المثليّة الجنسيّة (9)

يكمن هدف هذه الورقة بالأساس في تقديم النصوص الإسلامية المقدّسة من جهة، وفي الوقوف على ما استنبط منها على مستويي الفقه والقوانين المعمول بها في الدول العربية والإسلامية تجاه المثلية الجنسية من جهة أخرى. انطلاقا من هذا الفعل التّشخيصي الواصف سيتبيّن أنّ الدول العربية والإسلامية متخلفة عن ركبي الحداثة وما بعد الحداثة، القائلتين بضرورة عدم التمييز بين المواطنين على أساس الاتّجاه الجنسيّ.

{{نصوص مقدّسة:}}

لا وجود في القرآن لمفهوم المثلية الجنسية، بل حديث عن أفعال “قوم لوط”، من خلال مقولات الفاحشة والسوء والخبث وإتيان الذكور:

– سورة الأعراف: “وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ؛ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ” (آيات 80-81)

– سورة هود: “وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ؛ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي؛ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ” (آيات 77-79)

– سورة الأنبياء: “وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ؛ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ” (آية 74)

– سورة الشعراء: “أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ؛ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً؛ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ” (آيات 165-173).

وفي الحديث: “من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به”. ويضاف إلى هذا الحديث في رواية أخرى: “أحصنا أو لم يحصنا”. ويقول حديث آخر: ” ملعون من عمل عمل قوم لوط”، دون ذكر القتل. ومن ثم اختلف الفقهاء في حد اللوطي وتأرجحوا بين القتل (وكيفيته) والجلد والتعزير وعدم المتابعة، انطلاقا من كون اللّوطي متزوّجا أم لا، فاعلا أم مفعولا فيه. وحسب بعض الفقهاء، تدلّ بعض الأحاديث على أنّ إبليس هو الذي أوقع بالبشر في اللّواط. فقد رَوى أبو بصير أنّ إبليس أتى قوم لوط في صورة شابّ مؤنّث وأمر الشباب أن يأتوه في دبره. ويبدو أنّ الشبّان التذوا بهده الممارسة وبدؤوا يمارسونها فيما بينهم ورفضوا دعوة لوط إلى التخلي عنها، فنالوا عقابا إلهيا شديدا. سبب العقاب أن المثلية تشكّل خرقا لحدود الله، أي للاختلاف الجوهريّ الفاصل الذي وضعه الله بين الذكر والأنثى، إذ على الذكر أن يتبنّى رجولته (الإيلاج) وعلى الأنثى أن تتبنّى أنوثتها كثقب يستقبل الذكر. وفي حالة “ما بين الجنسية” (الخناّث) لا عقاب لأنّه ليس فعلا مكتسبا حسب الفقهاء، فهو تشوّه خِلقيّ يرتبط بالأعضاء التناسلية للإنسان حيث يكون الإنسان جامعا بين الذكر والأُنثى. إنّ الشريعة تحاسب المكلّفين على الأعمال مثل من تشبّه من الرجال بالنساء، أي كلّ ذكر تصرّف جنسيا تصرّف الأنثى: “لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء ولعن المتشبهات من النساء بالرجال” (حديث).

{{
مذاهب فقهية:}}

يمكن التمييز بين موقفين فقهيين كبيرين: الموقف السنّي والموقف الشيعيّ. داخل الموقف السنّي هناك أربعة آراء:

1) يذهب الرأي الأوّل، وهو رأي مالك والشافعي وابن حنبل، إلى أنّ اللوطي يحدّ (يقتل)، سواء أكان محصنا أم لا. ويكمن الاختلاف في كيفية قتله: رجم، هدم بناء عليه، رمي من شاهق، حرق، ضرب العنق بالسيف.

2) للشافعي رأي ثان مفاده أنّ حدّ اللوطيين يتغيّر حسب وضعهما الزوجيّ. هنا استند الشافعي على حديث مروي عن عن أبي موسى الأشعري أنّ النبي قال: “إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان”. ومن ثمّة، للمحصن القتل ولغير المحصن الجلد.

3) للشافعي قول ثالث مفاده أن حدّ اللوطيين يتغيّر حسب دورهما في الفعل الجنسي: حدّ الفاعل المحصن هو الرجم (فهو كالزاني)، أما الفاعل غير المحصن فيجلد مائة جلدة، وأما المفعول به فيجلد مائة جلدة ويغرّب عاما، محصنا كان أم غير محصن.

4) وقال أبو حنيفة أإن اللوطي يعزّر ولا يحدّ، والتعزير توبيخ أو ضرب أو حبس أو غرامة مالية (وقتل عند المعاودة). انطلق أبو حنيفة من أنه لا اختلاط للأنساب بالمثلية، ولا يترتّب عنها حدوث مناعات، وليس فيها مهر . ثم إنّ الزنا هو الوطء في القبل بخلاف اللواط الذي هو الوطء في الدبر. لهذا يقال فلان لوطيّ وفلان زاني. ويدل اختلاف الأسماء على اختلاف المعاني. وقد اختلف الصحابة في حد اللواط حسب أبي حنيفة، ولو كان زنا لما اختلفوا فيه. ويدلّ اختلاف الصحابة على أن الواجب فيه هو التعزير دون الحدّ لأنّ التعزير هو الذي يحتمل الاختلاف في القدر والصفة. أمّا حديث الرسول الذي يعتبر اللوطيين زناة، فقد اعتبره الألباني حديثا ضعيفا.

5) رأى بعض أصحاب مذهب الظاهرية أن اللوطيّ لا يحدّ ولا يعزّر. في هذا الصدد يقول ابن حزم: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان أو نفسا بنفس… وليس فاعل فعل قوم لوط واحدا من هؤلاء، فدمه حرام إلا بنص أو إجماع، وقد قلنا: إنه لا يصحّ أثر في قتله. نعم، ولا يصح أيضا في ذلك شيء عن أحد من الصحابة – رضي الله عنهم – لأنّ الرواية في ذلك عن أبي بكر، وعلي، والصحابة، إنما هي منقطعة”. في هذا السياق، قال ابن الطلاع في أحكامه أنّه لم يثبت عن الرسول أنّه رجم في اللواط ولا أنه حكم فيه بالتعزير . ومن ثمّ قال بعض أهل الظاهر: “لا شيء على من فعل هذا الصنيع”(1)، أي اللواط.

أما داخل المذهب الشيعيّ فيتوجّب التمييز بين رأي مشهور ورأي شاذّ بالمعنى الفقهيّ . يذهب الرأي المشهور إلى ضرورة قتل الجنسمثليين معا، المولج والمولج فيه، خصوصا إذا كانا راشدين عاقلين راضيين. إنّ قتلهما واجب شرعيّ سواء أكانا حرّين أم عبدين، مسلمين أم لا، متزوّجين أم لا. فقد رَوى أبو بكر الحضرمي عَنْ الإمام جعفر بن محمد الصَّادق أن رَسُولُ اللهِ (ص) قال: “مَنْ جَامَعَ غُلاماً جَاءَ جُنُباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنَقِّيهِ مَاءُ الدُّنْيَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً”. واستمر قائلا: “إِنَّ الذَّكَرَ لَيَرْكَبُ الذَّكَرَ فَيَهْتَزُّ الْعَرْشُ لِذاَلِكَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْتَى فِي حَقَبِهِ فَيَحْبِسُهُ اللهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حِسَابِ الْخَلائِقِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى جَهَنَّمَ فَيُعَذَّبُ بِطَبَقَاتِهَا طَبَقَةً طَبَقَةً حَتَّى يُرَدَّ إِلَى أَسْفَلِهَا وَلا يَخْرُجُ مِنْهَا”. ويقول الشيعة: “حُرْمَةُ الدُّبُرِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْفَرْجِ: إِنَّ اللهَ أَهْلَكَ أُمَّةً بِحُرْمَةِ الدُّبُرِ، وَلَمْ يُهْلِكْ أَحَداً بِحُرْمَةِ الْفَرْجِ”. وفي تنفيذ الحدّ، ذهب أبو جعفر الكليني (المتوفى سنة 329 هجرية) في كتابه “الكافي” إلى أن الحاكم مخيَّرٌ بين أن يضرب المثليّ بالسيف أو يحرقه بالنار أو يلقيه من شاهق مكتوف اليدين والرجلين أو يهدم عليه جداراً. وللحاكم أيضاً أن يجمع عليه عقوبة الحرق والقتل أو الهدم والإلقاء من شاهق.

أمّا الرأي الشاذ فيمثله آية الله العاملي، أحد فقهاء الشيعة الاثني عشرية المعاصرين،الذي يعطي المسلم الحقّ في أن يكون مثليا ذكريا، أي أن يلعب الدور الأعلى حسب لغة الفقهاء، وهو دور “الفاعل” المولِج. ويبقى الدور الأسفل محرّما على المسلم الراشد. بتعبير آخر، يجوز للمسلم الراشد أن يلوط بالصبيّ/المراهق فقط، ولا يحقّ له أن يلوط براشد مثله. وإذا حدث لواط بين راشدين، فإنه يظلّ جائزا عند عدم حصول الإيلاج. يقول آية الله العاملي، مجيبا أحد سائليه: “وأما إفراغ شهوتك مع رجل آخر، فقد ورد عن أبي جعفر أنه قيل له: أيكون المؤمن مبتلى؟ قال نعم، ولكن يعلو ولا يعلى. فإذا كنت الذي يعلو فهذا الحديث يفتيك، والذي عليه مشايخنا في العراق ولبنان والهند وباكستان في اللعب مع الصبيان، أما الرجال فلا”. وقد ورد عن أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب): “اللِّوَاطُ مَا دُونَ الدُّبُرِ وَالدُّبُرُ هُوَ الْكُفْرُ”. قال العلامة الشيخ علي أكبر الغفاري في تعليقه على هذه الرواية: “وربما يحمل على الاستحلال، فلعل في هذا سعة لك”.

إن تشخيص هذه الآراء المتباينة دليل على وجود اختلاف بين الفقهاء، بل على وجود تعدد داخل المذهب نفسه، وفي بعض الأحيان، تعدد المواقف وتغيرها عند الفقيه (المجتهد) الواحد. بتعبير آخر، أمام نفس النصوص المقدسة من قرآن وحديث، تستنبط قراءات وأحكام مختلفة تتأرجح بين القتل والتبرئة، ويتوسّطها الجلد والتعزير. لكنّ الملاحظة التي تتبادر إلى الذهن هي تغييب موقفي الظاهريين والاثني عشريين من تشريعات الدول العربية الإسلامية المعاصرة، فكلّها تجمع على تجريم السلوك الجنسمثلي وتعاقبه إمّا قتلا وإمّا سجنا وغرامة، باستثناء تركيا وأندونيسيا (في معظم أقاليمها).

{{تشريعات معاصرة:}}

في تركيا، فعلا، لا وجود لنصوص قانونية تجرّم المثلية، وذلك احتراما للمساواة في الحقوق واحتراما للحياة الشخصية للأفراد. إنّ العلاقات الجنسية، المثلية والغيرية، مشروعة عند بلوغ الفرد سنّ الثامن عشرة بغضّ النظر عن هويته الجنسية (ذكر/أنثى) وعن وضعه الجنسي (متزوج/غير متزوج). وفي أندونيسيا أيضا لا وجود لتجريم للعلاقات المثلية (بين الراشدين). لكن بعض الأقاليم تبنت تشريعا إسلاميا تجريميا وعقابيا على الصعيد المحلّي يضع نوعا من الترادف بين المثلية والبورنوغرافيا (المجرّمة أصلا).

أمّا الدول العربية والإسلامية التي تحكم بالإعدام في قضايا العلاقات المثلية فهي إيران وموريتانيا ونيجيريا والمملكة العربية السعودية والسودان واليمن. وعلى سبيل المثال، يقرّ القانون السوداني لسنة 2001 في الفصل 148 ما يلي:

1) يعدّ مرتكباً جريمة اللواط كلّ رجل أدخل حشفته أو ما يعادلها في دبر امرأة أو رجل آخر أو مكّن رجلا آخر من إدخال حشفته أو ما يعادله في دبره.

2) من يرتكب جريمة اللواط يعاقب بالجلد مائة جلدة كما تجوز معاقبته بالسجن مدّة لا تتجاوز خمس سنوات.

3) إذا أدين الجاني للمرة الثانية، يعاقب بالجلد مائة جلدة وبالسجن مدّة لا تتجاوز خمس سنوات؛ 4) إذا أدين الجاني للمرة الثالثة يعاقب بالإعدام (تعزيرا وليس حدّا) أو بالسجن المؤبّد. في هذه الدول، ينفّذ الإعدام إما شنقا أو رجما أو ضربا بالسيف. وتشير الإحصائيات في هذا الصدد إلى أنه تمّ إعدام 40000 لوطيّا تقريبا في إيران منذ 1980.

في الدول العربية الإسلامية الأخرى عقاب بالسجن والغرامة المالية والجلد. وتتراوح العقوبات السجنية بين سنة واحدة والمؤبد: لبنان سنة واحدة، الجزائر سنتان سجنا مع الغرامة، سوريا وتونس 3 سنوات، المغرب 3 سنوات مع الغرامة، ليبيا 5 سنوات، بنغلاديش 7 سنوات، السينغال 8 سنوات، البحرين 10 سنوات مع الجلد، ماليزيا 20 سنة مع الجلد، باكستان المؤبّد مع 100 جلدة. ويرى بعض الإسلامويين أنّ هذه القوانين متهاونة مع المثليين ويدعون إلى العودة إلى صرامة الفقه وتطبيق الحدود (القتل بالخصوص). والواقع أنّ كلّ تلك القوانين، “الوضعية” في ظاهرها وشكلها، تمدد التجريم الفقهي للمثلية الجنسية وتأخذ بالتعزير، بالسجن والغرامة.

{{
خاتمة:}}

واضح أن تحريم المثلية الجنسية وتجريمها ومعاقبتها بشكل أو بآخر يتناقض مع الحقوق الجنسية كما هو متعارف عليها دوليا، والتي تنص على عدم التمييز بين الأشخاص انطلاقا من اتجاههم الجنسي. فالجنسمثلية أصبحت تعتبر اتجاها سويا في نظر الطبّ النفسي منذ السبعينات من القرن الماضي، ولم تعد تعتبر شذوذا أو اضطرابا سلوكيا. بناء عليه، أصبحت التسوية بين كل الفاعلين الجنسيين الراشدين، مهما كان اتجاههم الجنسي، ضرورة قانونية من أجل صيانة حقوق الإنسان والحريات الفردية. كيف يمكن الدفع بالدول الإسلامية إلى الانضمام إلى المجتمع الدولي في التسامح مع المثلية وفي احترام وتطبيق الحقوق الجنسية كحقوق إنسان؟ كيف يمكن أن نواجه إسلاميا، نقلا وعقلا، التمييز على أساس الاتجاه الجنسي؟

{{هامش:}}

(1) محيى الدين النووي: المجموع، ج 20، ص23، طبعة دار الفكر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق