«المثقفـــون» الآن / عباس بيضون

لا أعرف إذا كانت ترجمة رواية سيمون دو بوفوار «المثقفون» في وقتها لكن يتراءى، أكان ذلك عن قصد من المترجمة ماري طوق او غير قصد، انها كذلك. الرواية تعالج بالدرجة الأولى خلاف سارتر وكامو الشهير لكن حول هذا الخلاف تتكوكب خلافات أخرى تذهب بالموقف السارتري إلى أقصاه وبالموقف الكاموي إلى أقصاه. من هنا يمكن ان تنشأ خارطة لمواقع المثقفين الفرنسيين وتقاطعاتهم. لا نعرف إلى أي حد تساير الرواية التاريخ واذا كنا لا نخطئ التعرف الى سارتر وكامو في الرواية فإن الشخصية التي تمثل سيمون دو بوفوار نفسها لا تشبهها دائما رغم انها تروي قصة حبها الشهيرة مع كاتب أميركي هو الآن مغمور أو منسي، فبوفوار في شخصيتها الروائية طبيبة نفسية، ليست كاتبة وتكاد بين سارتر وكامو لا تتخذ موقفا وليست هذه حال دوبوفوار.

ليس هذا ما يعنينا الآن من «المثقفون»، يعنينا موقفان رئيسيان، الاول سارتري وهو لا يريد من الموقف ان يكون جزافا وعلى رسله. ليست الحقيقة وحدها ما يطلبه سارتر حين لا يشك في أن المعلومات عن سخرة السجناء السياسيين في الاتحاد السوفياتي آنذاك صحيحة. قد تكون مبالغة لكنها ليست كاذبة فهناك ملايين يساقون إلى السجن ويجبرون على العمل بشحم بطونهم وبالخبز وحده رغم انهم حتى في هذا لا يصلون إلى شبعهم. يجوعون ويمرضون ويموتون بدون رحمة ولا اكتراث من سجانيهم ويتركون لبؤسهم المخيف وينطفئون بلا اعتبار. انها عبودية جديدة تقام عليها الاشتراكية نفسها فمن سخرة هؤلاء وعملهم المجاني واسترقاقهم الفعلي تنشأ مصانع وانتاج وكهرباء. الصورة مخيفة خاصة لداعية الحرية سارتر الذي يرى أن الانسان محكوم بالحرية. مع ذلك فانه يرفض ان يدين الاتحاد السوفياتي علنا. الحقيقة لا تكفيه ليتخذ موقفا. الاتحاد السوفياتي بعد الحرب الثانية أمل البشرية ومستقبلها بالنسبة لسارتر وهو هكذا أيضا بالنسبة لكامو. ذلك انه الوعد الأكبر لتحقيق الحرية والعدل، ذلك ما ركز في ذهن سارتر. الاتحاد السوفياتي مستقبل الحرية بل الحرية المرتجاه نفسها وهي الآن تبنى بوسائل بربرية بل تبنى على العبودية.

كان كامو حتى ذلك الحين صديق سارتر الأثير وتلميذه تقريبا. فارق السن والعمل جعل من سارتر كذلك. يضاف إلى ذلك ان سارتر تبنى كامو ودعمه. لم يكن كامو اذا ليخالف سارتر بسهولة. موقف سارتر وازن بالنسبة له ولا يقدر على ان يتخطاه. ذلك رماه في حيرة وتردد قطعهما في النهاية بأن خالف سارتر ونشر الوثائق التي تدين الاتحاد السوفياتي. قبل ذلك كان كامو ساير سارتر في كل شيء. قبل على مضض بأن يعير جريدته الناجحة لتنظيم سارتر السياسي وأن يجعل منها لسانه الأمر الذي أدى إلى تراجع الجريدة وخسارتها لجزء من جمهورها وسقوط بعد ذلك في بلبلة مالية، وكان ذلك إيذانا بخروجها من يد كامو واحتجابها. ساير كامو سارتر في مسألة حيوية كهذه لكنه لم يسايره في الثانية ولربما انتقم في الثانية من تنازله في الأولى. حجة كامو كانت أيضا واضحة. على الكاتب أن يعطي الأولوية للحقيقة وليس في وسعه ان يقيس ذلك بعواقب ومصالح استراتيجية او تاريخية لا سلطة له عليها. لم يكن كامو أقل انحيازا للاتحاد السوفياتي وللاشتراكية لكنه لم يضع نفسه مكان التاريخ ولا رهن نفسه بمصائر استراتيجية. كان دوره في نظره أقل من ذلك، ان يساعد بالتنبيه إلى زلل او خطأ، أن يدافع عما يراه مستقيما او صوابا، ويشير حيث يجب الى الجادة فكر كامو: ما معنى ان نسكت عن خطأ الا أن نكون الغينا أي حاجة او دور لنا. ما معنى ان نتكلم عندئذ عن مسافة نقدية او نقد ايجابي اذا كان المطلوب منا هو الصمت فحسب.

نشر كامو الوثائق وظهر الخلاف بينه وبين سارتر جليا. وجد كل منهما من يقف الى جانبه لكنه وجد ايضا بين مؤيديه من يتعداه إلى الأقصى. كان بين مؤيدي سارتر من حسموا أمرهم بالانتساب إلى الحزب الشيوعي حين أيقنوا أن المسافة النقدية هذه وهمية ولا فعالية ولا مكان لها حتى. ووجد بين مؤيدي كامو من ذهب نهائيا إلى دعم اميركا. كانت هذه مروحة مواقف أقلها ثباتا وأكثرها اهتزازا موقفا سارتر وكامو نفسيهما. من ذهب الى الأقصى وجد مكانا راسخا ووقف عنده أما سارتر وكامو فبقيا في موقفيهما وحيدين قلقين حين لم يتماهيا مع فريق او طرف. هكذا عاد الموقفان فتقاربا بل ظهرا، رغم أن كلا منهما في جهة مختلفة، في الإشكال نفسه. كانا في البدء رئيسيين فغدوا ثانويين وكانا جامعين فباتا منفردين، وكانا صريحين فصارا حائرين محيرين. هكذا عادا فاجتمعا وتقاربا بعد ان خرج كل منهما من ملابسات موقفه ومضاعفاته وعواقبه. لقد ضاقت الشقة بين الموقفين فان تدين او لا تدين يغدوان الشيء نفسه حين ترفض ان تتماهى. هكذا ارتد سارتر المفرط في سياسوتيه الى الكلام عن اعتزال السياسة ولو بدون تصميم. بينما لم يكن كامو بحاجة إلى قول كهذا فقد بات أحوج إلى ان يبتعد وإلى أن يكتب فحسب.

ترد سيمون دوبوفوار موقف كامو أحيانا إلى انه، في العمق، ليس راسخا في السياسة بعكس سارتر الذي كان، بحق، كائنا سياسيا. لا يبدو هذا التفسير ملائما الآن. لقد كان لكل من الرجلين سياسته واختلافهما على استقلال الجزائر ابين من خلافهما على الاتحاد السوفياتي. لم تعد العدالة مطلب كامو الذي قال عندئذ: بين العدالة وأمي اختار أمي.

مع ذلك فإن ترجمة ماري طوق لرواية دوبوفوار الصادرة عن دار الآداب في وقتها تماما. قسمة المثقفين اللبنانيين ليست تماما قسمة كامو وسارتر رغم ان الفاظا كالحقيقة والمستقبل تدخل في الموقفين. لكن الخلاف السارتري الكاموي لم يكن عاقبة الخبث او الشر او الخساسة كما يتراءى أحيانا للواحد ان يرمي خصمه. كان الخلاف نوعا من مفاضلة بين خيارين صعبين غالبا. ولم يكن سارتر او كامو غير واعيين لذلك وانحازا وهي على دراية بهذا الالتباس. أظن ان هذه من سيماء الثقافة، ان لا ننحاز بدون ان يكون الانحياز ملتبسا وبدون دراية لالتباسه وحدوده. الانحياز بدون شروط ولا مسافة ولا مفاضلة صعبة سمة للعامة اكثر منها لأهل الثقافة. لنقل ان التماهي الكامل ليس من سيماء المثقفين. لنقل ان المفاضلة الصعبة تجعل الواحد واعيا بمأزق الخصم وحلقته التراجيدية. واعيا بوقتية الموقف ونسبيته. حروب المثقفين على حدتها لا تبتعد عن هذا الوعي الشقي. عن هذا الشعور بأن المرء منفرد وحيد حتى في فريق وجماعته. الوعي بأن الآخر الخصم يشاطره هذا الوعي الشقي وتلك الوحدة. يمكن لوعي كهذا ان يخرجنا من التسييس الأعمى ومن الانسياق للجماعة. مهما كان انحياز المثقف فإن في موقفه نقدا لجماعته ومسافة عنها. مهما غلا في انحيازه فانه يدرك ان الآراء لا تصدر عن شر لكن عن موازنة أخرى. قد يكون مفيداً ان ينتج الصراع اللبناني الحالي ثقافته. أما أن يستمر كنعرة، اما ان تتأكله الحزازات، اما ان يستمر بلا أفكار فهذه بليتنا بهذا الخلاف، بلية اضافية.

عن جريدة السفير 10/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق