الماضي كأفيون ضروري… الماضي باعتباره حاضراً

 ماذا يعني أن أعرّف نفسي كفرد؟ أو أن نعرّف أنفسنا كجماعة، انطلاقاً من الماضي؟

ماذا يعني أن يتعلّق وجودي كإنسان، وكهويّة بالماضي؟ إنّ هذا يجعل أسئلتي ومغامرتي الفكريّة محصورة بالماضي، ويعطّل إمكانيّة عيشي في الواقع الرّاهن، وهو ما يلغي كلّ إمكانيّة للحياة الواقعيّة، وكلّ إمكانيّة للتقدّم باعتبار الرّاهن حالة منفتحة ومتمدّدة باتّجاه المستقبل.

 إذا تمّ اعتبار الماضي حاضراً، تكون كلّ إمكانيّة للتقدّم النّفسي أو الفكري على مستوى الفرد والمجتمع مستحيلة، ويمسي مجال التقدّم الفكري في حقل الثّقافة باعتبارها منتجا للماضي مستحيلاً بدوره، يبقى التقدّم ممكناً فقط في حقل الفكر المجرّد كالرّياضيات والألسنيّات والفيزياء وفي العلوم الماديّة عموماً.

 يصبح الماضي كحاضر أو الحاضر كماض، حالة عطالة إبداعيّة، وتعطيل نفسي وفكري، أدّت في حالات كثيرة وفي كلّ المجتمعات إلى تخلّف مادّي شامل، على الرّغم من بقاء الجانب الرّوحي حيّاً وفعّالاً باعتباره أهمّ مجالات الماضي، ومع أنّ حقل الرّوحانيّات المجرّدة عن الأديان والعقائد تحديداً حقل مفتوح عابر للزّمن، لا يمكن أن يكون مرتهناً للماضي فحسب.

 إنّ الماضي ليس حاضراً فحسب، بل هو الفاعل الجوهري في الكيان النّفسي للإنسان، وفي المجتمعات، وفي مجال آخر كالثّقافة مثلاً، تتعيّن الثّقافة كماض فحسب، بل تتعيّن كلّ المنتجات اللاماديّة وفق ما سبق، فكلّها حصلت في الماضي رغم أنّها تحصل حالما يتمّ استذكارها أو الحديث عنها، يُعاد إنتاجها وحضورها لكن كمقدّس أي كماض، هذا يعني أنّ ما ننوي فعله أو إنجازه في كلّ مجالات الحياة لا يدخل ضمن الثّقافة لأنّ الثقافة هي ما تمّ، وليس ما سيتمّ.

 لنتأمّل ولنمعن… لنفترض مثلاُ أنّي الآن أعيش اللّحظة، اللّحظة التي عبرت للتوّ منذ كتابتي هذا المقال أو منذ قراءتي له، أصبحت ماض، وما هو بعد دقيقة أو أكثر هو المستقبل، ماذا أنتجت الآن؟ لقد كتبت أو قرأت سطران، فما أنتجته أو استهلكته صار من الماضي، الفكرة كذلك أصبحت من الماضي، لهذا كلّ ما أملكه من أفكار وثقافة هي حصيلة ماض، ثقافة أنتجها آخرون في الماضي وجهد مارسته لأحصل به على هذه الثقافة وقد فعلت كلّ ذلك في الماضي.

 لا صلة لي بهذا الماضي إلا بخيط يوصلني به، هذا الخيط الممدود يأكله الماضي كلّ لحظة، خيط آتي به من المستقبل يعبرني اللحظة، اللّحظة التي هي الحاضر الوحيد، يحترق كلّ لحظة، الماضي هو الاحتراق، ليس بمعنى النّفي والغياب ولكن بمعنى الثّبات والتكوّن والتخمّر، بدليل أنّ الماضي يتحوّل دوماً كلّما ابتعد، كلّما فكّرنا به من جديد، يشبه الحرباء التي تتّلون وفق محيطها.

 هذا الحضور العميق للماضي في حياتنا وأذهاننا أمر واقع، لكنّ العقل ليس حالة تفكير بالماضي وتذكّر فقط، العقل أيضاً هو حالة توقّع وتأمّل بالحاضر الموصول بالمستقبل، الخيط نفسه الذي يحترق، الخيط الذي يحرقه الزّمن ويحيله إلى ماض، هذا الخيط نفسه ينبع من المستقبل، فالحاضر هو ابن المستقبل، لذا من يتجاهل المستقبل كأنّما يتجاهل والديه أو لا يعترف بهما.

 للأسف نحن لسنا سوى كائنات الماضي، بالمعنى النّفسي فرديّا وجماعيّا، من هنا فإنّ وجودنا مرتبط بالماضي، واعتبار الماضي جنّة لنفوسنا كأفراد وجماعات، يجعل هويّتنا مرتبطة بالماضي أيضاً، وهو ما يعطّل الحاضر ويلغي المستقبل من حقل اهتماماتنا النفسيّة والفكريّة.

 لقد عاشت البشريّة في خمرة الماضي كفكرة وفردوس مفقود يزداد جمالاً كلّما ابتعد في الزّمن، كحاجة للفرار من آلام الرّاهن، كتعزية عن الوجود الصّعب، والوجود صعب في كل حالاته لمن يفكّر. كان الصّمت المتوفّر في حياة المجتمعات الريفيّة كافياً للتأمل الذي يكشف دوماً عن الألم، لذا أصبحت السّعادة مرادفة للانشغال عن الرّاهن، بقدر ما كان الألم مرادفاً للتفكير فيه، من هنا كان العمل النتيجة الأولى للهروب من الماضي، للهروب من الألم.

 لعلّ اللغة العربيّة تكشف هذه العلاقة بين حروف الكلمتين: العمل والألم، تشابه في الحروف وفي الحالة؟ هكذا بقدر ما كان الرّاهن مؤلماً صار الألم أسلوبا للهروب من الرّاهن والمستقبل، ودافعاً للسّفر إلى الماضي واستحضاره كأفيون ضروري ولازم لعبور الرّاهن، أفيون يساعد على “الغياب”، بأقل الخسائر الممكنة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق