المثليّة الجنسيّة (24)

إلى ذكرى مونيك وتّيغ Monique Wittig

“إنّنا في زمن بدأت فيه أقلّيات العالم في الانتظام ضدّ السّلطات الّتي تهيمن عليها وضدّ كلّ الأرتودكسيّات”

فيليكس غواتاري، أبحاث (ثلاثة مليارات من المنحرفين)، مارس 1973.

***

{{ملخّص المقال:}}

يعتني هذا المقال بتكوّن حركات الكوير ونظريّاته والعلاقات الّتي عقدتها مع الحركات النّسويّة، والتّوظيف السّياسيّ لفوكو ودولوز. ويستكشف كذلك الفوائد النّظريّة والسّياسيّة الّتي يقدّمها مفهوم “الجماهير multitudes”، مقابل مفهوم “الاختلاف الجنسي différence sexuelle”، لنظريّة الكوير وحركته. وخلافا لما جرى بالولايات المتّحدة تستلهم حركات الكوير بأوروبا من الثّقافات الفوضويّة ومن بروز ثقافات مبدلي النّوع لمواجهة “الإمبراطوريّة الجنسيّة Empire Sexuel” بصفة خاصّة، وذلك بإبطال كلّ تشكّل أنطولوجيّ dés-ontologisation لسياسة الهويّات. فلا مجال لأساس طبيعيّ (امرأة، قاي، إلخ) يمكنه أن يسوّغ العمل السّياسي. وليس المهمّ في الاختلاف الجنسيّ أو اختلاف المثليّين الجنسيّين وإنّما في جماهير الكوير. فجموع الأجساد، كأجساد مبدِلي النّوع transgenres، والرّجال بلا عضو الذّكورة les hommes sans pénis، والنّساء الباتش les femmes butches والخناث السّحاقياتles pédés lesbiennes … فالجموع الجنسيّة تبدو الموضوع الممكن لسياسة الكوير.

***

الجنسيّة السّياسة La sexopolitique هي أحد الأشكال المهيمنة على عمل السّياسة الحيويّة biopolitique في الرّأسماليّة المعاصرة. ومعها دخل الجنس (الأعضاء الّتي تعتبر “جنسيّة”، والممارسات الجنسيّة، وكذلك سُنن الذّكورة والأنوثة، والهويّات الجنسيّة العاديّة والجانحة) في حسابات السّلطان pouvoir، جاعلة من الخطاب على الجنس وتكنولوجيّات تنميط الهويّات الجنسيّة عونا من أعوان مراقبة الحياة.

لقد لفت فوكو الانتباه، بتمييزه “مجتمعات السّيادة” من “المجتمعات الانضباطيّة”، إلى الانتقال الّذي جرى في العصر الحديث من شكل سلطان يقرّر الموت ويطقّسه ritualise إلى شكل سلطان جديد يحصي تقنيّا الحياة بألفاظ السكّان، والصّحّة، والصّالح الوطنيّ. وفي هذا الوقت بالتّحديد ظهر انشطار جديد، هو المغايرة الجنسيّة والمثليّة الجنسيّة. وباشتغال وتّيغ Wittig، من منظور استكشفته أودر لورد Audre Lorde، وتي ـ غرايس أتكينسونTi-Grace Atkinson ، وبيان” The Woman-Identified Woman – المرأة هي الّتي تحدّد المرأة” « للسّحاقيات الرّاديكاليّات Radicalesbians » (1)، لم تتوصّل إلى وصف المغايرة الجنسيّة على أنّها ممارسة جنسيّة فحسب، وإنّما وصفتها على أنّها نظام سياسيّ يشكّل جزءا من إدارة الأجساد والتّصرّف المحسوب في الحياة، ويتعلّق بـ”السّياسة الحيويّة biopolitique “. وكان بإمكان قراءة متقاطعة لوتّيغ وفوكو أن تسمح منذ بداية الثّمانينات بصياغة تعريف للمغايرة الجنسيّة بوصفها تكنولوجيا لسياسة الحياة bio-politique موجّهة لإنتاج الأجساد المستقيمة straight.

{{الإمبراطوريّة الجنسيّة}}

يتّخذ مفهوم الجنسيّة السّياسة من فوكو منطلقا له، وإن كان ينازعه تصوّره للسّياسة الّتي بمقتضاها لا يضطلع سلطان الحياة bio-pouvoir إلاّ بإنتاج أنظمة التّنميط وتحديد أشكال التّذويت subjectivation. وباستلهام تحاليل موريزيو لازاراتو Maurizio Lazzarato الّذي ميّز السّلطة الحيويّة من قوّة الحياة أضحى من الممكن أن نفهم أجساد اللاّأسوياء وهويّاتهم على أنّها قوى سياسيّة لا مجرّد تأثيرات خطاب على الجنس. نعني أنّه إلى جانب تاريخ الجنسانيّة الّذي بدأه فوكو ينبغي أن نضيف فصولا كثيرة. فتطوّر الجنسانيّة الحديثة قد كان في علاقة مباشرة مع بروز ما يمكن تسميته بـ”الإمبراطوريّة الجنسيّة” الجديدة (حتّى نعيد تجنيس إمبراطوريّة هارت ونقري). فالجنس (الأعضاء الجنسيّة، والقدرة على الإنجاب، والأدوار الجنسيّة لدى الأنظمة الحديثة…) هو قرين corrélat رأس المال. فلا يمكن اختزال السّياسة الجنسيّة في مجرّد تعديل لشروط إعادة إنتاج الحياة، ولا في الحدثان البيولوجي الّذي “يتعلّق بالسّكّان”. فالجسم المستقيم straight هو نتاج تقسيم عمل اللّحم [البشريّ] الّذي بمقتضاه يتحدّد كلّ عضو بوظيفته. فأيّ جنسانيّة تتضمّن دائما تَمَكُّنا محدّدا من مجال territorialisation الفم والفرج والشّرج. وعلى ذلك النّحو يضمن الفكر المستقيم الارتباط البنيويّ بين إنتاج هويّة النّوع (الجندر) وإنتاج بعض الأعضاء بوصفها أعضاء جنسيّة ومنجبة. تلك هي الرّأسماليّة الجنسيّة وجنس الرّأسماليّة. فجنس الحيّ vivant قد أضحى رهانا مركزيّا للسّياسة وللحكوميّة gouvernementalité.

وبالفعل ظلّ التّحليل الفوكويّ للجنسانيّة متقيّدا بفكرة مّا للانضباط في القرن التّاسع عشر. فلا اطّلاعه على الحركات النّسويّة الأمريكيّة، ولا الثّقافة الفرعيّة للـ SM (السّاديّة المازوشيّة) أو FHAR (جبهة المثليّة الجنسيّة للعمل الثّوريّ) بفرنسا، ولا شيء من ذلك كلّه قد حمله على أن ينظر حقّا إلى تكاثر تكنولوجيات الجسد الجنسيّ في القرن العشرين كتطبيب médicalisationأطفال ما بين الجنسين intersexes ومعالجتهم، والتّصرّف الجراحيّ في الجنسيّة المتحوّلة transsexualité وإعادة تشييد الذّكورة والأنوثة المعياريّة و”التّرفيع” فيهما، وتعديل العمل الجنسيّ من قبل الدّولة، وانفجار الصّناعات البرنوغرافيّة. فنَبْذُه لهويّةِ القايgai ونضاليتِه قد قاده إلى نحت تخييل ارتجاعيّ rétrofictionعلى غرار الإغريق القديمة. إلاّ أنّنا شهدنا في سنوات الخمسينات قطيعة في نظام الجنس الانضباطيّ. ففي البداية اشتغلت أنظمة السّياسة الحيويّة، دون قطيعة مع القرن التّاسع عشر، مثل آلة لتطبيع الجنس. بيد أنّ هذه الآلة لم تكن تستند إلى “الوعي”. وقد توسّلت به مع أطبّاء مثل جون ماني John Money لمّا شرع في استعمال مفهوم “الجندر” لبيان إمكانيّة تحوير المورفولوجيا الجنسيّة لأطفال ما بين الجنسين والأشخاص المتحوّلين جنسيّا تحويرا جراحيّا وهرمونيّا. لقد كان ماني هيغل تاريخ الجنس. فقد شكّل مفهوم الجندر هذا أوّل لحظة انعكاسيّة (وإذن شكّل نقلة بدون رجعة بالنّسبة إلى القرن التّاسع عشر.). فمع تكنولوجيّات ماني الطّبيّة والقضائيّة، أصبح أطفال “ما بين الجنسين” من الّذين أجريت عليهم جراحة عند ولادتهم أو الّذين عولجوا عند سنّ البلوغ يكوّنون أقلّيات تشكّلت على أنّها ” لا سويّة anormales ” لصالح التّعديل المعياري لجسم الجمهور المنضبط. فكثرة اللاّأسوياء الكاثرة هي القوّة الّتي مافتئت الإمبراطوريّة الجنسيّة تجتهد في تعديلها ومراقبتها وتنميطها. فالجنس عند “ما بعد المانيّة post-monéisme ” كرأس المال عند “ما بعد الفورديّةpost-fordisme “. فإمبراطوريّة الأسوياء قد كانت منذ الخمسينات رهينة الإنتاج، والدّوران ذي السّرعة الفائقة لتدفّق السيلوكون، وتدفّق الهرمونات، والتّدفّق النّصيّ، وتدفّق التّمثيلات، وتدفّق التّقنيات الجراحيّة، وفي النّهاية تدفّق الأنواع. وبطبيعة الحال، لا يدور كلّ تدفّق بوتيرة ثابتة، وخاصّة لا تستفيد الأجساد جميعا بنفس الفوائد من هذا الدّوران: ففي خضمّ هذا الدّوران التّفارقيّ للتّدفّقات التّجنيسيّة يجري التّلاعب بالتّنميط الحديث للجسد. وهذا كلّه يذكّرنا في الأوان بأنّ متصوّر “الجندر” إنّما هو قبل كلّ شيء مفهوم جنسيّ سياسيّ قبل أن يغدو أداة نظريّة للنّسويّة الأمريكيّة. وليس من باب الصّدفة أنّ مفهوم “الجندر” سيصبح، في سنوات الثّمانينات، وفي نطاق الجدال الّذي جمع النّسويّات “التّشييديّة” بالنّسويّات “الماهويّة”، الأداة النّظريّة الأساسيّة لتصوّر البناء الاجتماعيّ، والصّناعة التّاريخيّة والثّقافيّة للاختلاف الجنسيّ في مواجهة المطالبة بـ”الأنوثة” بوصفها الأساس الطّبيعيّ، وبصفتها شكل الحقيقة الأنطولوجيّ.

{{ {{سياسات جموع الكوير}} }}

من مفهوم وضع في خدمة سياسة إنجاب الحياة المجنّسة، أضحى الجندر قرينة على الجموع. فليس الجندر أثر نظام سلطان منغلق، ولا فكرة تنعكس على المادّة المنفعلة passive، وإنّما هو اسم لمجموعة من الاستعدادات الجنسيّة السّياسيّة (من الطّبّ إلى التّمثيل البرنوغرافيّ مرورا بالمؤسّسات العائليّة) الّتي ستغدو موضوع تملّك من قبل الأقليّات الجنسيّة. ففي فرنسا شكّل بيان غرّة ماي 1970، والعدد 12 من “الجميع” Tout (2) وعدد “أبحاث” Recherches (ثلاثة مليارات من المنحرفين)، وحركة ما قبل MLF (حركة تحرير النّساء) و FHAR (جبهة المثليّة الجنسيّة للعمل الثّوريّ) وإرهابيّات القوين الحمراوات (3) أوّل هجوم لـ” اللاّ أسوياء “.

ليس الجسد معطى سلبيّا يُجرى عليه سلطان الحياة، وإنّما هو القوّة ذاتها الّتي تجعل الاندماج الاصطناعيّl’incorporation prosthétique للأنواع ممكنا. فلا تضحي الجنسيّة السّياسيّة موقعا للسّلطان فحسب، وإنّما تصبح بصفة خاصّة فضاء إبداع حيث تتعاقب الحركات النّسويّة والمثليّات الجنسيّة، والمتحوّلون جنسيّا وما بين الجنسين، وما بعد النّوع، والشّيكانيّات، وما بعد الكولونيالي وتترابط. فالأقليّات الجنسيّة تغدو جماهير multitudes. والبائن monstreالجنسيّ الّذي يحمل اسم الجموع multitude يضحي [حاملا اسم] كوير queer.

يظهر جسم جموع الكوير في مركز ما أسمّيه، حتّى نستعيد عبارة لدولوز، بعمل انتزاع المجالdéterritorialisation للغيريّة الجنسيّة. فانتزاع المجال يؤثّر في الفضاء العمراني (ينبغي الحديث حينئذ عن انتزاع مجال فضاء الأغلبيّة لا عن الغيتو) مثل تأثيره في الفضاء الجسديّ. فحدثان انتزاع مجال الجسد يفرض مقاومة كلّ حدثان يصيّر الجسد “سويّا normal “. فأن توجد تكنولوجيّات دقيقة في إنتاج الأجساد “السّويّةnormaux ” أو في تنميط الأنواع لا يفضي إلى حتميّة ولا إلى استحالة العمل السّياسيّ. بل بالعكس. فإذا كانت جموع الكوير، بوصفها خيبة أو بقيّة باقية، تحمل في ذاتها تاريخ تكنولوجيات تنميط الجسد، فإنّها تمتلك كذلك إمكان التّدخّل في الاستعدادات البيوتكنولوجيّة لإنتاج الذّاتيّة الجنسيّة.

ويمكننا التّفكير في [ذلك التّاريخ] شريطة أن نتجنّب فخّين تصوُّريين وسياسيّين، وقراءتين (بائستين ولكنّهما ممكنتان) لفوكو. ينبغي أن نتجنّب عزل الفضاء السّياسيّ الّذي يصنع من جماهير الكوير ضربا من الهامش أو مخزنا للانتهاك. كما لا ينبغي أن نقع في فخّ القراءة اللّيبراليّة لفوكو أو القراءة المحافظة الجديدة الّتي تجرّنا إلى التّفكير في جماهير الكوير في تعارضها مع الإستراتيجيات الهوّيّة stratégies identitaires، بأن ننظر إلى الجموع على أنّها تجمّع أفراد أسياد أنفسهم ومتساوين أمام القانون، لا يقبلون الاختزال جنسيّا، ومالكين لأجسادهم ويطالبون بحقوقهم في لذّة لا تقبل التّصرّف. ترمي القراءة الأولى إلى تملّك قوّة اللاّ أسوياء السّياسيّة من منظور التّقدّم، أمّا القراءة الثّانية فتضرب صفحا عن امتيازات الأغلبيّة وحالة الجنسيّة (الغيريّة) السّويّة الّتي لا تعترف بأنّها هويّة مهيمنة. وبتسليمنا بهذا الأمر تكون الأجساد غير طيّعة. فـ”إبطال التّماهيDés-identification ” (حتّى نستعيد تعبيرا لدو لوريتيس De Lauretis)، والتّماهيات الإستراتيجيّة، وتحويل وجهة تكنولوجيات الجسد وإبطال كلّ تشكّل أنطولوجيّ للذّات السّياسيّة الجنسيّة، تلك هي بعض الإستراتيجيات السّياسيّة لجماهير الكوير.

{{إبطال التّماهي}}

[قد كان بـ] القويناتgouines وهنّ لسن بنساء، والمخنّثين pédés وهم ليسوا برجال، والتّرانيات trannies (4) وهنّ لسن برجال ولا بنساء. وفي هذا الشّأن، إن كانت وتّيغ قد جدّدت جماهير الكوير استثمارها فلأنّ إعلانها بالتّحديد أنّ “السّحاقيات لسن بنساء” قد كان منبعا مكّن، بواسطة إبطال التّماهي Dés-identification ، من أن يصدّ كلّ إقصاء لهويّة السّحاقيّة بوصفها شرط إمكان لتشكّل الذّات السّياسيّة النّسويّة الحديثة.

{{ {{تماهيات إستراتيجيّة}} }}

أضحت التّماهيات السّلبيّة مثل القويناتgouines أو المخنّثين pédés مواقع ممكنة لإنتاج هويّات مقاومة للتّنميط، ومنتبهة لسلطان نداءات “الكوننةl’universalisation ” الشّموليّة. وبتأثير من النّقد المابعد الكولونيالي أصبحت نظريّات الكوير معتمدةً بالفعل في سنوات التّسعينات صحبة الموارد السّياسيّة الكبيرة لتماهي “الغيتو ghetto ” والتّماهيات الّتي ستتّخذ قيمة سياسيّة جديدة بما أنّه للمرّة الأولى كانت الذّوات المتلفّظة من القوينات، والمخنّثين، والزّنوج وأشخاص من متحوّلي النّوع transgenres [تكلّموا] بأنفسهم. فنظريات الكوير وحركاته تردّ على مثيري خطر النّزعة الغيتويّة ghettoïsation، بإستراتيجيات هي في الآن نفسه إستراتيجيات في الإفراط الهوّيّ hyper-identitaires وما بعد الهوّيّ post-identitaires. فهي تستغلّ إلى أقصى حدّ الموارد السّياسيّة للإنتاج الإنجازيّ performative للهويّات الجانحة. فالقوّة السّياسيّة لحركات مثل Act Up (5) وسحاقيات الأفنجارس Lesbian Avengers والجنّيّات الرّاديكاليات Radical Fairies نابعة من قدرتها على استثمار مواقع الذّوات “المرذولةabjects ” (هذه “الذّوات السّيّئة” وهم المصابون بالسّيدا séroposوالقوينات والمخنّثون tapettes) لإنشاء أماكن مقاومة لزاوية نظر “الكونيّة”، وللتّاريخ الأبيض الاستعماري المستقيم “الإنسانيّ”. ومن حسن الحظّ أنّها لا تشاطر الحذر نفسه، وينبغي أن نصرّ على ذكر ذلك، حذر فوكو ووتّيغ ودولوز تجاه الهويّة بما هي موقع للعمل السّياسيّ، وذلك رغم اختلاف طرقهم في تحليل السّلطان والقمع. في بداية سنوات السّبعينات اتّخذ فوكو الفرنسيّ مسافة مع FHAR (جبهة المثليّة الجنسيّة للعمل الثّوريّ) بسبب ما وصفه بـ”النّزعة الغيتويّة ghettoïsation”، في حين أنّ فوكو الأمريكيّ قد بدا أنّه يقدّر “أشكال الجسم واللّذّات الجديدة” الّتي مكّنت سياسات هويّة القاي والسّحاقيّة والسادّيّة المازوشيّة من أن تظهر في حيّ كاسترو، و”غيتو” سان فرانسيسكو. وقد انتقد دولوز من جهته ما سمّاه بهويّة “المثليّ الجنسيّ الكتلويّ homosexuelle molaire” الّتي كان يظنّ أنّها ستصنع ارتقاء الغيتو القاي، وذلك لأَمْثَلَة idéaliser “المثليّة الجنسيّة الكتلويّة homosexualité moléculaire” الّتي ستسمح له بصناعة وجوه مثليّة جنسيّة “جيّدة”، من بروست إلى “المتنكّر المتأنّثtravesti efféminé “، وهي أمثلة أنموذجيّة من “صيرورة المرأة devenir femme ” الّتي كانت في قلب أجندته السّياسيّة. ومن ثمّة [أمكن له] أن يسهب الكلام على المثليّة الجنسيّة بدل مساءلة مقتضيات جنسيّته الغيريّة الخاصّة. أمّا في خصوص وتّيغ فيمكن أن نتساءل إن لم يكن انتسابها إلى موقع “الكاتب الكونيّ” قد سمح بتجنّب محوها من قائمة “المؤلّفات الكلاسيكيّة” من الأدب الفرنسي بعد نشر كتابها “جسم السّحاقيّة Corps Lesbien ” سنة 1973. [الجواب]: كلاّ دون ريب، حين نرى تعجّل صحيفة لوموند وهي تعيد عنونة نشرة الوفيات بعبارة “مونيك وتّيغ، تقريظ النّزعة السّحاقيّة” وفي مطلعها لفظ “وفاة disparitions “.

{{تحويل وجهة تكنولوجيات الجسد}}

أجساد جموع الكوير هي أيضا استعادة تملّك وتحويل لوجهة خطابات، من بينها خطابات الطّبّ التّشريحيّ والبرنوغرافيا، الّتي شيّدت الجسد المستقيم والجسد الجانح الحديثَيْن. فماذا ستفعل جموع الكوير بـ”الجنس الثّالث troisième sexe ” أو بـ”ما فوق الأنواع au delà des genres “. فهي (أي جموع الكوير) تُصنع في تملّك اختصاصات العلوم/السّلطان بالجنس، وفي إعادة تركيب وتحويل وجهة تكنولوجيات الجنسيّات السّياسيّة الدّقيقة في إنتاج الأجساد “السّويّة” و”الجانحة”. فسياسة جموع الكوير، وهي تتعارض مع سياسات “النّسويّات” و”المثليّات الجنسيّة”، لا تنهض على هويّة طبيعيّة (رجل/امرأة)، ولا على تعريف بالممارسات (غيريّات جنسيّة/ مثليّات جنسيّة)، وإنّما على تكاثر الأجساد الّتي تقاوم الأنظمة الّتي تشيّدها بوصفها “سويّة” أو “لا سويّة”: فهي القوينات المستذئبات gouines garous، والنّساء الملتحيات les femmes à barbe، والمخنّثون المتحوّلون بلا أيرles trans-pédés sans bite، والهندي سايبورغ les handi-cyborgs… فما كان موضوع رهان هو كيفيّة المقاومة أو كيفيّة تحويل أشكال التّذويتsubjectivation الجنسيّة السّياسيّة. فاستعادة التّملّك هذه لخطابات إنتاج السّلطان/العلم بالجنس هي انقلاب إبستمولوجيّ. ففي المقدّمة البرنامج للعدد الشّهير من [مجلّة] أبحاث المستلهمة دون شكّ من FHAR (جبهة المثليّة الجنسيّة للعمل الثّوريّ)، وصف غواتاري هذا التّحوّل في أشكال المقاومة والعمل السّياسيّة [قائلا]: “موضوع هذا الملفّ ـ المثليّات الجنسيّة اليوم بفرنسا ـ لا يمكن طرقه دون أن نعيد طرح مسألة المناهج المألوفة في العلوم الإنسانيّة الّتي بتعلّة الموضوعيّة تبذل عناية فائقة لتفرض أقصى ما يمكن من التّبعيد بين الباحث وموضوعه (…) فالتّحليل المؤسّساتي يتضمّن، عكس ذلك، زحزحة جذريّة لمركز التّلفّظ العلميّ l’énonciation scientifique. ولكن لا يكفي حتّى نبلغ هذه الغاية الاكتفاء بـ”تسليم الكلمة” إلى الذّوات المعنيّة بالأمر ـ فهذا [الصّنيع] يضحي في بعض الأحيان إجراء شكليّا، بل يسوعيّا jésuitiqueـ وإنّما ينبغي كذلك أن نبتكر شروط ممارسة شاملة، بل في ذروة حدّتها، لهذا التّلفّظ (…) فقد علّمنا ماي 68 أن نقرأ على الحيطان، ومن ثمّة بدأنا في تفكيك شفرة الخربشات في السّجون والمصحّات العقليّة، وفي المِبولات اليوم. إنّه لـ”فكر علميّ جديد” بأكمله هو ما [ينبغي] أن يعاد صنعه.”. فتاريخ الحركات السّياسيّة الجنسيّة ما بعد المانيّة post-monéistes هو تاريخ هذا الابتداع لشروط ممارسة كلّيّة للتّلفّظ، تاريخ انقلاب قوّة الخطابات الإنجازيّة، واستعادة تملّك للتّكنولوجيات الجنسيّة السّياسيّة لإنتاج أجساد “اللاّ أسوياء”. فليس تسلّم الأقليّات الكوير للكلمة أمرا ما بعد حديث post-moderne أكثر من كونه ما بعد إنسانيّ post-humain : فهو تحويل في الإنتاج ودوران الخطابات في المؤسّسات الحديثة (من المدرسة إلى العائلة مرورا بالسّينما أو الفنّ) وتحوّل الأجساد.

{{
إبطال التّشكّل الأنطولوجيّ للذّات السّياسيّة الجنسيّة}}

في سنوات التّسعينات تولّى جيل جديد، نجم من الحركات الهوّيّة ذاتها، إعادة ضبط الصّراع وحدود الذّات السّياسيّة “النّسويّة” و”المثليّة الجنسيّة”. فعلى الصّعيد النّظريّ اتّخذت هذه القطيعة في بداية الأمر شكل عودة نقديّة للنّسويّة، وقد أجرتها السّحاقيّات وما بعد النّسويّات الأمريكيّات post-féministes américaines مستندات إلى فوكو ودريدا ودولوز. وبالمطالبة بحركيّة ما بعد نسويّة أو كوير ستقوم، تريزا دو لورتيس Teresa de Lauretis ، ودونا هراواي Donna Haraway ، وجوديث باطلر Judith Butler، وجوديث هلبرستام Judith Halberstam بالولايات المتّحدة، وماري هيلين بورسيي Marie-Hélène Bourcier بفرنسا، وكذلك السّحاقيات الشّيكانيات مثل غلوريا أندالزوا Gloria Andalzua، أو النّسويّات الزّنجيّات مثل بربرا سميث Barbara Smith، وأودر لوردAudre Lorde ، بمهاجمة تطبيع مفهوم الأنوثة الّذي كان في المنطلق منبع انسجام الذّات النّسويّة. لقد كان النّقد الجذريّ والمبطل لكلّ نزعة تجنيسيّة للذّات النّسويّة الاتّحاديّة، الاستعماريّة، البيضاء، المنبثقة من الطّبقة الوسطى العليا ساري الفعل. فإذا كانت جماهير الكوير [جماهير] ما بعد نسويّة فلا يرجع ذلك إلى أنّها تريد أو تستطيع الفعل من دون النّسويّة. بل عكس ذلك. فهي نتاج مجابهة انعكاسيّة للنّسويّة مع الاختلافات الّتي كانت [النّسويّة] ذاتها تمحوها لصالح الذّات السّياسيّة “المرأة” المهيمنة الغيريّة المركزيّة hétérocentrique.

أمّا في خصوص حركات التّحرّر القاي والسّحاقيّة، ومنذ أن أضحى هدفها الحصول على المساواة في الحقوق، ولتحقيق ذلك نهضت على تصوّرات جامدة للهويّة الجنسيّة، فقد ساهمت في تنميط القاي والسّحاقيّات ودمجهم في ثقافة الجنسيّة الغيريّة المهيمنة بتعزيز السّياسات العائليّة كالمطالبة بحقّ الزّواج والتّبنّي والتّوريث. إنّه لضدّ هذه الماهويّة وهذا التّنميط للهويّة المثليّة الجنسيّة مافتئت الأقليّات القاي والسّحاقيّات ومبدلو الجنس ومبدلو النّوع تردّ الفعل. وقد تمكّنت بعض الأصوات من أن تكون مسموعة لمساءلة صلاحية مفهوم الاختلاف الجنسيّ بوصفه الأساس الوحيد للعمل السّياسيّ، ولمعارضته بتكاثر الاختلافات (العرق والطّبقة والسّنّ والممارسات السّياسيّة غير المعياريّة، والإعاقة). فتصوّر المثليّة الجنسيّة على نحو طبّيّ الّذي يرجع عهده إلى القرن التّاسع عشر، والّذي يحدّد الهويّة بالممارسات الجنسيّة قد تُرك لصالح تحديد سياسيّ وإستراتيجيّ لهويّات الكوير. فالمثليّة الجنسيّة شديدة التّمدّن الّتي أنتجتها العلوم الجنسيّة للقرن 19 قد تفجّرت، فقد تجاوزتها جموع “الذّوات السّيّئة” الكوير.

لقد نجمت سياسة جماهير الكوير إذن من موقعها النّقديّ تجاه التّأثيرات التّنميطيّة والانضباطيّة لكلّ تشكّل هوّيّ، ومن إبطال كلّ تشكّل أنطولوجيّ للذّات السّياسيّة للهويّات: فلا وجود لأساس طبيعيّ (“امرأة”، “قاي”، إلخ…) بمقدوره أن يسوّغ العمل السّياسيّ. ولم يكن موضوعها تحرير النّساء من “الهيمنة الذّكريّة” مثلما كانت تريد النّسويّة الكلاسيكيّة مادامت لا ترتكز على “الاختلاف الجنسيّ”، المرادف للانشطار الأكبر للقمع (عبر الثّقافي transculturelle وعبر التّاريخيّ transhistorique) بما أنّها تقيم اختلافا طبيعيّا يستوجب هيكلة العمل السّياسيّ.

فمفهوم جموع الكوير يعارض بعزم مفهوم “الاختلاف الجنسيّ” كما جرى استغلاله سواء من قبل النّسويّات الماهويّة (من إرغاري Irigaray إلى سكسوس Cixous مرورا بكريستيفا Kristeva) أم في التّنويعات البنيويّة و/أو اللاّكانيّة في خطاب التّحليل النّفسي (روديناسكو Roudinesco، هيريتيي Héritier، تيري Théry). فهي [سياسة] تعارض السّياسات المتساوية التّمثيل paritaires المنحدرة من مفهوم بيولوجيّ للـ”مرأة” أو “الاختلاف الجنسيّ”. وهي تعارض السّياسات الجمهوريّة الكونيّة الّتي تقبل “الاعتراف” وتفرض “اندماج” “الاختلافات” في قلب الجمهوريّة. فلا وجود لاختلاف جنسيّ، وإنّما لجموع من الاختلافات، وأفقيّة من علاقات السّلطان، وتنوّع في قوى الحياة. وليست هذه الاختلافات “قابلة للتّمثيل” لأنّها [اختلافات] “بائنةmonstrueuses “. وبهذا المعنى، لا تعارض سياسات جماهير الكوير المؤسّسات السّياسيّة التّقليديّة الّتي تريد أن تكون ذات سيادة وممثّلة كونيّا فحسب، وإنّما تعارض كذلك إبستمولوجيات الجنسيّة السّياسيّة المستقيمة الّتي مازالت تهيمن على إنتاج العلم.

الهوامش:

1- ” The Woman-Identified Woman – المرأة هي الّتي تحدّد المرأة” هو بيان يتألّف من عشر فقرات كتبته «السّحاقيات الرّاديكاليّات Radicalesbians » سنة 1970. وقد وزّع لأوّل مرّة أثناء تظاهرة “تهديد لافندر Lavender Menace” في المؤتمر الثّاني لاتّحاد النّساء، في غرّة ماي 1970 بنيويورك. وقد اعتبر لحظة هامّة في تاريخ النّسويّة الرّاديكاليّة، وإحدى الوثائق المؤسّسة للنّسويّة السّحاقيّة. وقد كتبته الكثير من المناضلات السّحاقيات منهنّ أرتميس مارتش Artemis March، ولويِس هارت Lois Hart، وريتا ماي براون Rita Mae Brown، وإيلان شمسكي Ellen Shumsky، وسنثيا فانك Cynthia Funk ، وكارلا جاي Karla Jay. وهو يبدأ كما يلي: ” ما هي السّحاقيّة؟ إنّها غضب جميع النّساء الكثيف إلى حدّ الانفجار”. وقد أشرك البيان فيما بعد النّضالات النّسويّة مع حركة تحرّر السّحاقيات، وكلّ امرأة ـ وأكثر من ذلك كلّ النّساء المثليّات الجنسيّة ـ قمعتها الأدوار الّتي فرضها عليها المجتمع وجعلتها خاضعة للرّجل خضوعا شرّعته الهيمنة الذّكريّة.

2- يتضمّن هذا العدد من صحيفة جميع Tout ندوة القاي الّتي انعقدت يوم 23 أفريل 1971. وتنتمي هذه الصّحيفة لمجموعة “لتعش الثّورة Vive la révolution” التي كان يديرها جون بول سارتر. (م.م)

3- حركة راديكاليّة للنّسويّات السّحاقيات. (م.م)

4- التّرانيات trannies نوع من أنواع المتحوّلين جنسيّا، لهم أجساد نساء بذكر الرّجل بدل فرج المرأة. (م.م)

5- Act Up اختزال لـ AIDS Coalition to unleash Powerحرفيّا: تحالف الأيدز لإطلاق القوّة. (م.م)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق