المؤرّخة التّونسية صوفي بسّيس : نضالي من أجل اللائكية كرّسته لأُقيم تصالحا بين جزأين من ذاتي..

حاولت تجميع أفكاري وذكرياتي : امرأة تنتمي إلى جيل ما بعد الاستقلال، الجيل الذي استطاع بفضل حدث الاستقلال أن يدرس وأن ينفتح في آن على ما يحدث في العالم عموما وفي فرنسا خصوصا، دون أن ينقطع عن الداخل الوطنيّ وهمومه واحتياجاته، أن يعرف قيمة الرئيس بورقيبة وأهمّية قيم الحداثة التي آمن بها وعمل على ترسيخها، وأن يقف في وجه احتكار هذا الزعيم لساحة الفعل السياسيّ وما قام به من إقصاء وانفراد وحكم ذاتيّ شكّل نوعا مخصوصا من عبادة الشخصية..

امرأة نالت من التحصيل العلميّ ما بوّأها أسمى المراتب، واحتضنت قضايا العالم الثالث، وناضلت بصدق لا من أجل مستقبل البشر فحسب بل ومستقبل الكوكب ككلّ. عادت كُلَّ أشكال الاستعمار واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان أينما كان، في إفريقيا، في أمريكا اللاتينية، في فلسطين وفي كل مكان…

امرأة كانت جزءا من مشروع هام، مجلة “جون أفريك”Jeune Afrique التي صدرت منذ الستينات في قلب باريس لتقول حقيقة الوضع في إفريقيا بعيدا عن زينة الساسة وعن تلاعبات سماسرة الاستقلال في القارّتين معا، وتقول الحقيقة عن المحرِّرين الذين صاروا مؤلَّهين، وعن التنمية التي لم تُنمّ شيئا، وعن نزيف القارة السمراء المتواصل..مجلّة كانت مشروعا رائدا وأدّت فيها محاورتنا دورا هامّا طيلة سنوات متعاقبة.

إضافة إلى عشرات المقالات والدراسات، أصدرت صوفي عددا هامّا من الكتب، أوّلها”السلاح الغذائيّ”، ومنها “الحدّ الأخير : العالم الثالث وإغواء الغرب”، “الجوع في العالم”، “الغرب والآخرون : تاريخ من التفوّق”..وغيرها، غير أنّ ما تجدر الإشارة إليه أنّ العديد من هذه الكتب تُرجمت من الفرنسية إلى لغات مختلفة..لا نجد ضمنها اللغة العربية..

امرأة مكّنتها جدّيتها ومثابرتها وابتعادها عن محاولات توظيف العمل الإنسانيّ إلى أعلى المراتب في منظّمات دوليّة جادّة، فهي اليوم المديرة المساعدة للفيدرالية الدّولية لحقوق الإنسان، وهو المنصب الذي كلّفها عديد التهجّمات لكنها كما بدت لنا مرتاحة الضمير.

صوفي بسّيس، ذات الثقافة الفرنسية، تدرس العربية وتصرّ على التحاور بها في لهجة تونسية محبّبة، وتصرّ على أنّ انتماءها إلى تونس فوق الشكوك وفوق الملابسات حتى أنها لم تطلب الجنسية الفرنسية رغم احتضان فرنسا لها عندما تلاعب أهلها وذووها بحقها كتونسية في العمل، خوفا من فقدان الجنسية التونسية العزيزة عليها، ولم تتفرنس إلا بعد تغيير القانون التونسيّ الذي كان يمنع ازدواج الجنسية..

صوفي يهودية الأصل افريقية الهوى تونسية الأرض، فرنسية الخلفية الفكرية، صوفي “الداخل والخارج في آن”كما تقول عن نفسها، لا تجد نفسها تماما داخل أيّ إطار ضيّق مهما كان، ما جعلني أرى فيها نموذجا حديثا لـ”اليهوديّ التائه”.. قابلتها في إحدى الضواحي الجميلة للعاصمة التونسية، فكان هذا الحديث.

{{>السيدة صوفي، لك جنسيتان تونسية وفرنسية، واهتماماتك ظلّت على الدوام متصلة بإفريقيا وتونس، هل هو ملجأ اليهوديّ الذي لا يجد رابطا بدولة إسرائيل ولا يستطيع أن يعود كما كان أجداده، هل هي أزمة انتماء؟}}

>أجدادي موجودون هنا منذ قرون طويلة، وبلدي هو بلدي..ما آلمني هو اعتراض البعض على انتمائي. جدّي كان ليبراليا ويعتبر أنه تونسيّ، بل كان نائبا في المجلس ووزيرا. أمّا والداي فكانا شيوعيين، وقد عشت في وسط كانت الفروق فيه سياسية لا غير، وسط كانت سمته الاختلاط. أنا كنت شيوعية (لم أعد كذلك)، وفي بلدان كهذه كان الشيوعيون فقط قادرين على تجاوز الانتماء الطائفيّ. الحزب الشيوعيّ التونسي هو التنظيم السياسيّ الوحيد الذي انتميت إليه وناضلت فيه، كان ذلك في باريس وكانت لي خلافات معه. مجموعة آفاق لم أنتم إليها رغم قربي الشديد منها وعلاقات الصداقة التي ربطتني بعديد رموزها (أحمد بن عثمان، نور الدين بن خذر، محمد الشرفي..) درست في باريس وهناك أحرزت شهادة التبريز في التاريخ. عدت إلى بلادي لأعمل، كنت من أولى المُبرّزات وتصورتُ أنّ العمل مُتاح، لكن لا أحد كانت له النية في منحي عملا، بعد سنوات أعلمتني صديقة أنه كانت هناك معركة في قسم التاريخ، وفاز من كانوا يرفضون أن أعمل. وهكذا غادرت تونس لإحساسي بألا أحد يريدني. لم تكن لي رغبة في العيش بفرنسا، لأنّ انتمائي إلى الجنوب أساسا، فذهبت إلى إفريقيا السوداء إذ عشت قبل ذلك في صباي سنوات عديدة في الكامرون، ففي شخصيتي بعد إفريقيّ هامّ، وإحساس بالانتماء إلى الفلسفة الإفريقية. أنهيت عملي في الكامرون وذهبت إلى فرنسا، لم أطلب الجنسية الفرنسية لأن ذلك كان يعني وقتها التخلي عن الجنسية التونسية، ولم أطلبها إلا عندما تغيّر القانون التونسيّ وصار مسموحا للمواطن التونسي أن تكون له جنسيتان، كان ذلك في سنة 1980.

وعلى كلّ، كما يقول صديقي محمد حربي”علينا ألاّ ننسى أنّه حين رفضتنا أوطاننا، احتضنتنا فرنسا”.

أنا تونسية، وأنا فرنسية أيضا لأنّ ثقافتي فرنسية، ولغة تفكيري الفرنسية، واللغة التي أكتب بها وأتواصل هي الفرنسية. لكنّ ذاكرتي الحيّة ومراجعي ونقاط ارتكازي هنا : على هذه الضفّة الجنوبية من المتوسّط، وليست صدفة أن تركّزت أعمالي وأبحاثي على الشاطئ الجنوبي من المتوسّط وإفريقيا، ونضالي من أجل اللائكية مثلا كرّسته لأُقيم تصالحا بين جزأين من ذاتي.

أنا مواطنة من هذا العالم، وأتمسّك بمواطنيّتي..ولكلّ انتماء تنسيب : تونسية ولغتي الفرنسية، أعيش في فرنسا وهواي تونسيّ ـ إفريقيّ، فأنا أحبّ إفريقيا وأعتقد أنّ للأفارقة قدرا من التسامح غير متوفّر لدى العرب.

أمّا وضعية “الداخل والخارج في آن ” فهي وضعية من كان مثلي ينتمي إلى أقلّية ـ والأقليات خاصّة في البلدان التي لا تسمح لها بالمواطنة ـ لا خيار أمامها سوى أن تختار العالمية أو الطائفية وكانت العالمية خياري.

{{>السيّدة صوفي بسّيس، لم تتعرّضي في كتاباتك بشكل متعمّق إلى الصراع العربي الإسرائيليّ، لكنّ المأثور عنك هو الموقف الذي اعتبره عديدون تجاوبا مع كتابات الشاعر الفلسطينيّ الكبير محمود درويش، خاصّة في مقارنة الفلسطينيّ بالهنديّ الأحمر}}

>موقفي من القضية الفلسطينية شهد تطوّرا، فلا يمكن في رأيي أن نناقش الآن شرعيّة إسرائيل. أنا لا أؤمن بتوراتية هذه الدولة لأنّني لائكية، كما لا يمكنني أيضا الدفاع عن مقولة تدمير إسرائيل فالدولة موجودة وهذا واقع تاريخيّ وأعتقد أنّ أحد وجوه المأساة في وجود روايتين لا تتفقان ولا تتصالحان لأنّ كلاّ منهما تنفي الأخرى ، فشعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ” شعار كاذب من شعارات الصهيونية لأنّ الشعب الفلسطينيّ كان وما زال هناك.

العرب محوْا البعد الفلسطينيّ في 1948 ولم يعدْ الفلسطينيون إلى السّطح، أي إلى الواجهة السياسية إلا بعد1967 واستطاعوا بنضالهم وصمودهم أن يفرضوا أنفسهم كي يصيروا مرئيّين بحيث أنّ أشدّ المتطرّفين في إسرائيل لا يستطيعون إنكار وجود الشّعب الفلسطينيّ.

كنت مناضلة في الحزب الشيوعيّ التونسيّ ومن أنصار الشعب الفلسطينيّ وكان شعارنا دولة لائكية فيها شعبان، كانت تلك طريقة لإنكار وجود إسرائيل انتقلت بعد ذلك للكفاح من أجل دولتين ليقيني أنه لا يمكن التصالح بين الخلفيتين. وناصرت قيام دولة فلسطين على كامل الأراضي المحتلة سنة
1967 وعقدت آمالا كبيرة على اتفاقيات أوسلو.

مؤخّرا، وربما بتأثير زياراتي الأخيرة إلى المنطقة صرت أرى أنّ حل الدولتين هو الآخر مستحيل، بل أعتقد أنّ إسرائيل تصنع الآن أسباب اضمحلالها، فهناك مستوطنات ومزيج من السكان غير مختلطين، وأذكر أنّ المرحوم فيصل الحسيني كان يقول لي إنّ المستوطنين فيهم غير المسيّسين الذين قدموا إلى هذه الأراضي بحثا عن السكن الرخيص وسيكون من السهل إعادتهم مع تعويضهم، وهناك متطرفون لا يمكن إخراجهم إلا بالقوّة، وهذا غير ممكن اليوم لأنّ 10 في المائة من سكان الأراضي المحتلة سنة 1967 يوجدون في المستوطنات، وإسرائيل تريد اليوم دولة يهودية ولا تريد مغادرة الأراضي المحتلة وتخاف من الذوبان الديمغرافيّ في أغلبية عربية.

{{>ما رأيك في الإلحاح الإسرائيليّ على يهوديّة دولة إسرائيل؟ ألا يهدّد هذا حلم الدولة اللائكية لشعبين؟}}

>هناك تحدٍّ : إذا تواصلت السياسة الإسرائيلية الحالية فإنها لن تؤدى إلاّ إلى دولة أبرتايد، أعني إذا لم يستوعبوا ضرورة دولة فلسطينية الآن فسيكون الوقت متأخرا لأنّ الجغرافية نفسها بصدد التغير، واستحالة الدولة الفلسطينية سيؤدّي بإسرائيل إمّا إلى أن تصبح دولة فصل عنصريّ “أبرتيد” أو إلى الرضوخ إلى حلّ الدولة ذات الشعبين (وهو الحلّ الذي أرتئيه) والذي يمثل بالنسبة إلى عدد من ساستهم كابوسهم الخاصّ.

حلّ الدولة اللائكية الديمقراطية ممكن إذا حارب الديمقراطيون في كلّ من الشعبين المتطرفين هنا وهناك، وأنا شخصيا أؤمن بل أحلم بهذه الدولة لكنني أتساءل كيف يمكن للديمقراطيين هنا وهناك أن يفعلوا ذلك فالظروف الآن غير سانحة : اليمين الدينيّ قويّ في إسرائيل وحركات الإسلام السياسيّ في تصاعد. لكن من ناحية ثانية هناك بعض التقدّم : فالإسرائيليون مجبرون على ترك جزء من أراضي حلمهم بل هناك مؤرّخون إسرائيليون ساهموا في تهافت هذا الحلم بتقويض الرواية التاريخية عن أرض الميعاد.

طيلة عشرين قرنا كان اليهود مضطهدين لأنهم وجدوا أنفسهم في ظروف تجبرهم على ذلك، الآن وجدوا أنفسهم في موضع وفي ظروف تجعلهم مضطهِدين. ومواجهة السياسة الإسرائيلية القائمة على الاضطهاد ضرورة. أمّا تحطيم الرواية التاريخية لإسرائيل فهذا واجب اليهود لا العرب والعكس كذلك.

{{>السيدة صوفي، فضلا عن اهتماماتك في مختلف الكتب والمقالات التي أصدرتها بالمسائل المتعلقة بالتنمية في بلدان العالم الثالث، والمسائل المتعلقة بالفقر والمياه وتوزيع الثروات، نلاحظ أن لك موقفا جازما بأن هيمنة الغرب إلى زوال..فهل لك أن توضّحي ذلك؟}}

>دعني في البدء أوضّح أنّ “العالم الثالث” ليس مفهوما جغرافيا، إذ أنه أُطلق في البدء في الخمسينات من القرن الماضي (مع مؤتمر باندونغ) على مجموعة من الدول لا تنتمي إلى الغرب ولا إلى الكتلة الشرقية. هو قبل كل شيء مفهوم سياسيّ وقد وُلد من رحمين مختلفين، فكلمة الثالث (بالفرنسية Tiers) تحيل إلى فترة الثورة الفرنسية حيث ممثلو الثلثين في المجلس الفرنسيّ لم يكونوا قادرين على فرض توجّهاتهم أمام ممثّلي الثُلث المسيطر أي النبلاء، فالثلثان في حالة المجلس الفرنسيّ أو في حالة العالم الثالث Tiers monde هما لا شيء يريد أن يكون كلّ شيء.

الملاحظة الثانية هي أنّ التفوق الغربيّ ظلّ ملموسا إلى حدّ السبعينات. أمّا اليوم فلا يمكننا الحديث عن عالم ثالث دون أن نقصد بالطبع أنّ الهيمنة الغربية لم تعد موجودة. ففي الثمانينات من القرن الماضي كان يُفترض أن يكون الاتجاه إلى عالم ثالث موحّد وعالم غربيّ منقسم، لكنّ الأمور تطورت في اتجاه آخر، فهناك مسعى توحيديّ للشمال تأكّد بعد سقوط جدار برلين وانحلال الاتّحاد السوفييتي. أمّا بخصوص العالم الثالث، فأيّ تكامل يمكن ملاحظته بين الصين واليمن مثلا أو بين الهند وبوركينافاسو؟ الحقيقة اليوم أن التفوق الغربيّ مازال مظاهرا للعيان : فالولايات المتحدة الأمريكية هي أوّل قوّة عسكرية وثاني قوّة اقتصادية، فيما نجد أوروبا الموحّدة في طليعة القوى الاقتصادية والقدرات العسكرية، ولكن ما تجدر ملاحظته هو أنّ التفوق الغربي يتحوّل اليوم إلى مفهوم أكثر منه حقيقة واقعة، فما يحصل اليوم أنّ هناك إعادة نظر بقوة أكبر مما حصل عند نهاية الاستعمار المباشر التي كانت فترة مهمّة جدا شهدت سقوط إمبراطوريات لتصعد قوى جديدة.

وهذا ما يمكن ملاحظته في يسر عندما نجد دولا مثل الهند والصين والبرازيل ضمن القوى الاقتصادية العشر الأوائل، كما أنّ دراسة لصندوق النقد الدوليّ تتنبأ باختفاء دول من القوى الثماني الاقتصادية الكبرى(G8) مع حلول سنة 2050 ومن ضمنها فرنسا وبريطانيا فيما تحتلّ الصين والهند والبرازيل مواقعها هناك في يُسر.

من جهة أخرى نلاحظ أنّ نسبة التداين كانت كبيرة في دول الجنوب، أمّا اليوم فالعكس صحيح إذ نجد كلا من الصين ودول الخليج العربيّ ضمن المستثمرين الكبار.

فالتفوّق الاقتصادي للغرب لم يعد مُسلّما به، أما التفوّق العسكريّ فهذا هو التفوّق الواضح الذي تثبته الحرب على أفغانستان ثم العراق.

من ناحية أخرى هناك التفوّق الثقافيّ وهو لا يقلّ أهمية، فالعرب مثلا يكرهون الغرب لكن مثالهم الأعلى هو القيم الاستهلاكية الغربية.

ملخص القول: لأوّل مرّة في تاريخ التفوق الغربيّ الذي ظهر في القرن 16 مع غزو الأسبان والبرتغاليين للقارة الأمريكية وحسم الصراع مع الإمبراطورية العثمانية، لأوّل مرة يصبح هذا التفوق ـ حقيقة ـ محلّ شك.

لم يعد متاحا لنا أن نتحدّث عن عالم ثالث، فمصالح الهند والصين مختلفة تماما عن مصالح دول عربية وافريقية. فالصين تثير خوفا غربيا حقيقيا من علاقتها بإفريقيا وعبارة “إنهم يأكلون أسواقنا” هي صيحة الفزع المترددة، كما أنّ الأفارقة من جهتهم يثورون على الصينيين، وتحرّكهم في ذلك مصالح عديدة.

ستكون هناك قوى جنوبية جديدة لإعادة تشكيل العالم منذ نهاية الثمانينات. عالم ما بعد الشيوعية لم يتوضح بعد: إنّه في طور التشكّل.

{{>تقولين ذلك رغم أنّ مسار العولمة يؤكّد تعميق الفوارق وازدياد هيمنة الغرب؟}}

>العولمة مفهوم غامض، نتحدث عنها منذ 15 أو 20 سنة كأنها شيء جديد بينما هي نتاج مسار طويل كان غزو أمريكا بدايته. هذا الانتشار شيئا فشيئا لنظام اقتصاديّ في مسار تاريخيّ اتسم بالبطء ليعرف تسارعا شديدا في العشريتين الأخيرتين. في المرحلة الحالية للعولمة سياقان:

–سياق التحرير التام للاقتصاد بالتخلّص من الرأسمالية الموجهة

–سياق الثورة التكنولوجية (الانترنت ووسائل الاتصال).

والسياقان يقومان بتعميق الفوارق الاجتماعية : داخل دول الشمال هناك ظلم اجتماعيّ ويوجد هناك فقراء أكثر مما كان قبل 30 عاما، وفي دول الجنوب هناك فوارق تعّمقت مع دول الشمال وداخل دول الجنوب نفسها، ليس فيما بينها فقط (الصين في مقابل الصومال) و لكن داخل البلد الواحد: الصين رابحة لكن العامل الصيني البسيط لا يستفيد، والهند رابحة لكن الفلاّح الهندي البسيط ليس كذلك بالضرورة.

والانترنت عامل من عوامل تعميق هذه الفوارق: المضاربات في البورصة صارت في وضع لا يمكنكم مقارنته بما كان يحدث في البورصات منذ خمسين عاما.

ما أؤكّد عليه هو أنّ الحرب على العراق أضعفت بشكل واضح القوة الأمريكية وهي خلافا للحرب الأولى، التي تلت احتلال الكويت، لا يمكن تبريرها قانونيا.

فلا ننس َ أنّ أصالة الغرب تكمن في اختراعه للنسخة المعاصرة لحقوق الإنسان التي لا تنبع من الحقل الإلهيّ بل من الحقّ الإنسانيّ، والأخلاق صارت حقّا لا يمكن تجاهله. ولكلّ إنسان حقوقه من حيث هو إنسان. هذا ما تبلور منذ بداية عصر الأنوار لكنّ الأوروبيين هم أوّل من خان هذه المبادئ. فقام الاستعمار بتعلّة “سنجلب لكم الأنوار”، لكنّ الشعوب الضعيفة المستعمرة استعملت نفس هذه المبادئ لحقوق الإنسان لمقاومة الاستعمار.وماذا يحدث اليوم؟ الغرب يفقد أصالته، فهو ينتهك الحقوق التي أفرزها وبلورها في فترة تشكّله كغرب، وأخذ في إيجاد تبريرات وتعلاّت لمخالفة حقوق الإنسان والتضييق عليها، والخطر الأكبر اليوم في أننا وصلنا إلى درجة من توظيف حقوق الإنسان لا تُحتمل. باسم العالم الحُرّ وضدّ الشيوعية كان الغرب يتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان عند حلفائه، واليوم تعلن حكومة بوش المحافظة الحرب من أجل الديمقراطية باستعمال سياق شبه دينيّ لجعل الآخرين “يعتنقون” الديمقراطية.الخطر أنّ الشعوب ضحية السياسات الأمريكية العنيفة لا تحلّل بل تستنتج “إذا كانت هذه حقوق الإنسان فنحن ضدّها” فمثلما دمّر الاتحاد السوفييتي فكرة الاشتراكية بسياساته، يتمّ الآن تدمير فكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان .و”محاربة الإرهاب” قلّصت مساحات الحرية ومسّت من حرية الأشخاص وأنا أعتبر أنّ غوانتنمو مثلا فضيحة كبرى فربما يوجد إرهابيون معتقلون ولكنهم بشر من حقّهم أن ينالوا محاكمة عادلة. فأنا ضدّ الإرهاب وضدّ توظيف محاربة الإرهاب أيضا .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This