المتظاهرون العلمانيون الأتراك ومعاداة الإمبريالية (المقالة الثانية) – باسكن أوران

معاداة الإمبريالية هو الشعار الآخر الهام من شعارات “المظاهرات الجمهورية”. له صيغ مباشرة وأخرى مداورة، لكنها تشترك جميعاً في نقطة واحدة، هي تحويل الغرب وغير المسلمين من سكان تركيا، إلى “آخر”: اليونانيون يريدون إعادة بناء بونتوس (مدينة يونانية قديمة مندثرة في شمال غرب الأناضول)… سيحولون حي فنر في اسطنبول إلى فاتيكان… يفككون تركيا بوساطة المبشرين… الأرمن يطالبون بالأرض… يهود الدونمة يسيطرون على كل شيء… الخ. وبصورة مباشرة أكثر: الاتحاد الأوروبي سيفكك تركيا. والشعار الأكثر كثافة على اللافتات هو: “لا للاتحاد الأوروبي! لا للولايات المتحدة!”.

أولاً، ما الإمبريالية؟ صابانجي (ملياردير تركي) يبني مصنعاً في الأرجنتين… وثمة من الأتراك من اشتروا مصارف في فرنسا… ما أكثر رجال الأعمال من منطقة البحر الأسود ممن بنوا مخابز في رومانيا وفقاً لنظام الـ BOT… تقيم تركيا دورات لتعليم التركية، وتنشر ثقافتها، في بلدان البلقان وفي آسيا الوسطى. ترى من هو الإمبريالي..؟ تركيا؟… لذلك علينا أولاً أن نعرّف هذا المصطلح: “الإمبريالية هي الاحتلال العسكري لتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية”. لا إمبريالية بدون احتلال. فإذا جاز ذلك بدون احتلال، كانت تركيا إمبريالية أيضاً.

كنا نقول، في الستينات، عن المؤسسات الثقافية الأجنبية التي كانت تعلم اللغات في أنقرة، إنها “إمبريالية ثقافية”. لو أتيح لنا أن نطلق وصف الإمبريالي على اعتداء قبيلة على أخرى، لما ترددنا. عدّوها… فقد آمنا، في تلك الفترة أيضاً، بانقسام البورجوازية إلى “وطنية” و”كومبرادورية”… لقد استخدمنا مفهوم الإمبريالية حتى الاهتراء، بطريقة مشابهة لاستخدام الدياسبورا الأرمنية لفكرة التطهير العرقي.

لماذا؟ أولاً، لأننا لم نكن نعرف أن استخدام مفهوم في العلوم الاجتماعية بالتوسع في مدلولاته والإفراط في تعميمه، يحط من قيمته ويفقده معناه وجدواه. أضف إلى ذلك، أنني حين أنظر اليوم إلى الوراء، أستطيع أن أرى بأننا فعلنا ذلك لأسباب أخرى أيضاً:

1) حين أنهيت تعليمي في ثانوية إزمير، وحططت الرحال، في العام 1964، في كلية الإدارة والعلوم السياسية في اسطنبول، وأنا بعد عصفور غر، كانت النزعة القومية التي حملتها معي في عروقي، والماركسية التي عثرت عليها هناك، أشبه بصورتين على المتسابق أن يعثر بينهما على خمسة فروق. العداء للإمبريالية أقامت الجسر بين هذين الشيئين. ودعامة الجسر الرئيسية قامت، طبعاً، على الأول.

2) كان نسب كل الشرور إلى الإمبريالية أمراً مريحاً. لقد حمّلنا أموراً كثيرة لـ”ألاعيب الإمبريالية” فأرحنا بالنا.

3) بسبب حالة الديموقراطية عندنا في ذلك الوقت، كان من الصعب انتقاد الرأسمالية بصورة مباشرة. كان لدينا، في قانون العقوبات، المادتان 141 و142. استطعنا، بفضل رسالة جونسون، انتقاد الرأسمالية، مداورةً، من باب معارضة الولايات المتحدة. كان هذا إحدى وظائف معاداة الإمبريالية.

بعد أربعين عاماً
ها قد مرت أربعة عقود، والحال، عند المتظاهرين، لم تتبدل، لأن إيديولوجيتنا متربعة داخل الثلاجة منذ قيام الجمهورية. غير أن الحالة اليوم لا تشبه حالتنا في الستينات التي اتسمت بالطفولة والبراءة.

1) أكثر الذين يهتفون اليوم ضد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معاً، كانوا في الستينات والسبعينات يقولون لا للولايات المتحدة، وفقاً لموضة ذلك الزمان. بهذه الطريقة يبنون جسراً بين فترة شبابهم واليوم، فيحققون بذلك رضىً ذاتياً من جهة، ولا يستسلمون، من جهة أخرى، للأنانية القومية. هذا طبيعي. لكن ما لا أراه طبيعياً، ولا أقبل به، هو سرقتهم من مخزون الشيوعية وتعبيرهم بمصطلحات ماركسية. هذه العقلية التي حكمت على ناظم حكمت بالسجن 28 سنة و4 شهور، تردد الآن قصائده: “هذي البلاد الممتدة كرأس فرس، هي بلادنا”. أما ما أعجز عن هضمه، فهو أنهم يملؤون الساحات في مناخ من البهجة من غير أن يتعرضوا/ أو يخشوا التعرض لضربات عصي الشرطة أو الغاز المسيل للدموع، في الوقت الذي يتعرض غيرهم للضرب والغاز المسيل للدموع، في ساحة أخرى قريبة، عنيت المتظاهرين بمناسبة عيد العمال، ولا يشعر الأولون بذرة تضامن نحو الأخيرين. تطالبون بوحدة اليسار واليساريين، أليس كذلك؟

2) لم يمكن ملاحظة أي فارق بين هذه المظاهرات وبين النزهات في الهواء الطلق. ولكن أي نشاط سياسي يتطلب هدفاً نبيلاً، حتى لو اقتصر على نزهة. يشعرون بالسمو من خلال إضفاء طابع العداء للإمبريالية على احتجاجاتهم، والظهور بمظهر الضحية، لتتويج تحركهم بالمشروعية. أضف إلى ذلك أن شعور الضحية هذا يشكل إطاراً سيكولوجياً مناسباً لطمأنة ضمائرهم بصدد المشكلة الأرمنية خاصةً.

3) طبعاً كان في المظاهرات من يهتف ضد الأصولية الإسلامية والوصاية العسكرية معاً؛ لكن الأغلبية الساحقة كانت في مناخ روحي تعبر عنه جملة: “إذا كانت العلمانية في خطر، فجيشنا تاج رأسنا”. لقد عبروا عن ذلك مداورةً بالهتاف ضد الاتحاد الأوروبي.

إلى هنا، كان من الممكن إيجاد ما يوازي ممارساتنا في الستينات والسبعينات، في مظاهرات اليوم. أما ما بعد ذلك فهو يتجاوز طفولتنا في ذلك الزمن. إليكم:

1) من منظور “وحدة البلاد ووحدة الصف”: هؤلاء الذين يمارسون العداء للإمبريالية من خلال يهود الدونمة وبطركية الفنار والمخدوعين بالتبشير المسيحي وما إلى ذلك، إنما يعلنون أبناء وطنهم من غير المسلمين أعداء. هذا يدعى بخطاب الكراهية، وتشمله المادة 2162 من قانون العقوبات. كما أنه يشكل تحريضاً مغالياً على النزعة الانفصالية.

2) من منظور الديموقراطية: الأغلبية الساحقة ليست من الصنف الذي يرى الجسر الرفيع الذي نمشي عليه، مربوطاً بالعلمانية من طرف، والديموقراطية من الطرف الآخر، ويقبل بذلك؛ بل هي من النوع الذي يخشى فقدان امتيازات طبقة الـ”لاها سوموت” (هذه كلمة مبتكرة لباسكن أوران، تتشكل من الأحرف الأولى لـ”التركي المسلم السني الحنفي العلماني”-المترجم) والقائل بضرورة استمرار العلمانية بالطريقة المألوفة، أما الديموقراطية فيمكن تحقيقها في أي وقت. فإذا كانت العلمانية ضرورة والديموقراطية ترفاً، فلا بد من الابتعاد عن الاتحاد الأوروبي الذي يريد أن يفرض الأخيرة علينا.

3) من منظور السياسة الخارجية: بوضعهم للاتحاد الأوروبي في سلة واحدة مع الولايات المتحدة الإمبريالية، يقوضون، في لحظة واحدة، كل الممكنات أمام السياسة الخارجية لتركيا. إن ما منح النسغ لتركيا، هو دائماً توازن القوى. فهي إما استفادت من التناقضات بين الشرق والغرب، أو بين مختلف قوى الغرب. إن شعار “لا للولايات المتحدة ولا للاتحاد الأوروبي” يدفع بتركيا إلى تحت المظلة الأمريكية وحدها.

4) من منظور مفهوم “الوطن”: إن بيع منازل الاصطياف إلى الأجانب، وفقاً لهذه العقلية المعادية للإمبريالية، تساوي بيع الوطن. حين كنت أستاذاً زائراً في جامعة أوكسفورد، كانت لي علاقة طيبة مع بواب البيت الذي خصصوه لإقامتي. أخبرني بأنه اشترى منزلاً في مدينة مرمريس (تركيا). حين يشتري أحدكم منزلاً في أحد البلدان، هل يريد الخير لذلك البلد أم الفوضى؟ سبق واستخدمت هذا التعبير: كأن الرجل سيضع المنزل في جيبه ويأخذه معه. أية ذهنية مريضة هذه وأي عداء سقيم للإمبريالية؟

بل ثمة المزيد. في مظاهرة إزمير لم يسمحوا للبروفسورة تركان سايلان (رئيسة جمعية حماية نمط الحياة المعاصرة. وهي من أبرز منظمي مظاهرات العلمانيين) بإلقاء كلمتها التي تضمنت الجملة التالية: “نحن ضد النزعة العرقية التي تحوّل الأطفال إلى قتلة؛ وضد الانقلابات العسكرية التي لن تحدث أبداً”. أما البروفسور ألبسلان إشكلي فيخاطب المتظاهرين قائلاً: “لقد بيع مرفأ إزمير يا أهالي إزمير! لم يعد مرفأ إزمير ملكاً لإزمير ولا لتركيا!”. يا إلهي! إنها الإمبريالية!

5) من منظور الإيديولوجيا الكمالية بالذات: اكتفينا، في شبابنا، بالعداء للولايات المتحدة، وليس عموم الغرب. بإضافة المتظاهرين الاتحاد الأوروبي إلى لائحة الأعداء، يعلنون الغرب عدواً، أي ما أطلق عليه مصطفى كمال “المدنية المعاصرة”. لم يفعل هذا، إلى اليوم، سوى أنصار دولة الشريعة الإسلامية.

أضف إلى ذلك أن أتاتورك كان قد أخذ أوروبا الغربية كما هي وقام باستنساخها (وحسناً فعل). لندع جانباً قوانيننا المستنسخة حرفياً عن قوانين بلدان معينة في أوروبا (الأرجح أنه يقصد قوانين مأخوذة حرفياً من قانون العقوبات الإيطالي في عهد موسوليني، وتتعلق بتجريم حرية التعبير-المترجم). يطلقون اليوم على من يريدون تكييف النظام وفقاً لمعايير الاتحاد الأوروبي “أولاد سوروس”. شيئاً من التناسق الداخلي كرمى لله! غداً سيخجل بكم أبناؤكم.

ملاحظة: يطلب من طلاب كلية الصحافة كتابة واجبات، ويقوم هؤلاء بطلب إجراء حوارات بوساطة الإيميل. منذ فترة قريبة كتبت إلي طالبة من اسطنبول، ولبيت طلبها. بعد أسبوع، كتبت إلي ثانية وسألتني: “سأطرح عليك سؤالاً أخيراً، لا علاقة له بواجبي المدرسي: هل أنت كردي؟”. في العام 1971، وكنت في السجن، حاولت ذات مرة أن أوضح للسجناء أن مثليي الجنس ليسوا مرضى. علق على كلامي أحد السجناء، ويدعى “دوغان بياع الكازوز”، فقال بنبرة من يبصق: “هل تعني أنك الآن تدافع عن المنـ…؟”.

أتوقع، بعد مقالتي هذه، أن يزداد عدد من يظنون بي عميلاً للإمبريالية ومن غير المسلمين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق