المتحوّلون دينياًّ … هل أصبح تبديل الدّين والمعتقد ظاهرة عالميّة؟

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة جديدة، وهي ظاهرة التحوّل من دين إلى آخر، ومن مذهب إلى آخر، وفي النّهاية وصلت إلى حدّ الانتقال بين الإيمان وعدم الإيمان بالدّين من الأساس.







صحيح أنّ هنالك العديد من النّماذج والحالات المشابهة على طول التاريخ، إلا أنها كانت حالات نادرة وتقتصر على أفراد معدودين، والظاهر أنّ التوسع التقني في مجال الاتصالات قد حول العالم إلى قرية صغيرة فعلاً، من خلال توفير فرص هائلة للاطلاع على كل شيء خلال ثواني معدودة لا غير، فمن الأنترنيت وما يحتويه من كتب، موسوعات ومواقع مختصة بمقارنة النصوص الدينيّة وتحليلاها إلى وسائل الاتصال المسموعة والمرئية. علاوة على توسع نطاق حرية الرأي والمعتقد، التي أصبحت مكفولة في دساتير الكثير من الدول الحديثة، كل هذه الإمكانات مثلت سبلاً مختلفة للمعرفة والقضاء على الجهل.

نقطة مهمة ينبغي أن لا تغيب عن بالنا، هي عدم الاستخفاف بتغير معتقد أو فكر شخص ما، فهذه العملية تحتاج عادةً لجرأة كبيرة، إضافة إلى الوضوح والصدق مع النفس، وذلك لان ترك دين معين يعني “الردّة” وأن يصبح الشخص منبوذاً من قبل الجماعة المتروكة. فمثلاً إنّ النمو في كنف عائلة تعتنق ديناً معيناً، وتمارس طقوس هذا الدين، والانصهار في الجماعة التي تنتمي لنفس الدّين، سيجعل ترك هذا الدّين مسألة شبه مستحيلة، فهو متغلغل في أعماق هذا الشخص، ومن الصعب عليه الفكاك من أسره لارتباطه به على المستوى الشخصي / العائلي. وعلى الرّغم من أننا كثيرا ما نواجه عبارات تشي بالبعد عن التحيز والانتماء المحدد في كتابات المتحولين دينياً مثل قولهم انهم توجهوا إلى دراسة الأديان والمذاهب بعد تخلصهم من جميع الأفكار والإحكام المسبقة أو استشهادهم بالقول المأثور “نحن أبناء الدليل حيثما مال نميل” على الرّغم من كل هذا، لا يصحّ أن نندفع ونصدق هذا الكلام، خصوصاً بعد أن نطالع انتقادهم الشديد لما كانوا عليه وازدرائهم له، وتصويرهم ما آلوا إليه وكأنه الحق المطلق. إلا يمثل هذا الانتقال من الإيمان بعقيدة معينة إلى الكفر بها ـ والإيمان بنقيضها أحيانا ـ مأزقاً أمام هؤلاء الأشخاص بالذات؟ أين توارى التفكير النقدي لشخص اكتشف زيف ما كان يعتقد به؟ لماذا يبقى في نفس الاطار الضيق الذي كان يعيش فيه سابقاً؟ هذه الأسئلة تضمحل اذا ما ركزنا على جانب معين من الموضوع، وهو ارتباط المسائل الدينية بالعواطف والتربية في الصغر. وحدهما التفكير النقدي وكثرة الاطلاع قادرين على إخراج المرء من هذا العالم الضيق إلى عالم واسع وحر.

في هذا المقال سنحاول أن نفهم طبيعة هذا التغير أو التحول المفاجئ في القناعات الدينيّة وذلك عن طريق استعراض نماذج من التحولات لشخصيات مشهورة خلال القرن العشرين (ما عدا القضيبي) وسنلاحظ أن احد اكبر الأسباب هو وجود صدمة من جراء الانفتاح على واقع رحب، واكتشاف أشياء جديدة لم تخطر على البال أساسا، أما سبب اختيارنا لهؤلاء الباحثين وتفضيل المرحلة الزمنيّة التي عاشوا فيها، فلا تعود للشهرة فحسب، بل بسبب الأرقام الخياليّة للتحولات الدينيّة منذ بدايات القرن الواحد والعشرين وحتّى الأن، وهذا ما يجعلنا نواجه صعوبة في الانتقاء والاختيار من بين الأشخاص المعاصرين. قبل الشروع في التحدث عن الشخصيات التي اخترنها يجب أن نسطر الحقيقة التّالية، أن المرء الذي يترك معتقداً أو فكرة معينة، ويتجه صوب غيرها، لن يستطيع أن يشرح ما كان عليه سابقاً بشكل محايد، فأيمانه الجديد يحجب عنه الكثير من الأمور ويصور له أمورا لم تكن، يضخم له بعضها ويقلل من شأن البعض الأخر وهلم جرا.

 

أما الأن، فسنبدأ باستعراض نماذج لتحولات دينية في كل من المذهب، الدين والإيمان بشكل عام:

1 ـ من التشيع إلى التسنن: علي بن محمد القضيبي، وهو شاب بحريني يعتبر نموذجاً جيداً للفرد المتحول في المذهب، فهو يمتلك الكثير من الكتابات المنشورة على الأنترنيت حول قصة تحوله، ومما كتبه، “ربحت الصحابة ولم أخسر آل البيت”، “عباقرة ولكن”، ” ثناء ابن تيمية رحمه الله على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل البيت رحمهم الله”، “حديث الثقلين بين السنة والشيعة” بالإضافة إلى بعض المقالات أيضا، ومن خلال هذه الكتابات نستطيع أن نستعرض ما جرى له بشكل جيد، لقد شب القضيبي في عائلة شيعية متدينة، تتميز بشدة الولاء لأهل البيت وكثرة العناية بمراسيم التعزية التي تقام كل سنة في عاشوراء، وقد شارك هو بنفسه في مواكب العزاء من خلال ضرب الظهر بالـ (سلاسل)، وهذا يعني أنه كان شيعياً طقوسياً بامتياز، حسناً، ما نقطة الانطلاق بالنسبة إلى تحوله؟ الجواب هو:

1 ـ سب الصحابة ولعنهم. 2 ـ زواج المتعة. 3 ـ دعاء غير الله والتعلق بالمخلوقين دون الحي الذي لا يموت. (ربحت الصحابة ص 12. نسخة الكترونية).

على الرغم من كثرة كلام القضيبي عن الممارسات والتصرفات التي تبدر من قبل الشيعة في مقابل قلة الحديث عن العقائد الأساسية (هذا النقطة تميز الكتب التي تشرح التحولات الفكرية والدينية عن غيرها)، إلا أن بعض آراءه النقدية للمذهب الشيعي مثل نقد الشعائر الحسينية، قد تنفع في تطوير بنية الفكر الشيعي بشكل عام، ولكن هيهات، فالمتدينين بشكل عام يعتقدون أن التسليم بوجود قصور بسيط في نظام فكري ما يعني سريان هذا القصور إلى جميع الأجزاء، ولهذا نادراً ما يسلم متدين بوجود خلل في دينه أو مذهبه، ولو كان بسيطاً. وأبسط مثال هو القضيبي نفسه، فقد ترك التشيع، وتوجه للتسنن مع أنّه يستطيع أن يعدل ويرمم في تشيعه الخاص فقط وتحديداً في النقاط التي واجه بعض المشاكل معها دون الحاجة لتغيير المذهب بشكل عام. وهو يقول في هذا المعنى: “لم أستطع إقناع نفسي بأنه يمكن لي أن أقول: أنا شيعي اثني عشري؛ لكني في الوقت ذاته لا أومن بما تؤمن به الاثنا عشرية… كان عليّ أن أختار… فالإسلام لا يقبل اللون الرمادي في الاعتقاد، فإما أن أتبع الحق أو أسير في ركب الباطل. فكرت ملياً… ما الذي سأخسره إن تحولت عن معتقدي الذي نشأت عليه إلى معتقد آخر تؤكده الأدلة والبراهين وتقرّه الفطرة والأخلاق؟ نعم لقد اخترت ولم أخسر شيئاً بل ربحت! نعم… لقد ربحت الصحابة ولم أخسر آل البيت، إذ علمت أنّ الصحابة وآل البيت روح واحدة في جسد واحد.” (المصدر السابق، ص 61).

2 ـ من التسنن إلى التشيع: محمد التيجاني السماوي وهو النقيض المذهبي للقضيبي، فهو تونسي سني، ينتمي للمذهب المالكي تحديداً، كان التيجاني محباً للأسفار كثيراً، وقد قام برحلة تنقل فيها بين عدة دول، وخلال هذه الرّحلة التقى بأستاذ جامعي عراقي شيعي، عرض عليه هذا الأستاذ أن يأخذه معه إلى العراق ويوفر له فرصة للقاء علماء الشيعة في النجف، فوافق التيجاني على هذا العرض، وفي النجف التقى بكل من الخوئي ومحمد باقر الصدر، ودارت بينهم حوارات بسيطة حول مواضيع تاريخية ومذهبية مختلفة، من الممكن أن تكون هذه الحوارات هي النواة الأولى التي جعلت التيجاني يغير من نظرته للتشيع، ويتقبله ولو بشكل مبدأي، لكن التحول الحقيقي تم بعد أن قرأ عدة كتب حول الموضوع، وأكثر الكتب تأثيراً فيه هو كتاب “المراجعات” لشرف الدين الموسوي. بعد أن أصبح شيعياً، بدأ بالكتابة عن رحلته الفكرية، فأصدر الكثير من الكتب على امتداد سنين عديدة، من بينها، “ثم اهتديت” “لأكون مع الصادقين”، “الشيعة هم أهل السنة” “فسألوا أهل الذكر”…الخ.

يعتبر “ثم اهتديت” الكتاب الأشهر للتيجاني، فهو يروي قصة انتقاله إلى التشيع، بالإضافة إلى قوة العنوان الذي اختاره له، وحسب ما يقول التيجاني، إنّه استخار بالقرآن وظهرت له آية ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَي)، ولكن هذا ليس مبرراً لوضع هكذا اسم للكتاب، فالقارئ سيفهم مباشرة أن جميع المذاهب على ضلال ما خلا التشيع، وهذا المعنى واضح جداً، أمر آخر يدعو للأسف هو أن التيجاني يملك درجة دكتوراه من جامعة السوربون، فكان حرياً به أن يصبح اكثر تقبلاً وتفهماً للفكر الآخر، لا أن ينقلب من النقيض إلى النقيض ويبقى على هذا الحال، ومن يراجع كتاباته يلاحظ نبرة طائفية لا يمكن التستر عليها أو إغفالها أبدا. ومن أقواله التي تحتوي على نعرة طائفية شديدة: “أنّ كل الحكّام، من أبي بكر وإلى آخر خلفاء بني العبّاس هم راضون على أهل السنة ومتّفقون تماماً معهم، وغاضبون ومُنتقمون من الذين تشيّعوا لعلي بن أبي طالب وبايعوه بالخلافة كما بايعوا أولاده من بعده.” (الشيعة هم أهل السنة ص 24).

3 ـ من اليهودية إلى الإسلام: د. أحمد سوسة، من مواليد مدينة الحلة العراقية، وهو يهودي سابق، اعتنق الإسلام بعد بحث واستقصاء طويلين ـ هذا ما ذكره هو ـ يحمل شهادة الهندسة المدنية من كلية كولورادو في الولايات المتحدة. وأكمل دراساته العليا في الولايات المتحدة أيضا، كان شغوفاً بالقراءة والاطلاع على إنجازات الحضارة الإسلامية، والمقارنة بين الأديان كذلك. بالاعتماد على كلاً من سفره وسعة اطلاعه يمكننا أن نحكم بكونه أفضل كثيراً من الأشخاص الذين تركوا أديانهم السابقة وبدؤوا يكيلون اشنع الأوصاف لها ـ مع أنّه لم يسلم من هذا الانتقاد ـ فقد وضع العديد من الدّراسات حول اليهودية وأصولها، مثل موسوعة “العرب واليهود في التاريخ”، “تأريخ يهود العراق”، “”ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق”. حاول في هذه الكتابات أن يبين صلة التوراة بالنصوص البابلية القديمة، وكيف أن التوراة قد حرفت على يد اتباعها، فهو يقول في كتابه العرب واليهود في التاريخ: “ففي بابل مارس اليهود شعائرهم الدينية، وواصل كهنتهم أعمالهم الدينية بتحرير فصول التوراة والتمهيد لتدوين التعاليم اليهودية المعروفة باسم التلمود البابلي، حتى ليقال: إن السبي البابلي كان عاملاً قوياً في تطور الديانة اليهودية” (الأديان والمذاهب بالعراق ـ رشيد الخيون ص 114).

ومع أنّ نفس هذه الأحكام تنسحب على القرآن أيضا ـ الصلة بالأديان السابقة والتحريف ـ إلا أننا لا نلاحظ أي مشكلة من جانب د. سوسة. على أية حال، ما يعنينا هو إسلامه وكيف تم هذا الأمر، ومرجعنا في هذا الجانب هو كتابه ” في طريقي إلى الإسلام”، وهو عبارة عن دراسة مقارنة للأديان الثلاث، اليهودية، المسيحية والإسلام. لا يحتاج المرء لذكاء خارق حتى يعلم موقف د. سوسة من هذه الأديان وما سطره عنها، ولعل مقطعاً صغيراً عن اليهودية سيفي بالغرض: “اليهودية وما أدراك ما اليهودية! . . إني أعجب لهذه الديانة التي ليس لها رأس ولا أسفل؛ فكلما حاول المرء أن يلخصها بعبارات موجزة وجد ذلك محالاً، ومهما توغل في بحثه لاستكشاف حقيقة هذه اليهودية كان سعيه عبثاً، وإذا ما حصل على شيء ما كان ذلك هباءً منثوراً لا يلبث أن تذروه ريح التأمل والتروي.” (في طريقي إلى الإسلام ص 59). نعود إلى سبب إسلام د. سوسة، بشكل عام لقد نشأ وتربى في بيئة إسلامية، وعانى من كثرة المحرمات في اليهودية، وقد يكون لهذا الأمر اثر بالغ في عدم انخراطه في ديانة الآباء والأجداد، وعندما كان يدرس في لبنان، بدأ بمطالعة القرآن لأول مرة فأعجب به جداً، واخذ يردد آياته باستمرار ويقرأ التفاسير والشروحات التي وضعت من أجله، كل هذا كان ممهداً لاعتناقه الإسلام، إلا أنّه ببساطة غير كافي، فحسب الـ د. سوسة كان حبه للعروبة عاملاً قوياً في نفض غبار الإرث الديني، واعتناق الإسلام كدين، ولا نعلم هل أراد مدح الإسلام بهذا الكلام أم ذمه! فما ننتظره من كل الأديان هو الترفع عن مثل هذه الاعتبارات الضيقة.

 

4 ـ من الإسلام إلى المسيحية: الأخ رشيد، شاب مغربي، انتقل من الإسلام إلى المسيحية في مرحلة عمرية حرجة ـ حوالي 16 سنة ـ وكان ذلك على إثر مشاهدة برنامج تلفزيوني عن عيسى المسيح وحادثة الصلب ـ حدث هذا في عمر الـ 12 ـ وحينها قام بدراسة مقارنة للإسلام والمسيحية لمدة اربع سنين متواصلة، وتبين له أن قضية الصلب صحيحة تاريخياً وان الكتاب المقدس غير محرف، مما حدا به إلى اعتناق المسيحية في نهاية الأمر، ولأنه كان يعيش وسط عائلة متدينة، فقد كان والده فقيهاً، تم طرده خارج العائلة عندما علموا بأمر اعتنقاه للمسيحية، مما دفعه إلى السّكن لدى أحد الاقارب، لكن المشاكل استمرت، وبقيت بعض العقبات تلاحقه، فقرر السفر خارج المغرب عام 2005، ولم يعد إلى بلده منذ ذلك الحين. درس الأخ رشيد في شعبة العلوم الاقتصادية في كلية الحقوق والاقتصاد بالدار البيضاء، حيث حصل على دبلوم الدراسات الجامعية العامة، كما انه درس المحاسبة مدة سنتين، وهذا يعني أن مستواه الاكاديمي جيّد، ولا يمكن الانتقاص من تحصيله الدراسي. وسواء في بلده الأصلي أو في بلاد الغربة اتسم مشواره التبشيري بعدة مبادرات لتوصيل ما يؤمن به، فعلى الرغم من انه لم يؤلف كتاباً أو يقوم بنشر أبحاث حول التجربة الدينية الجديدة، إلا أنّه بدأ مشروعاً مختلفاً عام 1999، حيث قام بترجمة القرآن إلى اللهجة المغربية الدارجة، وتبريره لهذا الأمر هو أن أغلب المغاربة يعانون من الأمية، ويصعب عليهم فهم معاني كلمات القرآن.

يضاف إلى ذلك أنّه ومنذ بضعة سنين، يقدم برنامج “سؤال جريء” على قناة الحياة، وهو بهذا البرنامج يحاول نقد الإسلام ومعتقداته، في مقابل التبشير بالمسيحية وعقائدها، الجدير بالذكر أن انتقاده مستفز جداً، فكم المصطلحات التي تقلل من شأن التصور الإسلامي لله، النبي محمد وبقية العقائد الإسلامية كبير جداً، مثال على ذلك تخصيصه حلقتين تحت عنوان “محمد بين الطب والنبوة” وفي مقدمة الحلقة الأولى يقول: ” الغاية في الأخير هي طرح السؤال الجريء: هل كان محمد صادقاً فيما يقوله، أم كان مريضاً، أم كان مجرد كاذب في دعواه؟” وبما أن محمداً لا يمكن أن يكون نبياً صادقاً بالنسبة إلى الأخ رشيد، فلا يتبقى سوى، المرض أو الكذب. وهو يختار مرض الصرع كتفسير لظاهرة الوحي المحمدي. مثال آخر لا يقل خطورة عن المثال السابق، قوله “بالنسبة للمسلم كل غير مسلم هو كافر” (سؤال جرئ 238 ما معنى كافر في الإسلام؟).

هذه الحدية في الطرح، تقلل من نسبة المتابعة لمثل هذا البرنامج، فالنّاس العاديون لا يتحملون هذا النقد الصريح والشديد لعقائدهم التي تربوا عليها، وسواء كان النقد صحيحاً أم خاطئاً، فالأفضل أن لا يقدم بهذا الشكل. لكن نظرنا إلى نقد الأخ رشيد من جانب آخر غير الذي اعتدنا عليه، فسنجد انه ينفع الإسلام اكثر من اتباعه حتى، فهو يثير مجموعة من التساؤلات والانتقادات التي تحتاج إلى ردود، وهذه الردود تعني تنشيط المسلمين وأصحاب الفكر بينهم، وغالبا ما تتمخض مثل هذه السجالات عن فكر جديد ورؤية جديدة للدين، فالدين الذي لا يواجه تحديات جديدة لن يتطور أبدا.

 

5 ـ من الشك إلى الإيمان: الكاتب والطبيب المعروف مصطفى محمود، يعتبر من أبرز الملحدين الذين عادوا إلى أحضان الدّين فيما بعد، بدأ كل شيء في مرحلة الصبا فقد كان طالباً يافعاً محباً للعلم ويسارع إلى الدخول كثيراً في سجالات طويلة مع أصدقائه، متسائلاً بكل ثقة، إذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلقه؟ إن كان الجواب هو “جاء بذاته” فلماذا لا نقول إنّ الدنيا جاءت بذاتها، وبهذا ينتهي الإشكال (رحلتي من الشك إلى الإيمان ص 7). وفي هذه المرحلة أيضا، قرأ كل من شبلي الشميل وسلامة موسى، وتعرف على فرويد ودارون كما انه كان يملك مختبراً صغيراً يحضر فيه غار ثاني أكسيد الكاربون، ويشرح فيه الضفادع. كل هذا يدل على أن معرفته العلمية قوية منذ الصغر، وإذا أضفنا تخصصه الطبي بالإمراض الصدرية وإنتاجه الفكري والأدبي، سنحصل على مفكر متمكن، يملك قدرة جيدة على طرح ما يفكر به بأسلوب بسيط. بشكل عام قضى مصطفى محمود ثلاثين عاماً خارج بوتقة الدين، كتب خلال هذه الفترة بعض الأفكار الإلحاديّة، وقد تعرض للمحاكمة بسبب كتابه “الله والإنسان” الذي يقول فيه”: هل تعبد اللذة… هل تعبد الألم أم تعبد المجد، أم تعبد نفسك، أم تعبد الله، أم أنّك مزيج من هؤلاء العبيد كلهم… تقضي مع كل رب ساعة… وتركع في كل محراب ركعة”.

 بعد هذا كله، قرأ كثيراً وزادت تجاربه في الحياة، فوجد أن الحياة والموت عبث، وان الكون محكوم بنظام دقيق جداً، ولهذا عاد إلى “اليقين” مرة أخرى. لكن هذه العودة امتازت بوجود نشاط فكري كبير، حيث كتب العديد من الدراسات التي قد تصل إلى 80 كتاب، كما أنّه قام بتقديم 400 حلقة من برنامج “العلم والإيمان” على التلفاز. لكننا لا نعلم لماذا لم يوصله بحثه عن الدّين الحق إلى دين جديد يختلف عن الإسلام، وهو الدّين الذي يحيط به وبحياته من كل جانب؟ لماذا تكون عودة الملحدين إلى نفس الدّين الذي خرجوا عليه في الغالب؟ نطرح هذه الأسئلة للاستفسار وليس تقليلاً من شأن مصطفى محمود، فإنجازاته تشهد له بصدق الإيمان وعمق المعرفة العامة، على الرّغم ممّا يؤخذ عليه في مسألة الإعجاز العلمي للقرآن، فهو من أوائل الذين دعوا إلى هذا المنهج التفسيري الجديد في بدايات القرن العشرين، بالإضافة إلى الإعجاز العددي للقرآن وعلم النفس القرآني. الجدير بالملاحظة أن كل هذه المطالب تم تسليط الضوء عليها ونقدها بقوة من قبل المفكرين الحداثويين، علاوة على بعض رجال الدين والمفكرين الإسلاميين.

 

6 ـ من الإيمان إلى الشك: عبد الله القصيمي مفكر اختلفت حوله الآراء وتضاربت حوله الأحكام، فتحوله الفكري لا نقرأ مثله كل يوم ولا هو من التحولات التي نتصور حدوثها أساسا، الانتقال من الوهابية إلى الإلحاد المتشدد والتجديف ليس أمرا هيناً، ولهذا يجب أن نركز على أهم الفقرات التي مر بها في حياته. لقد عانى القصيمي من حياة بائسة وفقيرة جداً في فترة الطفولة، بالإضافة إلى انفصال والديه وهو لم يكمل الرابعة من عمره حتى، وعندما بقي مع والده في نهاية المطاف، وقع تحت وطأة تدين متطرف لأبيه، الذي أصبح وهابياً كما يبدو. لكن بعد وفاة أبيه بمرض عضال، قرر القصيمي أن يسافر من أجل طلب العلم. وكانت رحلته الدراسية والتعليمية فريدة من نوعها، فقد سافر إلى أكثر من دولة لتعلم أسس العلوم الشرعية الإسلامية، منها العراق، الهند والقاهرة، كما أنّه درس على يد علماء من مختلف المشارب. في الأزهر درس لمدة 4 سنوات، ويبدو أنّه قد اتصل بتجمعات سلفية / وهابيّة في تلك الفترة، إلى أن أصبح واحداً منهم، وعلى اثر هذا، وضع كتاباً في الرد على الشيخ يوسف النجدي الذي يذهب إلى وجود الشفاعة وصحتها في الإسلام، تحت عنوان “البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية” ضمّنه انتقاداً شديداً لمن يقول بجواز التضرع إلى الأموات أو التوسل بغير الله.

كان رد فعل الأزهر هو فصل القصيمي بشكل نهائي. ونتيجة هذا الفصل والإقصاء كانت تسطير كتابين ضد شيوخ الأزهر هما “شيوخ الأزهر والزيارة في الإسلام” و”الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم”. تلى ذلك تبنيه لجميع آراء محمد بن عبد الوهاب حيث استشهد به ودافع عنه أيضا وخصوصاً في كتابه “الثورة الوهابية” وهو يرى في هذا الكتاب “أن الناس الذين لا يخضعون طوعاً للمبادئ الوهابية يجب طردهم من جماعة المسلمين لأنعم ليسوا سوى “وصمة عار على جبين المؤمنين”و”أعضاء فاسدة في جسم الإسلام تنقل العدوى إلى الجسم كله”. ولتبرير الإجراءات القمعية ضد المخالفين يدعو القصيمي صراحة إلى الاقتداء بالدكتاتورين هتلر وموسوليني، ويقول أنهما كليهما أدركا أن المبادئ الجديرة بالحماية لا يمكن المحافظة عليها إلا بخلق شعور جماعي متطوّر (عصبية)”. (عبد الله القصيمي بين الأصوليّة والانشقاق ص 56).

حتّى الشيعة لم يسلموا من فكر القصيمي التكفيري، فقد خصهم بكتاب “الصّراع بين الإسلام والوثنيّة” في 1600 صفحة، ومن خلال عنوان الكتاب نستطيع أن نخمن محتواه، يكفر القصيمي الشيعة ويساوي بينهم وبين عبدة الأصنام قبل الإسلام، ويرى أنّهم تيار يحاول هدم الإسلام، كما أنّه يعيد نقل الاتهام القديم الذي يربط بين الشيعة واليهود. ومع كل هذا التعصب والتطرف، لا يمكن أن نرجو ظهور فكر عقلاني لدى القصيمي، علاوة على الإلحاد ونقد الدين بل نقد فكرة الألوهية حتى، لكن التحول لم يأتي بين ليلة وضحاها، كما انه لم يحدث على شكل تحول من النقيض إلى النقيض، فقد كان القصيمي مهموماً في أسباب تخلف المسلمين، والكيفية التي يمكن أن يرتقوا بها، وبسبب كثرة الاطلاع في هذا المجال، بدأ افقه يتوسع شيئاً فشيئاً، وفي هذه الفترة وضع كتاب “هذه هي الأغلال” الذي يمثل نقداً ذاتياً للمجتمع الإسلامي ككل، حتى هذه المرحلة كان القصيمي ملتزماً بالأفكار الإسلامية بشكل عام، لكن بوادر ظهور أفكار تقدمية وعلمانية بدأت بالظهور مع أنها تحت غطاء من الشرعية الإسلامية، ومقنعة بالآيات والأحاديث. ومن آرائه التي عرضته لانتقاد شديد قوله “إن القوانين تعاقب من تناول المخدرات مرة في خفية وعلى حذر، ولكنها تبيح تخدير الآلاف، بل مئات الآلاف، بل مئات الملايين في المساجد والجمعيات كل أسبوع بل كل يوم أحيانا، ثم تحث هؤلاء المخدرين على أن يخدروا، بل تجازيهم وتوظفهم وتقتطع لهم من أموال الدولة المكافآت الشهرية! وهذا بلا ريب من أعجب مناقضات القوانين وأغربها!” (هذه هي الأغلال ص 194).

ثم أتى دور التخلص من الغطاء الإسلامي وطرح الأفكار عارية كما هي، بالإضافة إلى الأسلوب الخطابي الذي اعتمده القصيمي في الكتابة، من ذلك قوله في كتابه، أيها العقل من رأيك: “إن السماء لو أرسلت لنا جميع أنبيائها ينهوننا عن الإيمان، ويحرمون علينا كل عبادة، لعينا كل هؤلاء الأنبياء، وبقينا نؤمن ونصلي ونتعبد. فالعبادة استفراغ روحي وعملية جنسية تؤديها الروح لحسابها، لا لحساب الآلهة”(عبد الله القصيمي من أصولي إلى ملحد ص 150). بقي أن نشير إلى مرحلة التطرف في مواجهة الدين والإله وتوجيه النقد للمنظومة الدينية بشكل عام، التي قد يكون سببها هو تعصّبه في بادئ الأمر وتطرفه الذي وضحناه، أمّا السّبب الذي جعله يترك الإيمان ويتجه صوب الإلحاد المتشدد، فلا يسعنا أن نقول شيئاً لم يذكره هو، وبكل تأكيد لن نعتمد على الأسباب التي وضعها مبغضوه، أو من تستفزهم كتاباته.

لكن يمكن أن ننسب ما آل إليه من كثرة الاطلاع والخروج من القوقعة الفكرية التي كان فيها. وكنموذج على آرائه المتطرفة في كتاباته الأخيرة نضع نصاً طويلاً له: “إذن فليؤمنوا بإله هائل كبير لا نموذج له، وليحددوا صفات هذا الإله تحديداً يجعله هو المتهم الأول الشامل، وهو المسؤول الأول الشامل عن كل ما يواجهون ويرون ويعلمون ويعانون من آلام وغباوة وتفاهات وذنوب وعاهات ووقاحات وأخطاء لا يمكن فهمها ولا تفسيرها ولا تسويغها ولا الدفاع عنها بغير إله كبير هائل ليس له نموذج ولا تفسير ولا منطق ولا شروط. ليؤمنوا بمثل هذا الإله إيماناً لا منطق ولا هدف ولا تفسير له سوى الاتهام وسوى الحاجة إلى وجود متهم بهذا الحجم، إلى وجود متهم بكل الذنوب والآلام والمظالم والحماقات. إن الحاجة إلى وجود متهم ضخم ضخامة لا مثيل ولا شبيه ولا نموذج لها هي أحد الأسباب في إيمان الناس بالإله العظيم الطيب المنزه. لقد آمنوا بالإله لأنهم محتاجون إلى متهم ضخم بلا حدود! لقد وجدوا في الإله كائناً متهماً بكل الذنوب منزهاً عن كل الذنوب. إنه إذن لشيء رائع، رائع جداً .. لقد كانت قضية “من المتهم” هي البرهان الوقح على وجود الإله. لقد كانت إرادة العدوان والاتهام هي التي دلت على الإله وصاغت صفاته وأخلاقه ومنطقه وضميره وضخامته.” (فرعون يكتب سفر الخروج ص 10 و ص 11).

 

في الختام نقول، إنّ عدد المتحولين دينياً قليل جدا مقارنة بعدد الاشخاص الذين يولدون ويموتون على دين آبائهم، وهم بكل تأكيد أفضل ممن لا يهتمون لشؤون دينهم ويطبقون ما انتقده القرآن بالحرف الواحد حين قال “إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ” وبما أنّ تغير طريقة ومحتوى تفكيرهم أمر شخصي بحت، فلا يحق لنا (بشكل عام) أن نحكم عليهم وعلى سبب تحولهم دون دليل، وعليه لا توجد مؤامرات أو نوايا سيّئة فيما اختاروه كنمط أو بناء عقائدي خاص بهم.

 


 

الهوامش:

1 ـ ربحت الصحابة ولم اخسر آل البيت ـ علي بن محمد القضيبي.

2 ـ ثم اهتديت ـ محمد التيجاني.

3 ـ الشيعة هم اهل السنة ـ محمد التيجاني.

4 ـ الاديان والمذاهب بالعراق ـ رشيد الخيون.

5 ـ في طريقي الى الاسلام ـ د.احمد سوسة.

6 ـ حلقات من برنامج “سؤال جريء”، وحوار مع الاخ رشيد موجود على الانترنيت.

7 ـ حوار مع صديقي الملحد ـ مصطفى محمود.

8 ـ رحلتي من الشك الى الايمان ـ مصطفى محمود.

9 ـ الله والإنسان ـ مصطفى محمود.

10 ـ عبد الله القصيمي بين الاصولية والانشقاق ـ يورغن فازلا.

11 ـ فرعون يكتب سفر الخروج ـ عبد الله القصيمي.

12 ـ هذه هي الاغلال ـ عبد الله القصيمي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق