المبادئ الاخلاقية مشروطة بثقافات مجتمعاتها

افترض أنّك اختلفت مع أحدهم في نقاشٍ ما وليكن عن استحسان العيش في مجتمع يتحدّد فيه مستواك المادي بمبلغ المال الذي تملكه عند ولادتك، وبمتابعتك لهذا النقاش فأنت تفترض بأنّك محقّّ والآخر مخطئ، بينما يظنُّ مشاركك في هذا النقاش أنّك مخطئٌ بفداحة، أي كلاكما يعتقد أنّ جانباً واحداً قد يكون على حقّ. يرفض النسبيّون هذا الادّعاء ويعتقدون بأنّ كلّ المعتقدات الأخلاقيّة المتضاربة قد تكون على حقّ. فالاشتراكيّ الصلب والملكيّ المخلص كلاهما على نفس المستوى من الصواب، والمسألة هي اختلافٌ في النظرة الأخلاقيّة لا غير.
انتُقد المذهب النسبي كثيراً واُتِّهم بأنّه مذهب ثانوي وهدّام بل وغير متماسك أيضاً. إذ يحاول الفلاسفة الأخلاقيّون وعلماء الدّين وعلماء الاجتماع تحديد وتعريف القيم الموضوعيّة في محاولةٍ منهم لإحباط تهديد المذهب النسبي إلا أنّني أعتقد أنّ هذه الجهود فشلت فالنسبيّة الاخلاقيّة مذهبٌ مُدركٌ بالعقل يتضمنّ تضميناتٍ هامّة عن كيفيّة إدارتنا لحيواتنا وتنظيم مجتمعاتنا وتعاملنا مع الآخرين.

الاختلافات و دلالاتها:
تختلف الاخلاق بصورة ملحوظة باختلاف الزمان والمكان، فالخير عند جماعةٍ ما قد يكون شراً لدى أخرى. لنأخذ أكلة اللحم البشري بعين الاعتبار، فقد مورست هذه العادة من قبل جماعات في كلّ أجزاء المعمورة، وقد وجد الأنتروبولوجي بيغي ريفز ساندي أنّ 34% من الثقافات مارست هذه العادة. أو لننظر الى مسألة الرياضات الدامية كتلك اللتي مورست في المدرجات الرومانية حيث كانت تشهد إقبالاً من الآلاف من الجماهير المتحمّسة لمشاهدة اثنين من البشر منهمكين في قتال حتّى الموت. كما قامت ثقافاتٌ عُرفت بثقافات جمع الجماجم بتوثيق ما يسمّى بالقتل من أجل المتعة، حيث كان فصل الرأس عن جسده ممارسةً استجماميّة. ومارست عدّة مجتمعات بالإضافة لما ذكر طقوساً متطرِّفة من التعذيب والإعدام العلنيين كما كانت الحال في أوروبّا قبيل القرن الثامن عشر.  وهناك مجتمعات تظهر فيها أشكالٌ مؤلمة ممّا يسمّى بالتحوير الجسدي من تشطيب الجلد أو ختان المناطق التناسليّة أو تضميد القدمين وهو ما مورس في الصين لأكثر من الف سنة بما سبّبه من شلٍّ مؤلم ومتعمّد للفتيات اليافعات حينذاك.


واختلاف المواقف من العنف الجسدي يترافق مع اختلاف المواقف تجاه الجنس والزواج، فقد وجد علماء الأنتروبولوجيا عبر دراساتهم لمجتمعات مستقلّة ومعزولة ثقافياً أنّ أكثر من 80% منهم يبيحون تعدّد الزوجات، كما أنّ الزواج المدبّر منتشر بصورة واسعة وبعض الثقافات تشجّع تزويج الفتيات وهنّ لا يزلن في سنّ الإحتلام أو حتّى أصغر. فنصف الفتيات، في بعض أجزاء أثيوبيا، تزوّجن قبل إتمامهن لعامهن الخامس عشر.


بالطبع هناك تشابهات أيضا بين الثقافات فيما يخص المثل الأخلاقيّة، فلن تدوم أيّة جماعة إن شجّعت على غزو جيرانها من دون مبررات أو إن لم تشجّع على تربيّة الأطفال. إلا أنّ كلّ شيء محتمل ضمن هذا النطاق الواسع من الحدود الأخلاقية، فبعض الجماعات البشريّة تحظر على الفرد الاعتداء على الكوخ المجاور له لكنّها تشجّع الاعتداء على القرية المجاورة، وبعض الجماعات تشجّع الأبوين على الوأد و تطبيق العقاب الجسدي على الأطفال أو اكراههم على العمل أو الدعارة.


هذه الاختلافات تستلزم التوضيح، فان كانت القيم الأخلاقيّة قيم موضوعيّة أليس من المفروض أن نلحظ تقارباً أكبر فيما طُرح سابقاً؟  يردّ هنا دعاة الموضوعيّة بطريقتين مختلفتين:
الردّ الأول ينفي هذه الاختلافات: "يقول بعض الموضوعيين أنّه تمّت المبالغة كثيرًا بشأن هذه الإختلافات،إذ  يتّفق الناس بالفعل فيما يخصّ القيم الأخلاقيّة لكنّ الإختلافات في ظروفهم الحياتيّة و معتقدات واقعهم تقودهم للتصرّف بصورة مختلفة، فمن الممكن أنّ مالكي العبيد اعتقدو أنّ عبيدهم كانوا أدنى منهم فكريّاً، وأنّ الأسكيمو كانوا مجبرين على وأد أبنائهم نظراً إلى ندرة الموارد في سهول التندرة التي يعيشون فيها." لكن ليس من المعقول ابداً تفسير جميع الاختلافات في القيم الاخلاقية على هذا النهج. فببساطة، نادراً ما تبرر الإختلافات المزعومة في الظروف الحياتيّة والمعتقدات الواقعيّة السلوك المطروح موضع المسائلة، فهل من المبرر استعباد جماعة ما بسبب انخفاض مستوى أفرادها الفكري؟ وإن كان العيش في السهول القاحلة مبرراً للوأد فلم لا نكتفي بإبادة الأطفال المُعدَمين في كافّة أنحاء العالم بدلاً من التبرّع للجمعيّات الخيريّة؟ اذاً فالاختلافات في الظروف المعيشيّة لا تعني أنّ الناس يتشاركون في المثل، هي فقط تساعد، أيّ الظروف، في تفسير الوصول إلى هذا الحدّ من الإختلاف.


أمّا الرد الثاني فينفي أهميّة هذه الإختلافات: "يجادل الموضوعيّون الذين أقرّوا بوجود الإختلافات بأنّ هذه الإختلافات لا تستلزم صحّة المذهب النسبيّ، أي و بالنتيجة، تختلف النظريات العلمية أيضًا ونحن لا نفترض صحّة كلّ النظريات." هذا قياس فاشل، إذ يمكن تفسير الإختلاف في النظريّات العلميّة بالملاحظة غير الكافية أو سوء المعدّات المستخدمة، والتحسّنات الطارئة في كلّ نظريّة تقود نحو التقارب ليس الإختلاف، وتحديد الأخطاء العلميّة يُلحَق دائماً بالتصويب، أمّا فيما يخصُّ المبادئ الأخلاقيّة فلا يتمّ تعقّب الاختلافات بالملاحظة، ولا يوجد أي دليل للتقارب العقلاني كنتيجة للنزاعات الأخلاقيّة. فالنخاسة الغربيّة لم تنتهي بسبب نتائج علميّة جديدة بل انتهت بحدوث الثورة الصناعيّة التي مهدّت الدرب لنظامٍ اقتصاديٍّ مبنيٍّ على الأجور. وفي الحقيقة لقد أصبحت العبودية أكثر شيوعاً بعد عصر التنوير، أي بعد تقدّم العلم، ويوضح لنا بنيامين سكينر أنّه بالرغم من فهمنا الحديث للعدالة العرقية لكن في الواقع يعيش عدد أكبر بكثير من الناس في العالم تحت نير العبوديّة منه ما كان أيّام تجارة الرّق عبر الأطلسي. أمّا عندما تتلاقى القيم الأخلاقيّة لعدّة مجتمعات فذلك يكون عادةً نتيجة سيطرة طرف على الآخر – كما حصل في الحملات التبشيريّة لإنهاء ظاهرة أكل اللحم البشري. وبالنسبة للأخلاق، على خلاف العلم، لا يوجد مقياس واضح من الممكن استخدامه للإختبار أو للتأكيد أو التصويب إذا ظهر تعارضٌ ما.
هنا قد يردّ دعاة الموضوعيّة بأنّ عمليّة التحسّن قد تمّت في مجال الأخلاق، أليست مثلنا أفضل من التي تمّ تبنيها في تلك المجتمعات ’البدائيّة’ الممارسة العبوديّة والمقتاتة بلحم البشر والمبيحة لتعدّد الزوجات؟ بافتراضٍ كهذا نكون قد تصرفنا باستعلاء، فكلّ ثقافة تدّعي بأنّها تمتلك الحقيقة الاخلاقيّة، وإذا نظرنا من منظورٍ خارجي فتقدّمنا قد يبدو تراجعاً، أنظر الى مشاريع مزارع الحيوانات الأشبه بالمصانع والخراب البيئي  وأسلحة الدمار الشامل واستغلاليّة النظم الرأسماليّة  والعولمة القسريّة وعزل الأقليّات في ضواحي المدن وإرسال الأقرباء المسنّون إلى دور العجزة، قد يبدو أسلوب حياتنا مشوّهاً للعديد من الأجيال السابقة وحتّى اللاحقة أيضاً.

اكتساب الأخلاق: العواطف والتلقين:
من أجل تفسير أوضح للتنوّع الأخلاقي نبدأ بالافتراض بأنّ الأخلاق، بخلاف العلم، ليست مبنيّة على العقل والملاحظة، إذاً علام بُنيت الأخلاق؟ للإجابة لابدّ من التأمّل في عمليّة تعلّم الأخلاق.
يبدأ الأطفال بتعلّم القيم في سنّ مبكّرة، قبل أن يتمكّنوا من التفكير الفعّال. فحديثوا السنّ من الأطفال يقومون بتصرّفات يصعب علينا استباقها كبالغين فهم يصرخون ويضربون ويخمشون ويتقاذفون بالاطعمة ويخلعون ملابسهم في العلن ويعضّون وبصورة عامّة يحدثون الجلبة والضجيج، والتربية الاخلاقيّة تبدأ من الصفر عندما يقوم الآباء بتقويم هذه التصرّفات غير الأخلاقيّة ويكون ذلك عبر إشراط تصرّفاتهم عاطفياً، فالآباء يهدّدون بالعقاب الجسدي (هل تريدني ان اصفع قفاك؟) ويحجمون العطف عنهم (لن العب معك بعد الان) ينفونهم (اذهب الى غرفتك) يحرمونهم من ملذّاتهم (لا حصة لك في الحلوة اليوم) ويُشعرونهم بالأسى (انظر لما سبّبته من ألم). إنّ كلّ أسلوب من الأساليب المذكورة يتسبّب بعاطفة سلبيّة عند الطفل المذنب فيقوم بربطها بالسلوك المسبّب للعقاب، ويتعلّم الأطفال أيضاً باسلوب التنافذ العاطفيّ، فهم يرون ردود أفعال آبائهم تجاه نشرات الأخبار وقصص الأطفال، ويسمعون الكثير من الثرثرات الناقدة ربّما عن جيرانٍ طائشين أو زميل لا أخلاقيّ أو صديق خوّان أو أيّ فرد مكروه في العائلة. يحاكي الأطفال ما يبديه الأهالي من مشاعر بمهارة مع إضفاء صفة الذاتيّة لها وفي سنّ أكبر يحاكون أقرانهم.


والإشراط العاطفيّ والتنافذ ليسّا مجرّد وسائل متوافقة فيما يخصّ اكتساب القيم بل هما وسيلتان جوهريتان. ويحاول الآباء أحياناً استخدام العقل مع أبنائهم لكنّ النقاش في مجال الأخلاق ينجح فقط بالتطرّق الى القيم التي اكتسبها الطفل مسبقاّ من خلال الإشراط العاطفيّ، فلا يمكن توليد أيّة قيمة أخلاقيّة مهما طالت المحاججة لأنّها في أسسها، أي القيم الأخلاقيّة، سلوكات عاطفيّة.


وتدعم الأبحاث الحديثة في مجال علم النفس هذا الحزر، إذ يبدو أنّنا نقرّر إن كان شيءٌ ما خاطئاً باستبطان مشاعرنا: فبشعورنا بالسوء حيال عمل ما نقرّر أنّ هذا عمل خاطئ، وعلى هذا فإن أحكام الناس الأخلاقيّة تتغير بتغيير حالتهم العاطفيّة. على سبيل المثال لاحظت عالمة النفس سيمون شنال هي وزملائها أنّ تعريض الناس للروائح الكريهة والمناظر القذرة او لأفلام مقرفة يجعلهم يصدرون أحكاماً أكثر قسوة من المعتاد تجاه مواضيع غير متعلّقة بما تعرّضوا له.


وعالم النفس جوناثان هايدت يبيّن أنّ الناس يصدرون أحكاما أخلاقيّة حتى إن كانوا غير قادرين على تبريرها، كمثال فإن 80% من الطلاب الجامعيين الأمريكيين في الدراسة التي أجراها هايدت قالوا أنّه من الخطأ لأخوين أن يمارسا الجنس حتى وإن كان برضا الطرفين وإن استخدموا وسائل منع الحمل وضمنوا ألا يتأذى أحد. وفي دراسة أجريتها أنا وافق 100% من الناس على أنّه من الخطأ مداعبة طفلٍ صغيرٍ جنسياً حتى إن لم يتأذى الطفل لا جسدياً ولا نفسياً، حيث تؤكّد عواطفنا على أنّ هذه أفعال خاطئة على الرغم من كون التبرير المعتاد الّذي نقدّمه لهذا الحكم (المرتبط عادةً بالأذى اللاحق بالضحية) تبريراً غير مناسب.


وبما أن أخلاقنا تقوم على أسس عاطفيّة لذا فاولئك الذين لا يتمتّعون بعواطف قويّة لابدّ أن يكونوا جهلةً في مجال الاخلاق. يتم التأكيد على هذا التكهّن من قبل المضطربين نفسيّاً الذين يبدون معاناةً من نقائص عاطفيٍة عميقة. إذ يبيّن لنا عالم النفس جيمس بلير أنّ المضطربين نفسيّا يعتبرون المبادئ الأخلاقيّة مجرّد تقاليد، وهذا يوصلنا إلى أنّ العواطف ضرورية لإصدار الحكم الأخلاقي وأنّ الأحكام الأخلاقيّة هي ردود عاطفيّة.

هذا لا يعني أنّ كلّ ردّ فعل عاطفي يُعتبر حكماً اخلاقياً فالمبادئ الأخلاقيّة تقتضي عواطف محددة، إذ تشير الأبحاث الى أنّ العواطف الاخلاقيّة الرئيسة هي الغضب والقرف عندما يقوم شخص آخر بفعلٍ ما والشعور بالذنب والخزي عندما يقوم المرء نفسه بالفعل. وجدلياً، لا يضمر المرء موقفاً أخلاقياً تجاه أحد  الأشياء ما لم يكن ميالاً ليملك كلا العواطف الموجّهة من قبل ’ذاته’ او من قبل ’ الآخر.’ فقد تشعر ب"القرف" عند أكل لسان بقرة لكنّك لن تشعر ب"الخزي" عند القيام بهذا الفعل إلا إن كنت نباتيّاً من حيث المبدأ.


في بعض الحالات يمكن إعادة تكييف بعض العواطف الأخلاقيّة التي تمّ تكييفها في الطفولة، فبعض الذين يشعرون بالخجل من رغباتهم المثليّة قد يشعرون بالخجل فيما بعد من شعورهم بالخجل ذاك، فهؤلاء قد توجد لديهم نزعة مغروسة في أذهانهم ينظرون من خلالها للمثليّة الجنسيّة على أنّها أمرٌ غير أخلاقيّ ولكن هناك نزعة أخرى بأن هذه المثليّة أمرٌ مباح، والنزعة الثانية هنا تعمل على تطويق الأولى وقمعها.
طبعاً هذا لا يعني أنّ التفكير المنطقي لا علاقة له بأخلاق المرء، فمن الممكن إقناع شخص ما بأنّ الهوموفوبيا )عداء المثليين) أمر خاطئ باستخدام العقل في المقارنة بين الهوموفوبيا وأشكال أخرى من السياسات التفريقيّة، لكنّ هذه الاستراتيجية قد تنجح فقط إذا كان لدى الشخص المعني عاطفة سلبيّة تجاه التعصّب بصورة عامة، كما يمكن إقناع شخص ما من خلال الإكثار من استخدام المنطق بأنّ من الخطأ أكل اللحوم، لكن الحجج الوحيدة التي قد تعمل هنا هي تلك التي تلتمس عواطفاً مسبقة في الشخص المعني، فالجدال حول مبدأ النباتيّة جدالٌ عقيم إن كان مع شخص لا يرفّ له جفن من فكرة قتل الأبرياء أو أيّ مخلوق ذي حسّ. كما قال ديفيد هيوم: العقل دائماً عبدٌ للعواطف.


وفي ضوء ما ذكر نجد أنّ لدينا مجموعة من القيم القاعديّة المشروطة عاطفيّاً ومساحة معيّنة للعقل تسمح لنا بأن نمدّ هذه القيم نحو مسائل وحالات جديدة، هذا يعني أنّ لدينا استنتاجين مهمّين:
الأوّل يقضي بعقم بعض النقاشات الاخلاقيّة لاختلاف القيم القاعديّة عند طرفي النقاش، وهذه هي الحال بين المحافظين والليبراليين، إذ تقترح بعض الدراسات أنّ المحافظين يعظّمون من شأن أمورٍ قد تبدو أقلّ شأناً في نظر الليبراليين، كالبنى الهرميّة للسلطة والاعتماد على الذات والتضامن الجماعي والطهارة الجنسيّة، ونتيجة لهذه الاختلافات الجوهريّة فإن النقاش في أمور الشؤون الاجتماعيّة والسياسة الخارجيّة والقيم الجنسيّة تصل الى أوضاعٍ حرجة.


الاستنتاج الثاني هو أننا لا نستطيع تغيير القيم القاعديّة باستخدام العقل فحسب، قد تتمكن أحداث مختلفة بعد سنّ البلوغ من إعادة تشكيل احساساتنا المغروسة كالصدمات العاطفية وغسيل الدماغ أو الانصهار في مجتمع جديد ( لدى الإنسان ميلٌ لاواعٍ نحو الانسجام الاجتماعي) ، أمّا العقل فيمكن اللجوء إليه لإقناع الناس بالحاجة إلى مراجعة قيمهم القاعديّة، لأنّ العقل قادرٌ على إظهار القيم المتناقضة والهدّامة، فمقال ما عن النسبيّة الاخلاقيّة قد يتمكّن من إقناع أحدّهم بالتخلي عن بعض القيم القاعديّة إذا كان مبنياً على أنّ هذه القيم مغروسة في المرء اجتماعياً، إلا أنّ العقل وحده لا يمكن أن يؤسِّس لقيم جديدة أو يقرّر أيّ قيم علينا تبنّيها، فالعقل ينبئنا بماهيّة المسألة لا ما يُفترض بها أن تكون.


بإيجاز، تقوم الأحكام الأخلاقيّة على العواطف ويساهم العقل عادةً فقط في المساعدة على استقراء مسائل جديدة من قيمنا القاعديّة، وقد يقودنا العقل ايضاً لنكتشف أنّ قيمنا غُرست فينا اجتماعياً وهذا ما قد يدفعنا للبحث عن قيم بديلة، لن يمكّننا العقل من تحديد أيّ القيم هي ما يجب تبنيه ولن يمكّننا حتّى من تأسيس قيم جديدة.
الله والتطور والعقل، هل من قانونٍ لأخلاقٍ موضوعيّة؟


تستطيع الفرضيّة القائلة بأن الأحكام الأخلاقيّة تقوم على العواطف أن تفسِّر سبب اختلافها عبر الثقافات ومقاومتها للتغير في وجه هجمات العقل إلا أنّ هذا ليس بكافٍ لإثبات مذهب النسبيّة الاخلاقية. لإثبات النسبيّة لا بدّ من البرهان على عدم وجود أيّ أساس للأخلاق غير العواطف التي تمّ إشراطها اجتماعيّاً، وعلى النسبيّين توضيح أسباب اعتقادهم بفشل النظريّات الموضوعيّة.


يؤمن الموضوعيون بوجود مبادئ أخلاقيّة حقيقيّة واحدة لا بدّ من جميعنا الإلتزام بها، وللدفاع عن طرح كهذا لابدّ لمناصري الموضوعيّة من تقديم نظريّةٍ توضّح من أين تنبع هذه الأخلاق حتّى آلت الى هذه الدرجة من الكونيّة، هنا توجد ثلاث خيارات: من الممكن ان تنبع الأخلاق من إلهٍ خيّرٍ معطاء أو قد تنبع من الطبيعة الانسانيّة ( كأن نكون قد طوّرنا مجموعة قيم اخلاقيّة غريزيّة) أو قد تكون صدرت عن مبادئٍ عقلانيّة لابدّ لكلّ إنسان عاقل من إدراكها مثلها مثل عمليّات المنطق والحساب. ولقد كُتب الكثير والكثير للدفاع عن كلّ هذه الإحتمالات ومن المستحيل تقديم عرضٍ دقيقٍ لكلّ النظريّات الأخلاقيّة إلا أنّه من الممكن النظر في بعض الاسباب البسيطة لفشلها:
 من ناحيةٍ هناك مشكلة في تقديم الأوامر الإلهية كردّ على النظريّة النسبيّة ألا وهي عدم التوصّل بعد لأي اجماع بين المؤمنين على ما يريد الله منّا أن نقوم به. وحتى عند وجود نصوص مقدّسة تنصّ على أوامر إلهية، تظهر الاختلافات فيما يخص التفاسير. فهل تشمل عبارة "لا تقتل" الأعداء؟ هل تشمل الحيوانات؟ وهل تجعل هذه العبارة المرء مذنباً في حالة القتل غير العمد أو الدفاع عن النفس؟ هل تحرّم هذه العبارة الإنتحار؟  فلسفيّاً، من الصعب اثبات وجود الله ، فماذا عن معرفة هويّته وأيّ القيم تمت إجازتها إلهيّاً؟  يبدو أنّها تحدّيات معرفيّة بالغة الصعوبة.


ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ اعتبار الطبيعة الإنسانيّة منبعاً لهذه الأخلاق الكونيّة افتراض يفتقر إلى أيّ معنىً معياري، إذ أنّ هذا الإفتراض لا يقدّم أيّ رؤيّة محددة لمفهومي الخير والشرّ، وإذا افترضنا امتلاكنا لبعض القيم الغريزيّة فهل علينا الالتزام بها؟ يقوم أسلافنا من الحيوانات الرئيسة بالقتل والسرقة والاغتصاب من دون أن يُعاقَبوا من قبل أفراد قطعانهم، ومن الممكن أيضاً أنّ قيمنا الغريزية تحرّض على سلوكات كهذه لكن هل هذا يعني عدم معاقبةِ سالكيها؟ بالتأكيد لا، فقيم غريزيّة كهذه ـ إن وجدت ـ قد نشأت لتساعدنا على البقاء في مجتمعات الصيد والالتقاط المتكوّنة من زمرٍ صغيرةٍ متنافسة، وللعيش في مجتمعات مستقرّة كبيرة فمن الأفضل لنا الالتزام بالقيم ‘المتحضّرة‘ التي أحدثناها.


أمّا فيما يخص العقل والمنطق فقد رأينا أنّ العقل يفشل أبداً في إضافة أيّة قيمة، فإن أخبرتك أنّ نبيذاً معيّناً يحوي مزيجاً متوازناً من التانين (الطنطاليك) والحمض فهذا لن يؤديّ إلى أنّ تستلذّ بطعمه، كما لا يستطيع العقل إخبارنا أيّ الحقائق تعتبر فضائلاً فالعقل يبقى محايداً من الناحيّة التقديريّة. يستطيع العقل إخبارنا أيّ القيم تتضارب مع بعضها البعض في أحسن الأحوال وأي الأفعال ستؤدّي إلى تحقيق مبتغانا، فإن تعارضت أهدافك مع أهدافي سيدفعني عقلي إلى التعرّض لأهدافك أو إهمال أهدافي، لكنّ العقل لن يحثّني على المقارنة والمباينة بينهم.


 حاول العديد دحض هذه الردود إلا أنّهم لم ينجحوا إلا في زيادة نار الجدال سعيراً، وفي هذه المرحلة لم تنجح حجج الموضوعيين في تغيير رأي أيّ المشككين في نظريتهم، وبذكر القيود الجوهرية هنا ( الغموض المحيط بالأوامر الإلهيّة والفراغ المعياري لنظريّة التطور والحياد الأخلاقي للعقل) نجد أنّ النظريّة الموضوعيّة بعيدة الإحتمال.

مزاعم وردود:
يقاوم الناس عادةً المذهب النسبيّ لإعتقادهم بإشتماله لتضمينات غير مقبولة، سنختتم هنا بطرح بعض المزاعم والرّدود عليها:
"النسبيّة تعني أنّ كلّ شيء مباح"
يردّ النسبيّون بالإعتراف بأنّ عمليّة الغرس أو التلقين في الأذهان هي المنشئ الفعلي للقيم الأخلاقيّة لكنّ التلقين لا يتمّ بصورة عشوائيّة، فإن درّبنا أطفالنا ليصبحوا قتلةً عديمي الرحمة فمن الممكن أن يقتلونا أو يتعرضوا للقتل، فالقيم ذاتية التدمير لا تدوم.
"تفترض النسبيّة أنّه من غير الممكن أن ننتقد هتلر"
للردّ وقبل كل شيء قامت اأفعال هتلر جزئيّاً على عقائد زائفة ( العرقيّة العلميّة، الأخلاق الدكتاتوريّة المطلقة، احتماليّة السيطرة على العالم)، ثانياً مشكلة هتلر لم تكن في زيف عقائده بل في كونها كانت عقائد هدّامة، النسبيّة لا تحتّم علينا الصبر على طغيان المجرمين، فنحن نهب بقوّة لحماية أنفسنا إن هُددنا من قبل أحدّهم أو هُدد أسلوب عيشنا.
 "تقضي النسبيّة بعدم جدوى النقاش حول الأخلاق إذ (كُلٌ على حَقّ)"


وهذا اعتقاد كبير الخطأ: تتشابك القيم الأخلاقيّة عند العديد من الناس وبإمكان المرء أن يبدأ النقاش بإلتماس القيم المشتركة في أسسها، كما يمكننا الشروع بحوارات مستقلّة عن كيفيّة تطبيق قيمنا القاعديّة وإسقاطها، مع ذلك تبقى بعض النقاشات عديمة الجدوى، نادراً ما ينجح الليبراليّون والمحافظون في إقناع بعضهم لكنّ الحوارات الجماهيريّة حول بعض السياسات تتمكنّ من تضييق القاعدة والفصل فيما هو عالق.
"لا تسمح النسبيّة بالترقّي الأخلاقيّ"
إلى حدٍّ ما هذا زعمٌ صائب، فالقيم الأخلاقية لا تصبح أكثر تأصّلاً، لكن من الممكن أن تصبح أفضل بمقياس آخر. فبعض القيم ، على سبيل المثال، تكون أكثر تماسكاً وتساعد بصورة أفضل في تحقيق الإستقرار الإجتماعي. ويمكن التعامل مع الأخلاق كأداة فنفكر في ما يمكن لهذه الأداة أن تنجزه لنا. ووفقاً لذلك نستطيع تعديل الأخلاق، إن ثبُتتْ صحّة النظريّة النسبيّة في الأخلاق.


بالإمكان تلخيص النقاط المذكورة كلّها بالقول أنّ النسبيّة لا تلغي إمكانيّة نقد الآخرين ولا المساحة ليحسّن المرء قيمه، على أنّ النسبيّة تحكم علينا بالخطأ عندما نظنّ بأنّنا وحدنا نمتلك المنظومة الاخلاقيّة الصحيحة، نستطيع أنّ نحاول البحث عن قيم أخلاقيّة تؤمّن لنا حياةً أكثر إرضاءً لكن يجب أن لا ننسى أنّ الرضا نفسه أمر نسبيّ، لذا لا يمكن تصميم طقم من القيم يرضي جميع الناس، إنّ اكتشاف صحّة المذهب النسبيّ في الأخلاق قد يساعد كلّ منّا  بالكشف عن التقلبيّة والمحدوديّة الفكريّة اللتان تتّصف بهما قيمنا، يجب ألا ندّعي أنّ الآخرين يشاركوننا أفكارنا ويجب أن نعلم أنّ أفكارنا كانت لتختلف إن حصل وعشنا في ظروف مختلفة. فاكتشافات كهذه قد تجعلنا أكثر مرونة وتسامحاً. والمذهب النسبيّ لا يتضمن أيّ تسامح ولا أيّ قيمة أخلاقيّة أخرى إلا أنّه عند تيقننا بعدم وجود منظومة أخلاقيّة حقيقيّة متفردّة نفقد حافزاً يدفعنا إلى فرض قيمنا على الآخرين.

النص المصدر: http://www.philosophynow.org/issue82/Morality_is_a_Culturally_Conditioned_Response

 البروفسور جيسي برينز:  أستاذ فلسفة مرموق في the City University of New York  ومن مؤلفاته :
•    Gut Reactions  ردود فعل غريزيّة
•    The Emotional Construction of Morals  التكوين العاطفي للمبادئ الأخلاقيّة
•    Beyound Human Nature  ما وراء الطبيعة الإنسانيّة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق