المتغيرات والأنظمة السياسية العربية

أعادت المتغيرات العديدة، التي حدثت مع غزو العراق واحتلاله، النقاش من جديد في المجالين الفكري والسياسي حول كثير من المسائل، التي تتصل بالسيادة والشرعية والأنظمة والسلطات والدول والوظائف والحزبية وسواها. ولعل الفلاسفة والمفكرين الاجتماعيين خاضوا في مثل هذه المسائل، في أوائل عصر النهضة الأوروبية، وكانوا أكثر دقة من معاصرينا في وضع أسس العقد، أو التعاقد، ما بين الدولة بوصفها الممثلة للسلطة والقوة وبين المجتمع بوصفه العامل الأساسي في وجود وأصل السلطة والنظام.

يُذكر في هذا المجال “جان جاك رسو” الذي ركّز بشكل ميتافيزيقي على حكم المجتمع لنفسه من خلال ديموقراطية مباشرة، ثم وضع النظام والسلطة كمعبِّر عن الإرادة الشعبية في مقابل المصلحة العامة التي مثّلت هدفه النهائي. كما يذكر كذلك “جان هوبز” الذي نظر إلى الحقيقة السياسية بعين “واقعية” إلى حدّ جعل الحقيقة الأمنية وتحقيق الأمن هدفاً أعلى، حين رأى مهمة النظام السياسي تكمن في تحقيق الأمن للمجتمع، وبالغ في التحدث عن تنازل المجتمع عن جميع حقوقه تنازلاً نهائياً وأبدياً مقابل تحقيق الأمن للمجتمع، لكن “هوبز” كان يحكمه همّ في الخروج من الحروب الأهلية والأزمات السياسية الداخلية عبر نظام سياسي قوي وصارميحقق الأمن للمجتمع بعد تاريخ مديد من الحروب الأهلية في القارة الأوروبية. ومن سخرية التاريخ أن يلاقي هاجس “هوبز” الأمني صدى له في العديد من المجتمعات في دول العالم، وخصوصاً الأنظمة السياسية الشمولية في البلدان العربية.

وجاء “جون لوك” بعد “روسو” و”هوبز” ليحقق نوعاً من التوازن ما بين “مثالية” الأول و”واقعية” الثاني عبر البحث عن عقد اجتماعي بين السلطة والمجتمع يحقق جزءاً من الأمن والرضاء للمجتمع مع وجود نظام سياسي قابل للتحرك والمرونة. وكان مسعاه يتلخص في إيجاد عقد اجتماعي ما بين المجتمع والسلطة، يسلّم فيه المجتمع القوة وحق استخدامها وضبط النظام إلى الغالبية بواسطة النظام السياسي المعبّر عن القوةالغالبة مع احتفاظ المجتمع بالحريات الأساسية في يده، ومنها حق الحياة وحق الحرية وحق الملكية وسواها.

وقبل قرون عديدة خلت، حدّد ابن خلدون – في عصره – سمات النظام السياسي في الجمع ما بين العصبية والدعوة الدينية، لكن الأنظمة العربية الحديثة جيّرت العصبية لصالح الهاجس الأمني، لا لكي توفر الأمن للمجتمع، بل لتحوله إلى سيف مسلط على رقاب العباد من شعوبها، ثم تناثرت بين شكلين للحكم، الأول تقليدي قريب من النمط الخلدوني مع الكثير من التحفظات، والثاني انقلابي وثوري، جثم على صدورنا إثر انقلابات الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين المنصرم، وما يزال يجثم عليها إلى يومنا هذا.

وقد تمادت الأنظمة العربية في تغليب الهمّ الأمني تجاه شعوبها على حساب كل الأهداف، حتى بات الهاجس الأمني هو الهاجس الوحيد والفريد الذي يجب الالتفات إليه قبل أي من الأهداف الأخرى، وارتبط ذلك كله بهدف ضبط المجتمع وتقييد حراكه من أجل تأكيد سيطرتها على المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي لا تضمن تحقيق مصالح جماعة السلطة وتضمن استمرار البقاء فيها.

وكانت ظروف الحرب الباردة مواتية تماماً لتجذر الأنظمة العربية الشمولية، حيث استفادت من استقطاباتها، ورفعت شعارات ثورية الشكل، فارغة المضمون، واعتمدت على إيديولوجيات قومية ويسارية لاكتساب شرعيتها في الوعي السياسي العربي، واستفادت من شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة مع العدو الإسرائيلي حتى استنفذته مثل باقي شعارتها وأطروحاتها الجوفاء.

كل ذلك كان يجري مع تحول مفهوم السلطة الممثلة للمجتمع أو المنظمة للمجتمع في الأقلمة العربية إلى مفهوم السلطة المتسلطة على المجتمع، القابضة على الأرواح والأملاك، ولم يعد دور النظام السياسي ينهض على تنظيم القوى الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وإيجاد الطريقة المثلى القادرة على تحقيق الهدف الاجتماعي من خلال وضع نظم ومؤسسات قادرةعلى خلق التفاعل السلمي بينها، بل على العكس، كان دور الأنظمة السياسية العربية يتمحور حول خنق المؤسسات المدنية والأهلية التي تعبر عن حركية المجتمع، وجعلتها تمرّ من تحت قبضة السلطة إن أرادت البقاء والاستمرار في الحياة.

ومع الاحتلال الأميركي للعراق نشأ وضع إقليمي جديد في المنطقة العربية، وانتهك حق السيادة، لكن الأنظمة العربية لم تتغير، ولم تتعلم دروس التغيير من الوضع الجديد. ويبدو أن هذه الأنظمة التي ولدت عاجزة، ما تزال تعيش أوهام هاجسها الأمني، وتستقي منه مقومات استمرارها، مفضلة أخذ مختلف أنواع المقويات والمسكنات من حراسها، القدامى والجدد، ومن تقارير أجهزة الأمن والاستخبارات.

لم تحثّ المتغيرات الحاصلة الأنظمة العربية على أن تعيد حساباتها الداخلية، ولم ترجح سبيل العودة إلى منطق المصالحة الوطنية، مستفيدة من الدرس الذي يفيد بأن الأنظمة الشمولية في طور التفكك والأفول، وهي وإن اتصفت بالقسوة والقمع والضراوة، داخلياً، فإن ذلك لن يمكنها من امتلاك أسباب القوة الكافية، ويجعلها قادرة على مواجهة أخطار الخارج، كونها تفتقر إلى أسس الشرعية، فغياب الشرعية الداخلية أدى إلى زجّ العراق في حروب لا طائل منها، حتى تحول إلى بلد محتل في عصر انتهى فيه الاستعمار.

ويبدو أن الأنظمة السياسية العربية القائمة لا يمكنها مواكبة المتغيرات الإقليمية والعالمية الجديدة، نظراً إلى تركيبتها وطبيعتها، وإلى ما تعانيه من أزمة شرعية تهددها، فهي لا تستند إلى مصادر الشرعية التقليدية، كما حددها “ماكس فيبر”، في التقاليد، والزعامة أو الكاريزما، والعقلانية، والكفاءة، مع أنها جميعاً تزعم امتلاك هذه المصادر، بل أدت ممارساتها، في حقيقة الأمر، إلى إحداث قطيعة ما بين الدولة والمجتمع، وسيادة حالة من انعدام الثقة مابين الحاكم والمحكوم، حتى صار العنف والإرهاب هما المكونين الأساسيين للغة الوحيدة للتعامل بينهما.

والمعروف أن أغلب النظم السياسية العربية الحديثة استندت في حكمها إلى ثنائي الثورة والانقلاب، وأسست شرعيتها على أسس تحقيق الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، فخاضت شتى المعارك الداخلية مع القوى السياسية المنافسة لها، التي انتهت بتصفيتها والقضاء عليها.

ثم بدأت تلك النظم تواجه، منذ بداية ثمانينات القرن العشرين المنصرم، مشكلة تآكل شرعيتها السياسية، نظراً لفشلها الذريع في الحفاظ على الاستقلال الوطني، وفي مواجهة التهديدات الخارجية، وفشلها في تحقيق التنمية، وعجزها عن تحقيق الديموقراطية والمشاركة السياسية وسواهما. بينما نجحت تلك الأنظمة في إدارة الأزمات، وفي إخفاء الغليان الداخلي وتأجيل الانفجار، بسبب التفوق الهائل المتراكم في عمل أجهزة مخابراتها العسكرية والأمنية والسياسية.

وبدلاً من البدء بالتغيير، لجأت إلى الأنظمة الحاكمة إلى إغلاق الطرق أمام أية محاولة جدية في التغيير، وتحدثت بدلاً منه عن الإصلاح المقنن، كونها تريده مشروطاً ومنقوصاً، كي تستمر في إنكار حق شعوبها في إدارة وحكم نفسها، وعليه لم تصل الإصلاحات الجزئية الذي أمكن تحقيقها في بعض المواضع إلى مستوى تشكيل سلطات منتخبة تتنافس سلمياً وتتداول فيما بينها الحكم والسلطة، كما لم ترقَ الانتخابات التي تجري، والأحزاب التي يسمح بتشكيلها، في بعض الدول العربية، إلى مستوى يمس جوهر السلطة، نظراً لعدائها لكل اختلاف أو تعددية أو تمثيل. وهذا يعود إلى الأساس التعسفي، الفاقد للشرعية، الذي نهضت عليه الأنظمة السياسية العربية، لذلك فهي تمارس العنف في السياسة والاجتماع، تعويضاً عن فقدانها للشرعية التاريخية، ولشرعية الإنجاز، ولا تخدم غير مصالح أصحابها وشركائها المنتفعين بها. وكل محاولات التغيير والإصلاح والتحديث التي جرت، أدت إلى مزيد من الفشل السياسي والتنموي، بسبب ممارسات نظم سياسية تستبد بالرأي، وتتجاهل الاتجاه العالمي المتزايد والراسخ نحو الديموقراطية والقانون الذي تضعه الشعوب من خلال برلماناتها المنتخبة، وتمكين المواطنين جميعهم من المشاركة في صياغة مصيرهم وشؤون حياتهم.

إن جوهر المشكلة يكمن في نتاج ممارسات الأنظمة الحاكمة التي لا تجيد سوى التحدث بلغة الشعارات الفارغة، بعيداً عن العقلانية السياسية، والتي عملت على تنمية الانتماءات ما قبل الوطنية، كالطائفية والعشائرية والإثنية، واستبعدت الخيار الديموقراطي الذي يستدعي التداول السلمي للسلطة السياسية، حتى أصبح هذا الخيار مستحيلاً في ظل سيطرة فرد واحد وحاشيته على مقدرات الدولة ومختلف الموارد الوطنية والاجتماعية ومختلف أجهزة الإعلام وسواها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق