المتوحد

الدرجة الواحدة بعد الستين، الظلام يغشى الأعلى.

لم أتبين المدى المحيط بموقفي؛ لهذا أعتمد يداي دليلا إلى الطريق، أتتبع الجدار متحسسا شقوقه فهي علاماتي الموثوقة و التي من خلالها أستطلع المكان. أمّا خطواتي فهي تخضع لإيقاع دقيق يعكس تذكري لمواطن الثبات على هذه الأرضية القديمة. العمارة كما يزعمون توشك على الانهيار في كلّ حين؛ إنها قاب قوسين أو أدنى من السقوط. أمرر أناملي على الجدار بحذر مواصلا تقدمي الأعمى، كنت في الحقيقة أتحاشى هاوية سحيقة بعد الدرجة الأخيرة. عندما بلغت شرخا كبيرا على الجدار عرفت موقعي، مددت يدي إلى باب الشقة الذي أصبح يقينا قريبا من يساري، دفعته و دلفت إلى الممر الداخلي. يا قريني المهذب، لا بد أنك لاحظت هنا أني بطيبتي الساذجة أهمل إمكان السوء؛ فلهذا بابي مفتوح، و فضائي مطمئن لخصاله الهادئة.

خارطة الدخول إلى شقتي يغشاها ظلام الليل؛ فقد قطعوا الكهرباء عن العمارة و هم يضمرون هدمها بالكامل. سينهار المكان حتما، و سأكون ساعتها في ميقات تأمل طاهر لا يحفل بجبروت هزيمة الفراغ. كلّ شيء هنا يتلبسه السواد، و أعرف نهجي عبره بقياس العادة و التكرار، حتى أني أمكر في صخب عبقري فأعمد إلى وضع رياضيات يقينية لحركة مستأمنة على هذه الأرضية القديمة.

التدبير الأول : أخطو جانبيا في اتجاه الجدار الأيمن خطوة واحدة تتسع بمقدار ربع ذراع، أتقدم أربعة خطوات كل واحدة منها تتسع بمقدار نصف ذراع، أتجه بعدها كليا إلى اليسار، أتقدم إلى الجدار الأيسر، أعاود اتجاهي إلى الأمام، أتقدم ثمان خطوات كل واحدة منها تتسع بمقدار ذراع واحد، أواجه يميني، أَطْفر طفرة كبيرة بحيث أخترق المسار المتبقي بميزان محكم و لأكون بعدها يقينا داخل غرفة النوم.

أتفهم هذا ؟ كلّ شيء هنا خاضع لتعقيد حساب يكرر ذاته، أي خروج عنه يعني أني أواجه مشاكل قد تمتد إلى سقوط مأساوي من هذا العلو الشاهق. يا قريني الطيب، إن الحفر تغمر أرض السماء فتتشكل عنها فخاخا قاتلة، إنها ترصد حركتي العابثة لتتصيد هفوتها النزقة، فأضطرّ إلى معاودة فعلي القديم لا أغفل عنه؛ فهو الباب، وهو القدر، وهو القِبلة…

غرفة النوم كما أعرفها مشهد ضئيل لفراغ كئيب، إنها لا تحمل غير تصدعات تبشر بزوال ما، أو هي مجرد فضاء مرعب بلا أثاث غير فراش يحمل ملاءة مغبرّة. هذا ما هو موجود فعلا، حتى و إن كنت لا أراه الآن؛ فما تغلفه العادة في غرفتي يصبح برهانا أكيدا.

بعد خمس خطوات كل واحدة منها تتسع بمقدار ربع ذراع، أكون أمام الفراش. تمتدّ يدي لترفع الملاءة بقسوة، أحركها بعنف لأنفض عنها بعضا من غبارها، أسمع أصوات تساقط بعض الحجر الصغير على الأرضية.أتمدد على الفراش. أتغطى بالملاءة، أحشر رأسي تحتها. أتنفس بانتظام هواء فاسدا. أليس هكذا تشرق السعادة، يا قريني الأمين ؟ ها أنني أنشقّ عن عشوائية الكيان الهائج المغترب إلى وحدة الصراط المعلوم. لن تجدني حائرا أمام الظلام فمساري المُعاد هدايتي. قارن يقيني هذا بغوغائية الضياع القلق، لقد تبدل عذابي و تعذيبي إلى صفاء كليّ. تأمل الحين دقة معادلاتي و مدى تطابقها الأمين مع عالمي الليلي، و سترى أني أبلغ الكمال بلا تصنع، كلّ شيء يلتزم عندي بحدّه فلا يغشاني العقاب.

ما بين الشهيق و الزفير في فراشي الليلي زمن يُستعاد، تتعادل مدتها فتحفظ نظامي. ميقات واحد يتولد عنه مواقيت، وهي تجنح في رفق إلى التتابع مستسلمة، فتتلف الألم و تشرق طمأنينة النسيان.

التدبير الثاني : أشهق بعمق إلى حد الامتلاء، أزفر في ترف إلى حدّ الخلاء، فتكون وحدتي مدة شهيقي و زفيري ذاك، أكررها ستين مرة فتكون مجموعتي الأولى، و يبقى أمامي غاية الستين مجموعة. لكني لا أنشد اكتمال غايتي فقبل تحققها أكون وجوبا قد غبت في موتي الصغير.

يا قريني التقي، حيثما كنت تلبسني شعور قذر بعار مبهم؛ شعور أليم ينخر قلبي و يضطهد سكينتي، حاولت مرارا الخروج عنه لكني في كل حين كنت أراه يسكنني بإلحاح، لم أستطع الخلاص فقررت النسيان. شجن خطيئة ما لم أقترفها تمزق أحشائي بعنف شديد، إنه حاضر بقوة فيّ فيثقل صوري كراهية غاضبة. لا أعرف أي متاهة ورثتني هذا القنوط، ففي مسافة ما من هذا الجسد المتهالك شعور منهك بعار فعل شائن يقتلني. لكي أنسى عليّ قتل اتساع المعنى. فقط، ما عليّ سوى التخلص إلى فعل صامت و أكرره بلا تأويل فتتحقق أمنيتي. أتأمل داخل دائرة الكون فأرى المثال العلوي لحذق النسيان؛ أليس الكون بانتسابه إلى ميزان التكرار يقتل رعب نشاز خلقه ؟ التواتر الصامت حلقة الرؤيا الأكثر بلاهة؛ إنها مشهد الأفول الأزلي ينبع من فيض مكتمل.

طفل ما تحت وطأة ماء يغسل أدرانه، يشقى من ألم ذنب ما؛ تلك الطهارة لم تكف. ما يسعفه حقّا هو رجم فراره، دفعه إلى الانتظام العجيب في مدارات حكمة الصمت المستعاد، أو تلقينه بيان السلف لقانون العدد الأعظم. هاك إذا، يا قريني الطيب، حل تتدثر به ساعة نحس موحش، إننا ندحض الانفلات لنختلق برهة نسيان.

أفارق الدرجة الأولى، ينطلق حسابي مع بزوغ شمس أخرى.

ضجيج الأبواق، أفواه تتشدق ببلادتها، خطوات فارة إلى جحيمها، نطق غامض، طُرُق منكسرة، وجوه شاردة تستطلع صمتها، تهالكٌ طقوسيٌّ في مدارات التيه، موت يائس على أرائك إسمنتية، رائحة القذارة، كآبة السقوط، ثرثرة الضياع، مقصلة تعدم المزيد المزيد[…]، جثث تقع من سمائها إلى تربة نجسة، كلمات تطؤها رذيلة البوح، خاسرون يتطاولون على الصنم المذهب، زحمة التأوهات تكشف العورات، ألوان فاقعة تفضّ العتمة…

تنفجر الضوضاء نشازا كريها بلا أمان، أصوات تشاكس في لؤم وضيع كي تعيش. إنها اللمحة الكافرة لحركة تضطرب على أرض بلا تقييد، فكأنما هي عاصفة تحتوي هذا الفزع الكلي، تشذُّ في كبرياء غير آبهة بناموس. ها هو الجنون المنفلت يغدو آية للظهور. إني لا أراني؛ ففضائي الذي أراه هناك صراع هاذ يختلق الفوضى؛ و ساعتي بلا وقار تسرف في تهوّرها. مشهد كابوسي لمسوخ تستوطن المدينة.

التدبير الوحيد : تكون البداية خطوة أولى تتسع بمقدار نصف ذراع، تتبعها أخرى على شاكلتها، و تستمر في التلاحق متتابعة على نظامها الدقيق إلى أن تبلغ عند المغيب محصلة عددية تتطابق كليا مع حصيلة خطوات البارحة و ما قبلها. و لإتقان التساوي العددي لحصيلة الخطوات ما بين حاضري و أمسي الصادق اعتمد نفس المسلك دون تبديل.

في هذا الزمن المأساوي أكتشف راحتي في تدبّري؛ إني أمتلك عبر نسقي الأكمل ثقتي و عيشي المطمئنّ. أغتال غيرية الكيان، فلا أكون إلّا واحدا في مدار معاد. تتواتر حركتي الموزونة فترصد ثباتي. صدقا، بنهجي هذا أبلغ عظمتي، و شموخي، و دعوتي. لا فعل يشذّ عن سنتي، و لا محيط يغفل بي عن طقسي؛ إنني في شغل عن السوى باكتمالي. تلك نبوءتي التي أبثها في المدينة، ستكون فيضا سلميا ينشر مبدأ الحياد العظيم. فلن يضيعني سؤال العالم؛ لأن خطواتي الموقوتة وهي تشق أرضي المعلومة ترسم سرّ الوجود الوحيد. إنني نبع رسالة تعدم ضآلتي، تخرج عن طوقي لتلتحم بالأسمى. لست إلّا ضياء يغمر هذا الغسق اليومي، و يحدث بكلمات قديمة عن خلاص قديم. آية النابت المفرد لاعتناق البهاء الأبدي.

يا قريني الأمين، إليك آخر كلمات النجاة : سرّ على خطاي تكن نقيّا سعيدا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This