المثقف السوري وخيبة الأمل بالسلطة وبالمعارضة

يقتضي البحث في السلطة والمعارضة والمثقفين السوريين الكثيرَ من الحذر المعرفي، فاستخدام التوصيفات هنا قد يأخذ طابعاً مجازياً ينزاح عما هو متداول عموماً. ولعل من التوضيحات المناسبة في هذا الصدد ما صرّح به أحد أقطاب “المعارضة” إذ قال: إن المعارضة السورية حالة رمزية. لكننا نضيف إلى ذلك أن هذه الحالة الرمزية كرّست، على مستوى الشكل ترسيمة “سلطة/معارضة” سوريتين، بخلاف الواقع الذي يشير إلى قوة وحيدة، وهي السلطة طبعاً، فيما لا تعدو المعارضة إلى الآن عن كونها حالة ثقافية عرَضية. ونعني بعرضية الحالة أنها لم تتأسس على تقاليد سياسية سابقة، مثلما لم تستطع حتى الآن أن تؤسس لهذه التقاليد. والواقع أن ثورة البعث أحدثت انقلاباً على مستوى الاجتماع السياسي ككل، وآلت ديمقراطية الاستقلال المستجدة إلى مجموعة من الأحزاب تتشارك في الفكر الانقلابي، مع اختلاف تنويعاته الأيديولوجية، ومع اختلاف مواقع الأحزاب التي توزعت بين السلطة والعمل السري. وإذا منعت السلطةُ المجتمعَ من السياسة فإن العمل السري بطبيعته يقتصر على “النخب”، أما الفكر الانقلابي فهو بطبيعته يتطلع إلى السلطة وسيلة إلى التغيير، أي التغيير من فوق، لا عبر الحوار المجتمعي.

لقد أدى شيوع التحليل السابق بشكل ميكانيكي، خلال السنوات السبع الأخيرة، إلى رواج فكرة في الوسط الثقافي/السياسي مفادها: السلطة والمعارضة وجهان لعملة واحدة. وبمعنى أوضح: لو قٌيّض لأي حزب أن يستلم السلطة، بدلاً من حزب البعث، لأدّى الأداء السياسي والأمني ذاته. وهذا الاستنتاج، على ما فيه من قدَرية، يحمّل السلطة مسؤولية الأفعال التي ارتكبتها، في مقابل تبرئتها ما دامت الأحزاب المناوئة لها قد أضمرت ارتكاب الأفعال ذاتها، فيما لو استلمت السلطة. تقفز هذه الخلاصة عن الحقائق المادية، فحتى التشريعات لا تحاسب على النوايا، بل على الأفعال. كما أن مساءلة السلطة تتم على أرضية موقعها، والمسؤوليات المناطة بها، وهذا يرتّب عليها حماية مواطنيها وحقوقهم، بما فيهم خصومها السياسيين، لكن الاستنتاج السابق يستتبع تبرئة السلطة من مظالم الاعتقال السياسي مثلاً، وكأن السجون كانت ستمتلىء حتماً، إما بالمناوئين لحكم البعث أو بالبعثيين. هكذا تُقصى المعارضة عن موقعها، وتوضَع في موقع افتراضي “السلطة”، لتُحاسَب على “لو”! والخلاصة الملطَّفة مما سبق هي: لا السلطة شرّ مطلق، ولا المعارضة خير مطلق. هذه أيضاً إحدى الكليشيهات الرائجة اليوم، وتبدو شكلاً بديهيةً غير قابلة للنقاش، على الرغم من احتوائها على أكثر من علّة فكرية، إذ تُدخل مفردات أخلاقية مثل الخير والشر إلى حقل التداول السياسي. ومن المعلوم أن مفاهيم الخير والشر نسبوية بطبيعتها، وهذا أسوأ ما في الأمر، فالنسبوية تلغي الحوار الخلاق ما دام ظاهرها يساوي بين وجهات النظر، والابتذال النسبوي يقود إلى المساواة بين الدفاع عن الضحية والدفاع عن الجلاد، أي أنه يلغي الفوارق القيَمية، إضافةً إلى أنه يلغي الفوارق المعرفية، بتجاهل أن الاختلاف يقوم بين طرفين يقفان على أرضيتين معرفييتين وقيَميتين متكافئتين.

تستند المقولات السابقة، في جزء منها، على المعرفة العيانية. إذ يشير أصحابها، ونحن لا نشكك في صدقهم، إلى أنهم قابلوا أشخاصاً في المعارضة لا يقبلون بالرأي الآخر. وفي المقابل التقوا بأشخاص من السلطة، وغالباً قيادات أمنية بارزة قامت باستدعائهم، فأبدى الذين في السلطة انفتاحاً افتقدوه عند البعض من أقطاب المعارضة. نعود إلى التأكيد على صدقية الكلام السابق، ومشروعيته في الحديث عن ظواهر فردية، فمن المؤكد أن المسؤولين السوريين لا يتجلّون على هيئة دراكولا، ولا يتجلّى المعارضون على هيئة بابا نويل. ومن المؤكد أيضاً أن الأداء الأمني للسلطة قد شهد تطوراً على المستوى الإجرائي، بحيث يتم استدعاء الناس، وربما الحوار معهم، بدلاً من اقتيادهم عنوة وممارسة الضغوط الجسدية عليهم، فيكاد هذا “الإنجاز” الأمني أن يغيّب الحقّ الأصل وهو حرية التعبير. فالأصل هو عدم استدعاء الناس ما داموا لم يخرقوا القوانين، ولا نعني بذلك القوانين السورية المرعية في حالة الطوارىء، بل القوانين المعاصرة التي يجب أن تتلاءم مع حقوق الإنسان، فتحسين شروط الاعتقال لا يلغي المطالبة بالشرط الأصل وهو الحرية.

من الأقاويل التي بدأت تلقى القبول، في السنتين الأخيرتين، اتهام المعارضة بالمراهنة على القوى الخارجية. ولسنا هنا بصدد ردّ هذا الاتهام، بل ربما ينبغي الإقرار بصحته، جزئياً على الأقل، أما ما يُرَدّ عليه فهي لغة التخوين المضمرة التي تبتعد عن النقاش في الصميم، ولا تبحث في الممكنات الواقعية للتغيير. ففي الواقع لقد راهن البعض على التغيير بأقصر السبل، حيث بدا أن السلطة آيلة إلى الانهيار تحت وطأة الضغوط الخارجية وحدها، ومن الواضح أن هذا الرهان جاء نتيجةً لانسداد أفق التغيير الداخلي، وعدم تمكين المعارضة، والمجتمع أولاً، من المشاركة في الحياة السياسية. إن وجود قوة وحيدة ساحقة، متمثلة بالسلطة، سيعزز الإحساس بالعجز، ويدفع إلى التماس التغيير عبر القوى القادرة عليه حقاً. وهذا التوصيف لا يرمي إلى إعفاء المعارضة من محاولة توسيع هوامشها المجتمعية، أو تطوير أدائها بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية المحيطة بها، بقدر ما يرمي إلى الابتعاد عن منطق التخوين، فأقصى ما يصل إليه هذا المنطق هو أن يصوّر عملية التغيير على أنها مطلب خارجي محض، في تغاض عن ضروراته المحليّة. ومن المستغرب أن تنحسر بعض الأصوات الناقدة، أثناء أزمة السلطة، في تعبير عن العصبية، وبما يسبغ على السلطة شرعيةً لم تتحصل عليها عبر عملية سياسية ديمقراطية.

لا نأخذ على أصحاب المقولات السابقة انتقادهم المعارضة، فهذا مشروع، بل ضروري. المأخذ الرئيسي على ما سبق هو المقايسة بين السلطة والمعارضة، وبما يؤدي إلى القبول بالسلطة، لا كأمر واقع وحسب وإنما كأفضل الممكنات. فرواج هذه المقولات يعزز الإذعان للواقع، بدلاً من محاولة زحزحته عبر النقد المتواصل. ومرة أخرى تبدو الخيبة ناجمة عن تفكير “انقلابي” أكثر مما تتأتى عن عقل نقدي، إنها خيبة المثقف وهو يرى أحلامه، لا مشاريعه، تنكسر على جبهتين. فأولاً كان هناك أملٌ بأن يقطع عهد الرئيس بشار الأسد مع مراحل سابقة من التاريخ السوري، وقد طويت هذه الصفحة مع الإعلان عن الاستمرار على النهج القديم. ومن ناحية أخرى رسم المثقفون السوريون صورة زاهية لأقطاب المعارضة، أثناء وجودهم في السجن، وأُطلقت على بعضهم ألقاب لا تتناسب مع فاعليتهم الاجتماعية، وقد ظُلم هؤلاء مرتين، مرة باعتقالهم وحجبهم عن الحياة العامة، ومرة أخرى بوضعهم محط آمال تفوق قدراتهم. لقد أعاد المثقف السوري اكتشاف ما يعرفه عن السلطة، فكانت خيبة أمله بها أقل، لكنه اكتشف المعارضة للمرة الأولى، وفي لحظة أزمتها أيضاً.

مع شيوع حالة الإحباط في المجتمع السوري إلا أننا نركز على المثقف، حيث لا نستطيع الحديث عن وعي معارض على المستوى الاجتماعي العام، ولهذا وصفنا المعارضة بأنها حالة ثقافية. ومن السهل على أي متابع أن يلاحظ مساهمة المعارضين السوريين في الكتابة عن الشأن السوري، سواء على صفحات الجرائد العربية أو على مدوّنات الانترنت، ونجزم بالقول إن غالبية ما يُكتب عن الشأن السوري يكتبه هؤلاء المعارضون، أما كتابات المثقفين المستقلّين فلم تسجّل حضوراً لافتاً حتى الآن. وإذا كان من إيجابيات تُحسب لكتابات المعارضين، في تسليط الضوء على الواقع السوري، إلا أنها عُرضة لأسر الإيقاع السياسي لأصحابها. ومن الملاحظ أن هذه الكتابات سريعة الاستجابة للمناخ السياسي والأمني السائدين، كما أنها عُرضة لتغليب الانحياز السياسي على الانحياز المعرفي، مما يجعل من العملية النقدية شأناً موسمياً يتعلق بصعود المعارضة أو انحسارها، حتى إن الخيبة في جانب منها هي خيبة أمل المعارضة بنفسها. وأية مقارنة بين ما يُكتب اليوم وما كُتب قبل سنتين تدلل على انحسار موجة النقد الذي يطال السلطة، وإذا استثنينا الأقلام التي ركبت الموجة حينذاك، وغابت مع انحسارها، فإننا نلاحظ تراجع وتيرة النقد فيما تبقّى من كتابات. لقد ألقت السياسة بظلها على النقد تماماً، فأصبح رهناً بالتمثيل السياسي المباشر للمعارضة، وبحيث يبدو انتقاد السلطة اصطفافاً، بالمعنى الضيق للكلمة، مع المعارضة. وفي المقابل ستندر الأصوات الناقدة للمعارضة من موقع الوعي المعارض، لا من موقع الاصطفاف مع السلطة.

قد لا يكون من باب الجرأة فقط القول إن السوريين يتهجّون ألف باء السياسة بعد طول انقطاع، ومع أن المعارضة أقرّت بالعمل السياسي العلني، والتغيير الديمقراطي السلمي، عبر ما سمّي بإعلان دمشق، إلا أنها أخفقت في الانتقال من العقل الإيديولوجي، وأساليب العمل السري، إلى العقل السياسي النقدي الذي يتأسس عبر الجدل مع الواقع. وقد حمل الإعلان ذاته المتناقضات، فكان بمثابة إعلان عن القطيعة مع النظام القائم، في الوقت الذي يعتمد فيه خيار التحوّل السلمي، وفي الوقت الذي ينفتح فيه على الأخوان المسلمين، وهم الجهة الوحيدة التي شاركت السلطة في أعمال العنف الطائفي في ثمانينيات القرن الماضي، ولم تقدّم إلى الآن مراجعة نقدية جادة تطال دورها آنذاك. وبدلاً من أن يكون الإعلان خطوة نحو بناء تحالف عريض فقد كان ذروة ما وصلت إليه المعارضة، ليبدأ حضورها بالانحسار بعد ذلك. وبقيت السلطة ممسكة بزمام الأمور خارجياً وداخلياً، ففي الداخل استطاعت عبر تاريخها نسج شبكة من المصالح القائمة على الفساد أو العصبيات، وخارجياً بدا أن القوى النافذة مضطرة إلى التعامل مع القوة الوحيدة الموجودة على الأرض. بل إن السلطة أحسنت استغلال الضغوط الخارجية في كسب تأييد الخائفين من التغيير عموماً، أو الخائفين من تعميم المثال العراقي.

لقد أتت النتائج مغايرة لتطلعات السوريين إلى التغيير السريع، وإذا كان ثمة تغيير فهو ذلك الذي تقوم به السلطة لحسابها، بينما لم تتبلور إلى الآن معارضة جادة تمثّل مصالح المتضررين من استمرار الوضع الحالي، معارضة قائمة على حامل اجتماعي واقتصادي لا كالحالة الرمزية الموجودة اليوم. وفي انتظار ذلك لا مجال للأحلام وخيبات الأمل، لأنهما تعبّران عن انفعال ونزق سياسيين، والأولى بالمثقف أن يتخلى عنهما لصالح التأسيس لعملية نقدية شاملة، ومستمرة بلا هوادة، تطال التجليات الملموسة للاستبداد والفساد. فالنقد هو سمة العقل الديمقراطي، ووسيلته في تخطي أخطائه، وفي زحزحة الخصم عن مواقعه. طبعاً ينبغي عدم انتظار نتائج مباشرة وسريعة لهذه العملية النقدية، لكنها على الأقل تؤخر خيبة الأمل، إن كان لا بدّ منها مرة أخرى.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق