المتنبي… الشارع والشاعر والذاكرة

 شارع المتنبي ببغداد
 

 

 

 

يقع شارع  المتنبي  في الذاكرة العراقية الحيّة بوصفه شارعا ” للعقل” والاحتفاء بنتاجه  الجمالي  والفكري والانساني.. ،  ومن  أهم صفات  هذا  الشارع  إنه جامع  المتناقضات.. ربما هو السمة البارزة للتعبير عن الشخصية العراقية  المتجولة في  هذا  الشارع، اليقظة،  المتحمسة ، المبدعة ، المقتنية،  المتشاطرة،  اللعوب،  البائعة،  المشترية،  العارضة ،  المعروضة.. الحاكمة ،  المحكومة، الضحية،  الجلاد.

هذا الشارع ينحصر بين نهر دجلة وشارع الرشيد ويعود تأسيسه الى فترة الحكم العثماني ويُعدّ مركزا لتجارة الكتب في العاصمة العراقية- بغداد-  في المنطقة التي كانت تعرف بسوق الوراقين في العصر العباسي، أنه  الشارع المتخم بالحكايات ،وهو متحف لتاريخ  الفكر العالمي  والعربي والعراقي. 


  شارع  تتجاذبه القمم  الابداعية ، وتفترش أرصفته  قامات أخرى تبيع  الكتب وما  ندر من جليل القول وهيبة الكلام وبوح  الألوان ..يقف  البائع  والمقتني  على مهابة دائمة من مكتبات ومطابع ومشاغل تحتل أمكنتها على جانبي الشارع وكانت أول مكتبة أقيمت فيه هي «المكتبة العربية» التي أسسها نعمان الأعظمي ، ثم تلتها «المكتبة العصرية» لمؤسسها محمود حلمي ، و كانت أولى المكتبات التي آنتقلت الى شارع المتنبي لتأخذ ومكتبات أخرى مواقع متميزة فيه، أبرزها: «مكتبة المثنى» التي أسسها قاسم محمد الرجب والتي سرعان ما أصبحت من أكبر و أهم مكتبات بغداد، ”  والتي  تعرضت الى حريق هائل  قبل  واقعة تفجير الشارع الارهابية” وكذلك «مكتبة المعارف» و «المكتبة الأهلية» و «مكتبة النهضة» و «مكتبة التربية» و «مكتبة دار البيان» التي أسسها الباحث والناشر علي الخاقاني، هذه  المكتبات  وغيرها التي إنتقلت  من سوق السراي لتضيف نكهة أخرى للشارع، كانت تسمح بسخاء  ومودة  أستخدام أرصفتها  للجدل  العراقي، للهامش ، للمعارضة  أن  تنمو . إذ أن  زمن  الحصار  الرهيب  على  العراقيين  في  تسعينيات القرن العشرين قد حوّل كثيرأ من الادباء والكتاب والمثقفين  الى مهنة  بيع الكتب على رصيفي بورصة المتنبي وعلى ارصفة وساحات اخرى من مدينة بغداد النازفة قلبا وعقلا…

لم يكن لهذا الشارع أبدا ملكٌ رفيق ولا رئيس  أنيس .. انه شارع كصاحبه المتنبي الذي ملأ  الدنيا  وشغل  الناس.. ولكن دون هجاء  أو مديح…و سمي على إسمه تكريماً لمكانته الأدبية والثقافية  في عهد الملك فيصل الأول، أبان تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وكان له تاريخه الخاص.


كنت أخطو  كغيري من أدباء العراق نازحا من مدينة البصرة من- جنوب العراق الرخو- الى خاصرة العراق – بغداد- ، كنا نسرع الخطى وبكبرياء  وحب لحاضرة العقل  ومدينة الضوء،  وفيها شارع يسكن ذاكراتنا إنه الشارع  الذي  كنت  أقصده  مع مثقفي  وأدباء  المحافظات  العراقية للإقتناء، والبحث عن  نفائس الكتب  والمراجع ، وما أستجد من نتاج  فكري وأدبي وفني.

ولكن رحلتي  في تسعينيات القرن العشرين ، وأيام الحصار الفتّاك الى شارع المتنبي لم تكن  لإقتناء الكتب ، بل كنت أحمل  وبخجل وحزن شديدين ما أكتنزته من درر الكتب في الأيام الخوالي،  وأحمل  معي أيضا كتب الأصدقاء التي  اودعوني أياها ،على أمل تحويلها الى دنانيرعراقية ، رخيصة القيمة،  ربما تسد حاجتنا من الطعام والشراب.


نزلت  الى بورصة المتنبي  بائعا ، أفرش كتبي على الرصيف مستأجراً غرفة معلقة بشناشيل بناية  عتيقة تجاور مقهى “الشابندر” وهو مقهى يقع في نهاية شارع المتنبي ويمثل شبه دار استراحة للمثقفين وعامة الناس الذين يتجولون في  شارع المتنبي وخصوصا في يوم ” الجمعة” وفي هذه  المقهى يحظى الجميع بمشاهدة معرض فوتوغرافي دائم لمدينة بغداد القديمة ـ معروضا على جدران ذلك المقهى .

 في بداية عملي في شارع المتنبي  كبائع كنت أستقل القطار الصاعد الى بغداد  من البصرة مساء يوم الخميس لأصل الى  المحطة  العالمية  في منطقة علاوي الحلة  ببغداد، ومن هناك  تبدأ  رحلتي أو ” جمعتي  العظيمة”، ذلك  اليوم الذي أبكّر فيه  صباحا لأحجز  مكانا على أحد أرصفة  الشارع وأفرش كتبي بعناية وحب وألم معا ، لانني على موعد مع بيع أبنائي، نعم كتبي أبنائي  وأبناء  أصدقائي ، تلك  الكائنات التي شاطرتنا  محنة البحث  عن أسرار الوجود والجمال  والحقيقة ، الكتب  هي العقول التي قوّمت قامتي في  حقل الابداع  والحياة  معا، وأنا  في  كلّ “جمعة” أُبكّر  بنحرها واحدا  أثر واحد.   

هل  كان الوالي العثماني (داود باشا) 1816م والذي أسس السراي الحكومي  ،الذي ينام  ذيل شارع المتنبي على رأسه الآن ، قاصدا أن يتحول سوق السراي المخصص للسراجين الذين يعملون في صناعة الجلود، الحقائب، سروج الخيل، الرسن، الأحزمة، أغلفة السلاح، الى سوق لإ متهان أو رفعة الفكر  والكتاب ، وهل  صار الكتاب وساما حضاريا يتوشحه العراقيون أم هو وسيله لمحاربة الفقر والجوع، أم طريقا للموت، وربما  الإنتحار ؟؟


لا أدري بنوايا الباشا داود  ولا بنوايا  ” نامق باشا” ولا غيره من باشوات وأمراء  وملوك  ورؤساء مروا من هذا الشارع  الجليل،  لكن المؤكد والذي أراه  من  “بسطية  كتبي” أننا على شفا  هاوية!!

نعم  كنت أهجس هذا تماما ، والنظام  الديكتاتوري السابق يمارس هجوما  منظما  لاحتواء  “مزرعة  العقول”  وتغييب  الجمال.. كنّا  نتعرض لحملات  مداهمة من قبل سلطات الأمن العراقي  لمصادرة  ومعاقبة  قائمة طويلة من  ممنوعات النظام ، التي لا نعرف  لها نظاما  محددا  ولا إسما  للمنع  ..

نعم  تناسلت  كتب المعارضة  من شارع المتنبي ، بعد أن صار ” يوم الجمعة ” طقسا  ثابتا  ومؤلما في  ذاكرتي ، لكنه من جانب آخر صار لي معينا مهما للتواصل  مع أصدقائي أدباء  ومثقفي  وفناني بغداد  والعراق  عموما،  وكانت ” بسطتي”  تمثل تجمعا صغيرا  ونواة للحوارات الفكرية  والابداعية  عموما. وهكذا هجرت  البصرة كليا ومضيت الى بغداد ، أفترش الكتب  طوال أيام  الاسبوع .. أصبحت  بائعا  وعاشقا  معا في هذا الشارع الذي  شهد  صدور كتابي  الشعري الثاني” دفتر  الماء”  والذي أصدرته  في  بغداد عن طريق الإستنساخ ومن  ”  مكتب مدى للاستنساخ”  في  الباب  المعظم، والذي  يديره  الشاعران أحمد الشيخ وصفاء  ذياب.

ومن شارع  المتنبي عرفت أن الثقافة تعني اختراق النمط السائد ،  وتأسيسا  نوعيا ،  عرفت أن الانظمة والطغاة  والملوك  والانبياء يصطفون كجثث هامدة  في نهر الحياة ، كان  المتنبي  نهرا للشعر وكان  الشارع نهرا للمتناقضات..

عرفت  أن  التناقض كفيل بولادة الحياة.. أرادوا للشارع أن يكون أملس  بلا ملامح  فما أفلحوا..


ربما  أستعيد  الان تلك  الذاكرة المشحونة والثكلى  بجرح  العراق وانا أعيش بعيدا عن وطني  العراق وشارعي المتنبي , لأرى ماكنت  احذره من  كوابيس  تنذر بما سيحصل .. نعم انهار النظام  السابق ، ومات زمن الممنوعات ، وقف  الباعة والمثقفون والمبدعون بكامل قاماتهم .. ولكننا نسينا” ذيل الحيّة”  الذي كسرنا ظهرها ودسنا على رأسها .. نعم ذيل الحيّة هو ما  كان  يزرعه  خفافيش  الظلام  من كتب  وافكار  وأراء  وحركات  هدّامة .. وجدت طريقها  الخصب  في  ظل  غياب النظام وغياب العدل  , تلك  معادلة شهدها  شارع  المتنبي  شاهدا وضحية.

كانت سموم الارهاب  تنفذ من خلايا  الوطن الخارج  من ردهة الإنعاش والشارع الذي يريد أن  يستعيد عافيته ، فكنّا  جرحا  على جرح.


شارع  المتنبي  الذي  تعرض لهجوم   همجي .. لم يكن غير ذاك  الوطن المسكون بالحب. نخلة  تُرمى بالحجر  فتساقط  رطبا  وعسلا وزيتونا ..

لم يمت  الشارع.. لأن  الحياة لا تنتهي  بما  يؤسسه الوالي والباشا .. لا الملوك ولا  الكهنة .. الذاكرة حيّة والشارع مزرعة  للعقول  ” وحديقة للوجوه”.


اليوم  أستعيد  عافية الذاكرة ،وأرفع نخبا بصحة العقول  والأيام  التي رافقتني  في رحلة  الهجرة الى ” الهناك” ،  حيث تقيم الذات البشرية  عرسها خارجة   من  كوابيسها ،الآن  اتذكر الذين فجّروا شارع المعرفة ،  هم الذين  كانوا يضطهدوني  في  أبسط حرياتي  الشخصية ،  في  تدخين سيجارة في شهر حرام ، وفي الإخلال  في شروط المضاربة في  اسعار الكتب ،  كنت شاعرا بريئا  حقا، ولم أمتهن تجارة  بيع  الكتب  بحرفية ، أبيع  وأعير  وأهدي ، ولا أتفكر  في  جمع المال .

لم انسّ الأيام التي كنت أحمل فيها ” دينارا عراقيا أزرق باشطا” في منتصف سبعينيات القرن العشرين ، وانا في طريقي الى مكتبة الجمهورية العامة ‘ في محافظة البصرة ،لأستعير كتابا ولمدة ثلاثة أيام ….


تلك عادة ألقى مرساتها ،أخي المثقف المبدع الشيوعي الشهيد صبري شامخ ،في بحر طيشي  وحبي وولعي للقراءة.


كان بيتنا يتوافر على مكتبة تعجّ بروائع كتب السياسية والادب والدين والفلسفة والعلوم الاجتماعية والصرفة. تلك المكتبة التي إنتفخت وانتفخت ، الى أن  تحولت  بعد المد البعثي الهمجي، الى ” كواني.. أكياس من الخيش ” كأنها جثث نُهّربها من بيت الى بيت خوفا من مداهمة السلطة لبيتنا بعد إعتقال اخي “أبو فراس” في عام 1981،راحت المكتبة  وأعدم صاحبها ومؤسسها وجثم الألم على الصدور، ولكن جذوة المعرفة لم تمت .. فبقيتُ أٌرمّم ما أستطيع  لجمعها ومعي أخوتي ، وَنمَت مكتبتنا  ثانية .. حتى جاء  زمن  السنين العجاف ، فنزل الكتاب الى السوق، بضاعة رخيصة ومخيفة في آن واحد ، وإذ كان الخجل من مهنة الوقوف على الرصيف ماثلا على وجهي في حينها ، فكنت أجمع  ما أستطيع حمله يوميا وأعطيه الى صديق شاعر، كنسَ الزمن الرديء دفاعاته النفسية في الخجل قبلي، في سوق البصرة القديمة حيث ” يبسط” في الكتب، وأنا أنتظره عند غروب الشمس وهو يأتي بحفنة من الدنانير تتناسب مع كمية ونوعية ما أكسره يوميا من أضلاع مكتبتنا البيتية!

كان الصديق يشفق عليّ عندما يراني أطير بالدنانير فرحا، بعد أن كنت في وفرة يحسدني عليها آخرون .


نعم.. الكتب مقابل الطماطة، والخمرة الرخيصة ، والأصدقاء ، وأسباب البقاء على قيد الحياة  الابداعية.. ومضت الأيام وتبخرت المكتبة  بعد ان كانت ” الكواني” تصل الى السيد ” عبد البطاط” صاحب مكتبة ماجد ، ليشتريها بثمن بخس، وتورم الألم في صدري وأنا أرى بعضهم يشتري كتبي والتي تحمل إمضائي واسمي ، ويتندر من حاجتنا !!


كلّ محنة تمر بنّا لا بد ان يتحمل وزرها الكتاب ، وكأنه داؤنا العضال ، الذي لا فكاك منه ..


كتبي التي قال عنها يوما ” عادل مردان : بعها فقد انطبعت في رأسك ” ، نعم إنطبعت في رأسي وصارت مداد قلمي ونتاجي ،  أشعر بعافية تلك الأيام التي تعلمنا منها وبها  كيف نقرأ الكتاب استعارة قبل  الشراء،  أتذكر بحب شارع المتنبي وانا أفترش بسطتي فيه  عندما أضطرتني الظروف لمغادرة البصرة الى بغداد..

أتذكر بحب كل  كاتب ومؤلف عظيم علمني الأرتشاف من بريق الكلمة وضوء فكرها ، أشكر كل من إشترى كتابا مني وخفف عني حاجاتي اللامتناهية .


كيف أنسى خالد عبد الزهرة وهو يشاطرني محنتي في خزن الكتب في غرفة رطبة مظلمة في حواري منطقة الفضل البغدادية الشعبية حد النخاع .


كنت بائعا فاشلا ، أُعيّر وأهدي من ” بسطتي” وكانت محطة صغيرة لأصدقائي الذين يتوافدون يوم” الجمعة العظيمة ” الى شارع المتنبي من البصرة وبغداد وكافة المحافظات. أتذكر أصدقائي اليوم وكتبي .. أتذكر سر صناعة العقل من رحم الألم  والمعرفة .. أنها المكتبات وأكسيرها العجيب..


رحلة من الألم .. ولكنها رحلة المعرفة والمغامرة أيضا  شهد آخر  فصولها  شارع  المتنبي  ..  الذي  كان أحد مصادر  المعرفة الثرة للكثيرين ، المعرفة التي صقلت موهبتي في حقل الإبداع المليء بالالغام ، والمغامرة التي قذفت بيّ الى  أقصى مدينة في غرب استراليا .. نعم لولا الكتاب وسره العجيب لكنت  تاجرا متورما بعافية الآخرين … وسيبقى قلبي  يرف لهذا  الشارع الذي شهد فصولا من تاريخ نضجنا  الإبداعي  ومأساتنا  الانسانية  المتلاحقة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق