المئذنة تعبير دينيّ حضاريّ
ردّ على تعليق للأوان
محمّد نور الله

– {{إنكار العدل في أي مكان يقوض العدل في كل مكان – م ل كينغ}}

يبدو موضوع حظر بناء المآذن في سويسرا أقل اشكالية من مواضيع أهم للمسلمين (كموضوع حظر النقاب في فرنسا مثلا) لأنه لا يتعلق بفرض ديني كالنقاب (كما يعتقد البعض بأن النقاب فرض).

المئذنة ليست فريضة دينية ولا سنة ولا شعائر بل شكل معماري دخل في وقت متأخر عن النبي إلى العمارة الاسلامية وأصبح يعبر عن دار العبادة الإسلامي. لكن القرار السويسري بالاستجابة للاستفتاء (والاستفتاء أصلا لإيجاد قرار) لا مبرر واضحا له ولا سبب حقيقيّا سوى الجنوح إلى اليمين الذي استغل رد فعل الأوروبيين مؤخرا تجاه الإسلام. وهو قرار يمس فعلاً جانبا من الحرية في أوروبا وإن كان لا يمس فرضا ديني.

لم أفهم لماذا اعتبر محرر / محررة (الأوان) أن هذا القرار يمكن تفهمه على أساس أن المآذن يعلو صوتها بشكل مزعج. ارتفاع الصوت يحل بمنع الأذان المرتفع (وأغلب ظني أن الأذان المرتفع الصوت اصلا ممنوع في سويسرا) ولا يحل بمنع إقامة مئذنة. السبب والنتيجة مختلفان، وكان على أحد ما أن يشرح هذا الشيء حتى للسويسريين أنفسهم إن كانوا فعلا يخشون الصوت المرتفع. بل أعتقد أنهم عندما صوتوا لم يكن دافعهم ارتفاع صوت الأذان. ألا يمكن أن يرتفع الصوت من مسجد بلا مئذنة؟

أمّا الحديث عن وسط عمراني غريب فلم يبد في السؤال. كان السؤال واضحا حين قال (تهديد للثقافة والخصوصية السويسرية). وهنا يجب تعريف الثقافة السويسرية.. هل هي (اللاإسلامية)؟ واذا كانت كذلك، فكيف يفسر وجود مسلمين سويسريين؟ أليسو مواطنين سويسريين؟ اذا كانت الثقافة السويسرية لا تقبل ديانة ما دون غيرها فنحن نتحدث إذن عن حقوق أهل ذمة بشكل ما. الحقيقة أنه لا يجب غضّ النظر عن أسباب تصويت السويسريين لهذا القانون. التوجه الذي أخذه أكثر من نصف السويسريين يعني أن هناك خلفية إسلاموفوبية وراء قرارهم هذا رغم أن سويسرا تعد من الدول المتسامحة حتى بين دول أوروبا.

آتي على ذكر موقف برنارد كوشنير حين صرح قائلاً ( عن وكالة الصحافة الفرنسيّة):
(( وقال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير إنه «صُدم قليلاً بهذا القرار السلبي بالنسبة لقلق السويسريين أنفسهم لأنه إذا كنا لا نريد بناء مآذن فهذا يعني أننا نقمع ديانة». وأضاف «آمل أن يتراجع السويسريون عن هذا القرار بسرعة»، مؤكداً أن هذا التصويت «يعبر عن عدم التسامح وأنا أكره عدم التسامح».
ورداً على سؤال لمعرفة ما إذا كان يؤيد منع البرقع في فرنسا، قال كوشنير إنه «لا يعرف». لكنه أضاف أن «البرقع يمثّل مساساً بحقوق المرأة التي يجب حمايتها». واعتبر أن البرقع «تقييد لحريتها وفي المكاتب العامة أعتقد أنه يجب رفضه. الآن يتجولن بالبرقع في الشارع، هذه حرية إضافية».))

وهو محق برأيي في تصريحه. المئذنة أمر مختلف تماما عن النقاب، النقاب يمثل انتهاكا لفردية الإنسان وانتحارا اجتماعيّا للمرأة، وفتح باب لقمعها والغاء شخصيتها. لكن أين المشكلة في المئذنة؟ أظن أن الطابع العمراني أعلى وأرقى درجات التعبير عن المعتقد وتمثيله، وأكثرها سلما وحضارة. السماح بوجوده يمثل فعلا احتضانا للتعددية ورقيّا أيضاً في رأيي.

أخيرا أسأل السيد/السيدة المحرر، ألا يمكن نقد كلام شيخ الأزهر وموقفه من الأقليات وبيته (الزجاجي فعلاً)، ومع ذلك نقد الموقف السويسري من الأقليات بشكل صريح ؟ ومتى كانت الحقوق الانسانية تقسم؟ المحرر/المحررة انتهى إلى أن المئذنة ليست من أركان الإسلام وما دام القانون يسمح لهم بالعبادة والشعائر اذن فليصمتوا أجدى لهم ومن صالحهم. حسن جدا.. وفي كثير من الدول المسلمة والعربية يسمح القانون لأقليات بممارسة شعائرهم، فهل هذا يعني أن يصمتوا عن حقوقهم الأخرى؟ أوليس من مصلحتهم أيضاً أن لا يقوموا بإثارة هذا الأمر؟

لا يحدد المطالبة بالحق كون هذا الحق فرضا دينيا أو شعائر أم لا، بل احترامه لحق الآخر وعدم التعدي عليه أو على المجتمع. لا يحدد الحق أيضا انتماء الفرد الديني، فهو مسلم ولكنه يملك حقاً كما عليه احترام حق غيره واذا كنا نلوم المسلم على عدم احترامه لحق الآخر فكيف نغض الطرف عن ادانة انتهاك حقه؟

ربما على السويسريين العودة وتذكر الليبرالية بتعريفها الأساسي: لكل إنسان أو مجموعة الحرية التامة باتخاذ قرار أو تصرف وتحمل مسؤوليته طالما أنه حتما لا يؤثر سلبا على حرية أو وجود فرد أو مجموعة أخرى. من هذا المنطلق يكون الصوت العالي للأذان تعدّيا على حق الآخر، والنقاب وإن كان يعتبره البعض فرضا لكنه تعد وأذية لشخصية الإنسان (المرأة) ، أما المئذنة فهي وإن لم تكن فرضا فهي لا تسيء لأحد ولا تؤذي أحداً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق