المثقفون العراقيون .. مربعات طائفية! / شاكر نوري

المثقفون العراقيون .. مربعات طائفية! / شاكر نوري 

كان الجنرال ديغول يفضل أن يستمع إلى الروائي المعروف أندريه مالرو، الذي عينه في منصب وزير الثقافة ولم يفضل أن يستمع إلى وزير خارجيته أو دفاعه.

 

قلما رأينا قائداً عربياً يقّرب المثقفين وكأن هناك فوبيا الثقافة التي تثير الخوف والرعشة. لقد نسينا مفهوم المثقف العضوي الذي طرحه غرامشي في أدبياته، هذا المثقف الذي يضع مسافة بينه وبين السلطة مهما كانت حتى لو تعبّر عن آرائه. مبرر هذا القول أن المحاصصة الطائفية في أمقت صورها لا تزال تخيم على العملية السياسية في العراق منذ سبع سنوات. بعض المثقفين العراقيين انتبهوا إلى دور المثقف الذي انتهى دوره وتلاشى في ظل الظروف الحالية.

 

 

هذا المرض نخر كل الجسد العراقي، ووصل إلى روحه، أي الأدب. فقد ظهر أن الاستمارة التي استخدمت في الانتخابات الأخيرة لاتحاد الأدباء والكتاب احتوت على أربعة مربعات: للعرب والأكراد والتركمان والكلدو-آشور. تقسيم يلغي المواطنة ويكرس العرق والجنس والسلالة. والسؤال المطروح هو: هل ينجر الأدباء والكتّاب العراقيون إلى هذا الدرك وهذه العقلية؟

 

 

إن هذه التقسيمات التعسفية وذات النكهة الطائفية التي زكمت الأنوف جاءت نتيجة لقانون قديم في الوقت الذي لم يناقش فيه مجلس النواب المنتهية ولايته مشروع قانون جديد بشأن منظمات المجتمع المدني. الأدباء والكتاب يجب أن يعطوا درساً للسياسيين باعتبارهم الفئة الأكثر وعياً وثقافة واستقلالية، ولكن تحولهم إلى تابعين للساسة لا يبشر بأي تغيير في أصول المجتمع المدني.

 

من يؤثر في الآخر الأدباء أم السياسيون؟ السياسيون الحقيقيون لا يريدون من المثقفين أن يكونوا تابعين لهم. وفي مجرى التاريخ، نذكر حادثة قائد الشرطة الذي أخبر الجنرال شارل ديغول بأنه ألقى القبض على الفيلسوف جان بول سارتر، فأجابه على الفور (أطلقوا سراحه إنكم تعتقلون فرنسا). لا يوجد لدينا سياسيون حقيقيون، بل تجار سياسة. كما أن اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين الرسمي لم يجد له موضع قدم في اتحاد الأدباء والكتّاب العرب لأنه أيّد الاحتلال الأميركي للعراق وأطلقت على المقاومة مصطلح الإرهاب. وآخرها الموافقة على المحاصصة بدلاً من رفضها وشطب النعرة الطائفية في قسائم الانتخابات بل وإدانتها. ولا يزال يتساءل هذا الاتحاد لماذا لا تتم الموافقة على ضمه إلى اتحاد الأدباء والكتّاب العرب.

 

 

هل يمكن أن يتوافق الإبداع مع الانتماء الطائفي أو العرقي؟ لا ننسى نقد دور السلطة في تدجين المثقف، ولا نقد دور المثقف في تدشين السلطة من الغزالي إلى أركون، ومن سلامة موسى إلى فرج فودة. يبدو أن بعض المثقفين الذين استسلموا إلى مقولات الطائفية أحالوا أنفسهم على التقاعد المبكر وتخلوا عن مهامهم العاجلة في التصدي للاحتلال الأميركي.

 

 

 

لماذا يصبح المثقف العراقي إشكالية في هذا الظرف بالذات؟ وهو الذي يدعي دائما أنه الأكثر وعيا، والأكثر استنارة والأكثر تقدمية وعقلانية وثورية، فأين هو إذاً مما يجري في العراق من قتل منظم للعلماء والأطباء والمهندسين وتفريغ البلد من كوادره العلمية؟ لماذا يصّم أذنه عن سماع صراخ سجناء الفكر وراء القضبان؟ لماذا يوافق على مبدأ الاجتثاث كمبدأ إقصائي وتهميشي؟ إن مقولة (موت المثقف) ظهرت مع بزوغ النظام العالمي الجديد، وانتقلت من الغرب وغزّت عقول بعض مثقفينا.

 

 

عن جريدة البيان 22/5/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق