المؤمكن والمؤزمن…والأدب

تنطوي التغيرات الكبرى والسريعة التي صارت إليها البشرية في مطلع الألفية الثالثة، على ثنائيات “موِّجهة” جديدة، نشأ بعضها على أنقاض ثنائيات انتهت صلاحيتها، وإن وجد بعضها الآخر بالتزامن مع بزوغ حقول وميادين وظواهر جديدة، تحتاج إلى محددات وموجهات ملائمة.

إحدى أهم هذه الثنائيات، هي التي تعبر عن الانشطار العمودي في النموذج الفردي والجماعي لإنسان اليوم، إلى قطبين حديين يضمان فيما بينهما عددا هائلاً من التدرجات و التلوينات. هي ما سأصطلح على التعبير عنه  إجرائياً بعبارة”المؤمكن/ المؤزمن”.

 قصدت بالمؤزْمن:( كل فرد أو نمط أو مفهوم مجرد، تتعلق صيرورته بالزمان كثابت قيمة ).

وقصدت بالمؤمْكن:( كل فرد أو نمط أو مفهوم مجرد، تتعلق صيرورته بثابت القيمة المضاد جدلياً: المكان).

 شاب بثياب أنيقة، يقطع ردهة فندق متحدثاً على الهاتف الخليوي:

– يمكننا أن نلتقي في أي مكان، لكن في اليوم الثالث والعشرين من هذا الشهر حصراً، لدي جدول مواعيد حافل حتى ذلك الوقت.

شابة جميلة بالبيجاما المنزلية تتحدث على الهاتف الأرضي:

-ستجدني دائماً في انتظارك، لكن في حلب حصراً، أهلي لن يسمحوا لي بالسفر.

هذا المشهد الذي قد يكون الآن مقطعاً في عمل إبداعي ما، رواية، دراما، سينما، مسرح…قد يكون واقعة حياتية مألوفة في المدى المنظور زمانياً. فكيف تستعد الثقافة، والأدب خصوصاً، لتقبل واحتضان “نمط العيش” الجديد هذا، والتفاعل معه تأثيراً وتأثراً.

ثقافتان متمايزتان:

كانت الثقافة دائماً على ارتباط وثيق بالاجتماع والاقتصاد، لكنها شأن العاملين الآخرين، تدين اليوم بمزيد من الفضل للتكنولوجيا،التي استطاعت بما وفرته من إمكانيات الوصول والتواصل والاتصال، أن تنجز ثورة كبرى على صعيد الكوكب، فحولته في غضون عقود قليلة إلى قرية كونية، بكل ما يعنيه ذلك من انقلاب وتغير وانقطاع، في المفاهيم والقيم والمعايير والأهداف والغايات والوسائل.

 من خلال  شاشات لحظة التحول التي يرى فيها المرء الأزمنة الثلاثة دون أن يكون قادراً على القبض على أيٍّ منها، نستطيع أن نلمح أن صراعاً يدور على مساحة الكوكب وفي الفضاء الافتراضي، بين نزعة التعميم التي تتسلح بها الأنماط الجديدة لفرض نفسها، وبين الذاتوية التي تتمترس وراء قلعة الخصوصية والهوية. فالصراع إذن من حيث المبدأ هو الصراع التقليدي بين القديم والجديد. لكنه يمتاز عما سبقه من صراعات بأن قطبيه يتجليان أكثر فأكثر في صورتين حديتين متناقضتين، هما المحسوس/ القديم، والمجرد / الجديد. الذين يجدان تجسدهما ثقافياً في الرمزين الكبيرين : المكان والزمان.

القديم يتشبث بالمكان بوصفه المحسوس والثابت الذي يُركن إليه؛ ثقافته تستدعي التاريخ بوصفه كان على الدوام معطى مكانيا ليؤازرها، وهي والحال هذه تخص جماعة محلية: إثنية،عرقا، قبيلة، طائفة…. و تنزع ضمن إطارها، إلى التبئير والتجانس، مشددةً على الهوية والأصالة، كأداتين مفهوميتين لوعي الذات والتمركز. و بهدف توكيد الذات تميل إلى ممارسة “إقصائية” حضارية تجاه الآخر/ الآخرين، الذين يقرُّون في مخيالها اللاواعي بمثابة قطع فسيفساء ملونة متجاورة.

الفرد المؤمكن محكوم بنظام اجتماعي ثابت نسبياً، علاقاته داخلية و أفقية. شخصية  المؤمكن وثوقية، تحتفي بطرق عديدة بالموت، فهو أكثر لحظات حياتها كثافة وتعبيراً عن ” مكانيتها”، إنها لحظة خلاصها من الزمن التاريخي الذي يهزم الإنسان منذ الأزل، و انطلاقها إلى الخلود، وهي أيضاً الاندماج الأبدي في المكان الذي سيغدو عنوانها الدائم:القبر.

المؤزمن ليس جديداً بالكلية، بدأ تجميعا توفيقيا لعناصر صلبة نزحت أو انتزعت من ثقافات مكانية مختلفة وتجمعت بالهجرة والعبور، ومع تسارع حركة التواصل والاتصال والمواصلات، تحولت إلى تيار ذاتي الحركة متغاير وسائل، تتماسك مكوناته بما بات يعرف في الدراسات الاجتماعية بالمزج الكريولي    creolizio الذي يشير إلى التقاء المعاني المستقاة من مصادر مختلفة وامتزاجها وحراكها المنسجم في الأمكنة.

شخصية المؤزمن، ذاتوية، فردانية على نحو مفرط، يفقدها كل إحساس بانتماء خارجي، ترفض الولاء والتجنيس، والانتسابات القبْليَّة، ولا تتورع عن إدعاء خلق نفسها…هويتها متغيرة وانتماءاتها سائلة وعلاقاتها خارجية وعمودية. من أهم ممثلي هذه الشخصية رجال الإعلام والأعمال والخبراء التقنيون رفيعو المستوى والفنانون ذوو الشهرة الواسعة.

المؤزمن مشغول بالحياة، كذلك ثقافته، تتوسل المرح و المتعة واللذة والانطلاق، لا يعكرها سوى القلق من زوال كل ذلك… مرةً والى الأبد.

يستجيب الإبداع للظواهر الجديدة بطريقتين مختلفتين؛ الاستشراف والاستباق، والتأمل والتمثُّل المديد. فبأي الطريقتين سيتعامل الإبداع مع هذه الثنائية؟

أعتقد أن الاستباق لم يحدث، فالمبدعون الذين تكونوا في الحقبة السابقة، لم يتمكنوا من التقاط إشارات الوضع الجديد الذي تكون فجأةً و بسرعة خاطفة. وبسبب هذه السرعة أيضاً لا يمكننا أن نتحدث عن تأمُّل.

الإبداع المؤزمن سيصنعه مبدعون تكونوا داخل الحالة الجديدة، وسيكون على شاكلة حياتهم، مباشرا وآنيا ومنخطفا و لذائذيا وبلا مكان ولا ذاكرة.

النص المؤزمن بشكله الصرف لم ينتج بعد… لكن هذا الحكم لن يدوم طويلاً، وثمة إرهاصات تؤكد ذلك.

استعير هنا مفهوم الانخطاف من “ميلان كونديرا” لأوصف تلك الإرهاصات. يقول:”يعني الانخطاف أن يكون المرء خارج نفسه،وأن يكون المرء خارج نفسه لا يعني أن يكون خارج اللحظة الحاضرة، مثل الحالم الذي يهرب إلى الماضي أو الحلم بالمستقبل. بالضبط هو النقيض: الانخطاف هو التوحد المطلق مع لحظة الحاضر والنسيان الكامل للماضي والمستقبل… الناس في حفلة الجاز يصفقون، وهذا الفعل يعني أنني أنصت إليك بعناية والآن أعلن تقييمي لك. مع موسيقى “الروك” القواعد تغيرت. جمهور حفلات “الروك” لا يصفق. التصفيق يضع مسافة نقدية بين العازفين والمتلقين، نحن ما جئنا هنا كي نحكم أو نقيم ، بل لنستسلم للموسيقى، نحن حضرنا هنا لتحقيق التوحد لا الاستمتاع ، التدفق لا الابتهاج ..نحن ندخل حالة الانخطاف هنا….ولن يكون هنا أزواج، كل شخص يتحرك بطريقته الخاصة لوحده ومع الجمهور في آن، فالموسيقى تحول الجمهور إلى جمهور واحد جمعي”.

لا نستطيع أن نحكم على شكل الأدب المؤزمن ومضمونه بدقَّة. لكننا نستطيع أن نعرف عنه ما يعرف عادة بالسلب من النقيض، وهو هنا الأدب المؤمكن بصيغته التاريخية.

فنحن سنقرأ بالتأكيد نصاً متحرراً من “سرديات” المكان و ثيماته ودلالاته ورموزه خاصةً على صعيد الهوية والانتماء، في صيغة أدب عابر، فوقـ ـ مكاني. وعلى خلاف الأدب الذي نشأ في ” مكان ” وانتشر عبر الأزمنة ، فإن الأدب المؤزمن سينشأ في ” لحظة ما” لينتشر في الأمكنة. بالطريقة التي تكوّن عبرها الإبداع اللاواعي، أي الأسطوري يوماً ما وانتشر، حيث المكان الميتافيزيقي للآلهة. وهو أدب سيفقد بكل تأكيد محفزات إبداعية كانت مهمة على الدوام، كالحنين ، الذي لن يكون مفهوماً قط لدى “مؤزمن” بلا ذاكرة، ولن يكون مؤلماً لمؤمكن في ظل امكانية التواصل والاتصال المدهشة التي لا تدع أي مجال للاغتراب.

على الجانب الآخر من العملية الإبداعية، النقد، لا ندري أيضاً ما سيكون مصير مفاهيم أساسية في نقد المنجز الإبداعي وتحليله وتفسيره، ستفقد أحكام مثل أحكام باشلار عن” البيت الذي يشبهنا ونشبهه” و”علاقة الغرام بين الجسد والبيت الأول” قيمتها مادام المبدع مفصولا عن البيت بالترحال، أو أن البيت محجوب عنه بالوسائل السمعية والبصرية التي تأخذه إلى أماكن لا تشبه البيت مطلقاً.

لست هنا بصدد التبشير أو التقرير، لكن فيما لو صحت الفرضيات التي انطلقنا منها، فإن الحقبة القادمة من تاريخ الأدب هي بلا شك حقبة الأدب المؤزمن. فحقائقنا المستقاة أساساً من وعينا الطبيعي تؤكد أن أحماض الزمن تذيب المكان في نهاية الأمر.

 
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق