الوعي والانفعال المتولّد معه هي تحويرات عميقة جدّاً ولا بدّ أن تكون قد أحاطت بالأجزاء الانفعالية من المخّ –لوزة المخّ ومجراه النووّي وكذلك الغشاء المخّيّ (2).

إذا كانت لتجارب الانفصال عن الجسد خاصية تماثل وهم الإدراك الحسي (بصرف النظر عن حالة واحدة، استثنائية ومعقدة)، فإن تجارب الاقتراب من الموت تتمتع بكل علامات التجربة الصوفية، بالطريقة التي حددها “وليام جيمس” -اللافاعلية التي تفوق الوصف، ما فوق العلمية، وذات الخاصية العقلية. تُتعب تجارب الاقتراب من الموت المرء تماماً، فهي تكتسحه، حرفياً تقريباً، وتضعه في حالة من التوقد الضوئي (نفق دخاني أحياناً)، كما تجره نحو البعيد The Beyond –بعيداً عن الحياة، وعن الزمان والمكان. إذ يتولد لديه شعور بأنه يلقي نظرته ووداعه الأخير (العاجل تماماً) على الأشياء الدنيوية، وكذلك على الأماكن والناس وحوادث حياته، كما يحسّ بالإثارة وكأنه يُحلق نحو مصيره النهائي –رمزية بدائية للموت والتجلّي. تجارب كهذه لا يتنصل عنها بسهولة أولئك الذين مرّوا بها، وهي ربما تقودهم إلى الاهتداء، أي تحدث عندهم تحول ذهني يحور سيرة واتجاه حياتهم. لا يمكن الافتراض، كما هو الأمر بالنسبة لتجارب الانفصال الجسدي، بأن حوادث كهذه هي محض تخيّل؛ فالعديد من جوانبها يتمّ التأكيد عليه في كل رواية. كذلك لا بدّ أن تكون لتجارب الاقتراب من الموت ركيزتها العصبية الخاصة بها، التي تحور بعمق الوعي ذاته.

ماذا عن ذلك الانغماس الموسيقي للدكتور “سيكوريا”، أي عشقه المفاجئ للموسيقى (his sudden musicophilia) ؟ يطوّر المرضى المصابون بتحلّل الأجزاء الأمامية من المخّ، أي ما يُطلق عليه اسم عته الواجهة الصدغية، طاقة مدهشة أو يطلقون العنان لمواهبهم الموسيقية، في ذات الوقت الذي يفقدون فيه قواهم التجريدية واللغوية- لكن من الواضح بأن هذه هي ليست حالة الدكتور “سيكوريا”، الذي ظل محافظاً على نطقه الصحيح وقدراته على كل المستويات. لقد وصف “دانيل جاكوم” Daniel Jacome مريضاً كان قد تلقى صدمة أضرت بالجانب نصف الدائري من مخه، والذي طور، عقب ذلك، “إفراط موسيقي” hypermusia وميسكوفيليا (عشق الموسيقى)، المترافقتين مع الحبسة (فقدان الكلام) وغيرها من المشاكل. لكن ليس هناك ما يشير إلى أن “توني سيكوريا” قد عانى من أيّ ضرر ذي دلالة في مخّه، باستثناء اضطراب عابر تماماً في أنظمة ذاكرته لمدة أسبوع واحد أو أسبوعين، بعد هجمة الضوء تلك.

لقد ذكّرني موقفه قليلاً “بفرانكو مانياني” Franco Magnani، “الفنّان الخالد” الذي كتبتُ عنه سابقاً (3). لم يفكّر “فرانكو” في يوم بأنّه رسام، قبل أن يعيش تجربة أزمة غريبة أو مرض – ربما نوع من الصرع في الجزء الصدغي- عندما كان عمره واحدا وثلاثين عاماً. حلمَ “فرانكو” ليلة “ببونتيتو” Pontito، وهي قرية تقع في مقاطعة “تيسكان” Tuscan حيث ولدَ؛ بعد يقظته ظلت تلك الصور حيّةً في ذهنه دائماً، بعمق وواقعية. (“وكأنها صور فوتغرافية لأشعة ليزر holograms”). كانت الحاجة لجعل تلك الصور واقعاً تتآكل “فرانكو”، حاجته لرسمها، وهكذا شرع بتعلم الرسم، مكرساً كل لحظة فراغ من وقته بغية إنتاج مئات الصور لبونتيتو.

هل لأحلام “توني سيكوريا” الموسيقية، وإلهاماته، طبيعة الصرع؟ لا يمكن الجواب على هذا السؤال بمجرد استخدام الـ “EEG”، كما قام بذلك “سيكوريا” بعد حادثته، لكنه يتطلب “EEG” خاصا للمراقبة تستمرّ لعدة أيام بكاملها.

ولمَ كان مثل ذلك التأخر في تطور الميسكوفيليا عنده؟ ما الذي جرى ما بين الستة أو السبعة أسابيع التي مرت ما بين السكتة القلبية التي أصابته وذلك الانفجار المباغت بالأحرى الذي حدث له؟ نحن نعرف بأنه كانت هناك بعض الآثار اللاحقة العرضية – كحالة الاختلاط التي نشأت بعد الحادث ببضعة أسابيع، وكذلك فقدان الذاكرة الذي دام أسبوعين. كما يمكن أن يكون مردّ ذلك فقدان الأوكسجين وحده – إذ لا بدّ وأن يكون الأوكسجين قد انقطع للحظة أو أكثر عن مخّه. وعلى أية حال، علينا الشك في أن تكون استعادة الدكتور “سيكوريا” لعافيته بعد أسبوعين من تلك الحادثة كاملة، كما بدت عليه، إذ لا بدّ وأن تكون هناك أشكالٌ أخرى، غير ملحوظة، للضرر المخّيّ، وبأنّ مخّه كان ما يزال يقوم بردّة فعل حيال ذلك الأذى الأصلي، كما كان ذلك واضحاً في حينها.

يشعر الدكتور “سيكوريا” بأنه اليوم “شخص مختلف” – موسيقياً، انفعالياً، نفسياً، وروحياً أيضاً، أثناء استماعي لقصته وملاحظتي لبعض المشاعر التي حولته. فعندما كنت أنظر إليه من زاوية النظر العصبية وحدها، كنت أشعر بأنّ مخّه قد أصبح في الوقت الحاضر مختلفاً عمّا كان عليه قبل الهجمة الضوئية، أو في الأيام التي تبعته مباشرة، مادامت التشخيصات العصبية لم تظهر بأنه فقد الشيء الكثير. هل يمكننا الآن، أي بعد أكثر من عشرة أعوام، تحديد تلك التغيرات، تعيين الأسس العصبية لعشقه للموسيقى؟ لقد تطورت العديد من الفحوصات الجديدة والأكثر دقة للوظيفة المخية منذ إصابة “سيكوريا” بجروحه في عام 1994، وقد شاطرني هو نفسه الرأي بأهمية القيام ببحث متقدم أكبر. لكنه أدرك، وصرح لي بذلك بعد فترة، بأنه قد يكون من الأفضل ترك الأشياء على حالها. فصدمته كانت بمثابة حظّ، ذلك لأن الموسيقى، وبصرف النظر عن الطريقة التي تقدم فيها، شيء ممتع، نعمة – ولا ينبغي مساءلتها.

{{ملحق}}

منذ نشري لقصة “توني سيكوريا” تلقيتُ الكثير من الرسائل من أفراد لم يصدمهم الضوء، ولا يبدو أنهم يعيشون ضمن ظروف فيزيائية أو نفسية خاصة، لكنهم، وهذا ما يُدهشهم غالباً – وهم في الأربعينات، أو الخمسينات وحتى الثمانينات من أعمارهم- قد وجدوا أنفسهم بغتة يمتلكون مواهب إبداعية لم تكن في حسبانهم، أو انفعالات خاصة، سواء كانت موسيقية أو فنية بشكل عام.

واحدة من اللواتي تراسلن معي، “غراس. م.” Grace.M، وصفت لي بالأحرى الهجوم المباغت للموسيقى عليها وهي في الخامسة والخمسين من عمرها. فبعد فترة قصيرة من عودتها من عطلة أمضتها في إسرائيل والأردن، بدأت بسماع مقاطع موسيقية تصدح في رأسها. ثم حاولت تسجيلها “برسم خطوط على الورق” -فهي لم تكن تعرف التسجيل الشكلي للموسيقى. أما الآن، أي بعد مرور ثلاث سنوات، فقد قامت بتسجيل أكثر من ثلاثمائة وثلاثين قطعة، وصارت تكتب، كنتيجة لتلك التسجيلات، أربع أغاني كاملة في الشهر الواحد. كما أشارت “غراس” إلى أنها ورغم سماعها لأنغام شعبية تجري في رأسها، منذ الزمن الذي يمكنها تذكره، لم تشرع بسماع أغانيها الخاصة بصورة دائمة إلا بعد عودتها من تلك الرحلة.

“لم تكن عندي أية مهارة موسيقية كبيرة”، كما كتبت، “ولم أكن أمتلك أذناً واسعة لها”. في الحقيقة، أنها مندهشة من مسألة كيف أن شخصاً مثلها، لا يبدو أنه موسيقيٌّ تماماً، يمكنه الامتلاء فجأة بالأغاني والمقطوعات الغنائية. لقد عرضت، بنوع من الحياء، أغانيها على الآخرين، ومن ضمنهم موسيقيون محترفون، وتلقت تعليقات مشجعة من قبلهم. “لم أكن أبحث، أو أتوقع شيئاً كهذا”، قالت. “لم أحلم في حياتي أن أكون كاتبة أغاني… فأنا لا أتمتع إلا بموهبة موسيقية ضعيفة. لكن لا بد وأني كنت أحلم في أن أكون نموذجاً متفوقاً”.

لم يكن بمستطاعها التفكير بأي سبب فيزيائي لحاجتها الملحة في كتابة الأغاني. “فعلى العكس من سيكوريا”، كما كتبت، “لم أكن قد تلقيت أي هجوم نوراني. ولم أصب بأية جروح، أو عشت حوادث رئيسية. لم أكن يوماً مريضة حد الحاجة للدخول إلى مستشفى. ولا أظن بأن عندي أية آلام مبرحة في الجزء الصدغي، أو عته في الجبهة الصدغية”. ومع ذلك، تتساءل إن لم تكن هناك دوافع نفسية لذلك، “انطلاق” ما، أثناء رحلتها إلى إسرائيل والأردن. كان ذلك شيئاً مهماً بالنسبة لها، كمتدينة، لكن لم يكن هناك أي ظهور أو رؤى خلال رحلتها. (لم تكن تعتقد بأنها تحمل رسالة لنشر أغانيها ومشاركة الآخرين فيها، وإذا كان ثمة من شيء كهذا، فهي متحفظة بالأحرى حياله. “أنا لست عازفة، أو متعهدة ذاتية، بطبيعتي، كما أنني أجد كل ذلك مزعجاً إلى حد ما”، كما كتبت.

مراسلة أخرى، “إليزا بيسي” Eliza Bussey، وهي أيضاً في منتصف الخمسينيات من عمرها، كتبت لي ما يلي :

قبل أربع سنوات، في الخمسين من عمري، كنت أجول في أحد الحوانيت الموسيقية، حينما رأيت قيثارة شعبية جالسة عند النافذة، ثم عدت إلى الدار ومعي قيثارة شعبية قيمتها ألفي دولار. كل عالمي ينتظم الآن من حول الموسيقى والكتابة عن الموسيقى. قبل أربعة أعوام، لم أكن قادرة على فهم نغمة موسيقية واحدة، أما في الوقت الحاضر، فأنا أدرس القيثارة الكلاسيكية في معهد “بيابدي” للموسيقى في “بالتمور”. لقد عملتُ في نشرة الثالثة والعشرين، بعد عملي في المدرسة في أيام الثلاثاء والجمع. أتدرب على الموسيقى ساعتين أو ثلاث في اليوم (كم كان بودي أن تكون أكثر، لو كان ذلك بمقدوري)، كذلك لا أستطيع وصف الفرح والدهشة اللتين حصلت عليهما في آخر حياتي. كنتُ أشعر، على سبيل المثال، بأن مخي وأصابعي تسعى للقاء مع بعضها، لكي تشكل نقاط اشتباك جديدة، حينما أعطاني (معلمي) قطعة “باسكال” Passcale لهاندل كي ألعبها. “كنتُ مهتمةً بأخذ أشعة الـ “MRI”، أضافت. “أعرف بأن مخي قد تبدل بصورة دراماتيكية”.

{{ملاحظات الجزء الأول}}

(1)في الوقت الذي وصف فيه “أورين دفينسكي” Orine Devinsky و”آل” al “ظاهرة الهلوسة والآلام المبرحة عند عشرة من مرضاهم وإعادة فحص حالات مماثلة لها في الأدب الطبي، تمكن “أولاف بلانك” Oalf Blank وزملائه في سويسرا من مراقبة النشاط المخي للصرع عند مرضاهم الذين ما زالوا تحت تجارب الانفصال الجسدي.

(2) نشرَ “كيفن نيلسون” Kevin Nelson وزملائه من جامعة “كنتكي” Kentucky العديد من المقالات التي تتحدث عن نفس المتماثلات ما بين الانفصال، الأيفوريا (الشعور بالنشاط والخفة) والمشاعر الصوفية لتجارب الاقتراب من الموت، وكذلك تجارب الأحلام والتنويم تحت تأثير الـ REM، وحالات الهلوسة الحادثة عند تخوم النوم.

(3)رَويتُ قصة “فرانكو” في الفصل المعنون “مشهد من أحلامه” من كتابي “انثروبولوجيا فوق المريخ”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق