المجتمع الاستهلاكي ووهم الحرية

ترتبط فلسفة الاستهلاك التي نتكلم عنها بشكل وثيق بفلسفة السوق الليبرالية التي برزت مع النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ بآلياتها المتشابكة التي تقوم على توسيع الأسواق وملئها بالمنتجات التي تتغير باستمرار لتلبي حاجيات الأفراد، ثم خلق حاجيات جديدة حتى يضمن استمرار عجلة ثنائية الإنتاج والاستهلاك. وبذلك أدخلت الإنسان الأمريكي ثم مختلف ساكنة العالم في دوامة الاستهلاك، وهمّشت القضايا السياسية الكبرى في وجدانه، وأغرقته في دوامة الاستهلاكية، حتى أصبح شعاره كما يقولون بالإنجليزية “طالما أن هناك دجاجة على المائدة “as long as there is a chicken on the table فإن العالم لا يهمه، فيؤثر السلامة ولا يفكر فيما هو خارج حدود الدجاجة (عبد الوهاب المسيري) .
كما أوضح سمير أمين في مقال له حول نقد الاديولوجيا الرأسمالية، أن النظام الرأسمالي عمد إلى بناء دولة الرفاهية في الغرب الرأسمالي المتقدم ودفع المشروع التحديثي التقدمي في أطرافه كرد على النمط السوفيتي. كما اعتبر – سمير- أن المفكر المجري كارل بولانيPOLANY أول من أدرك مغزى الفكر الجديد وشروطه، وذلك مباشرة بعد الحرب العالمي أي قبل أن تكون عناصر الفكر الجديد قد تجمعت بوضوح، حيث ضرب هذا المفكر الفكر الليبرالي في قلبه، وأوضح طابعه الطوباوي الخطير عندما أثبت أن العمل و الطبيعة والنقد لا يمكن أن يعالج أمرهما كما لو كانا “سلعا” إذ يتم هذا على حساب وضع الإنسان المتدهور نتيجة إخضاعه للاستلاب السلعي وعلى حساب الطبيعة التي تدمر دون رحمة ( سمير أمين). 
وقد حاول ماركيوز من جهته – متأثراً بمشاهداته للمجتمع الأمريكي – استكشاف الحلقة الجديدة في استغلال الإنسان، فأسس لمفهوم الهيمنة لتوضيح كيفية استعباد الإنسان في مجتمع التقنية والعقلانية الأداتية؛ حيث الإنسان مستلب لصالح فيض إنتاجي استهلاكي (ماركس) ومستعبد لاشعوريا (فرويد). وذلك من خلال تحليله للنسق الثقافي والإعلامي لتوضيح كيفية السيطرة على الإنسان بحيث تغدو الديمقراطية قمعا مموها (ماركيوز). نظراً لكون القمع والاستلاب والاستغلال ما تزال أموراً حاضرة حتى الآن في مجمل النظام العالمي الجديد كآليات بنيوية، من خلال وسائل الاتصال الجماهيري التي تحول المصالح السياسية الخاصة بفئة معينة أو طبقة معينة لمصالح عامة للمجتمع ككل، وأضحى الاستعمار مسألة طبيعية بعد أن تم إقناعه بأنها ستزيد من رفاه المجتمع. لكن وبعد عجزها عن ضمان استمرار الاستعمار وجدت القوى الإمبريالية، بعد ارتطامها بحدود السوق العالمي وبعد اكتشاف عجزها عن المواجهة العسكرية، أن المخرج الوحيد لها هو نشر النزعة الاستهلاكية في بقية أنحاء العالم. وبذلك أحكمت الحضارة الاستهلاكية قبضتها على الإنسان، وزرع ما سماه عبد الوهاب المسيري “الامبريالية النفسية” وتعميم لمفهوم الإنسان الاقتصادي/ الجسماني، وهو إنسان ذو بعد واحد لا يكترث بالوطن أو بالكرامة، ولا يهمه سوى البيع والشراء والمنفعة واللذة. والهدف من الإنتاج -من منظور الإمبريالية النفسية- هو الاستهلاك، والهدف من تزايد الإنتاج هو تزايد الاستهلاك، وحياة المرء تكتسب معنى واحد هو استهلك، ومزيدا من المعنى إن هو صعَّد من استهلاكه ( المسيري).
 
 وقد عبر أحد المفكرين الغربيين عن ذلك بأن المجتمعات الاستهلاكية لا يهمها المعنى ولا تبحث عنه؛ فالسلعة تصبح هي البداية والنهاية وهي مركز الوجود، بل وهي التي تضفي معنى على حياة الإنسان الاستهلاكي. ومن هنا جاء مصطلح comodification والذي يعني أن السلعة تزيح الإنسان من مركز الكون لتحل محله، وتصبح السلعة أكثر أهمية من الإنسان. ويوجد مصطلحات شبه مترادفة مع هذا المصطلح هو التوثن fetishism، وهي تعني أن الأشياء (بما في ذلك السلع) تتحول إلى أوثان يتعبد الإنسان في محرابها بعد إزاحته من مركز الكون. ونفس الأمر ينطبق على مصطلح التشيؤ reification.
  يلعب النظام الرأسمالي على وتر الحاجات، جاعلاً من الاستهلاك محور حياة البشر ونواتها المركزية التي تتأسس على إثرها المواقع والقناعات، حيث تتكرس التراتبية الاجتماعية / الاقتصادية، وتغدو فكرة السعادة كغاية اجتماعية (الجري خلف السعادة the pursuit of happiness ).
 فبعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وتراجع حركات التحرر في العالم الثالث وفشل خططها التنموية، وغلبة منطق العولمة، جرى تعميم النظام الاستهلاكي عالمياً، كأسطورةً على الجميع الخضوع لسحرها، وآليةً لكبح الوعي النقدي وتهميشه، وإدماج الجميع بالترغيب أو بالترهيب في نظام الاستهلاك. 
 لقد بات “مجتمع الاستهلاك” علامة دالة على انهيار مقولات الحداثة مثلما أُرسيت منذ عصر الأنوار؛ فالذات الإنسانية، أصبحت تذوب في القطيع الاجتماعي خاسرة تفردها واستقلالها.
والعقلانية التي تحولت إلى عقلانية أداتية ( كما يقول ألان تورين )على خلفية لاعقلانية ترسم وتؤطر وتؤسس بنية النظام في مجملها، كما يذهب إلى ذلك بودريار، ومن قبله ماركوز. 
  انطلاقا من ثلاث محاور من كتابه الشهير” المجتمع الاستهلاكي، اعتبر بودريار أن المجتمعات الغربية وضعت الاستهلاك مكان الفكر، حيث الجسد أصبح كموضوع والرأسمال خاضع لأمر الإشهار، والمفارقة في هذا النظام هو أن نمو الإنتاجية في مجتمع الرفاه الحالي مترافق مع نمو وسائل التدمير، والغنى يواكب البؤس؛ بعبارة أخرى أعم: إن عقلانية المجتمع المعاصر هي في جوهرها لا عقلانية.
الإنسان المستهلك ووهم الحرية:
   يتركز التاريخ الأوربي والأمريكي الحديث حول بدل الجهد للوصول إلى الحرية وتكسير كل الأصفاد السياسية والاقتصادية والدينية وكل ما قيد الإنسان، فبعد أن أطاح الإنسان بسيادة الطبيعة جعل نفسه سيدا، وبعد أن أطاح بسيطرة الكنيسة وسيطرة الدولة المتسلطة المطلقة جعل من العقل سيدا ( ايريك فروم). 
لكن على الرغم من أن التطورات التكنولوجية اللامتناهية فسحت المجال نظرياً أمام تحرير الفرد من الحاجات والمشاريع الاستلابية، من خلال تـنظيم العملية الإنتاجية والتحكم فيها بطريقة تلبي الحاجات الحيوية. إلا أن ما يجري على أرض الواقع مختلف تماماً؛ فالمجتمع الصناعي التكنولوجي المعاصر ذو نزعة كلية استبدادية سياسياً و اقتصادياً ( ماركيوز)، يحقق تحكمه عبر تصوير بعض المصالح الخاصة لفئة معينة كما لو أنها مصلحة عامة. والإشكالية هنا أن القمع السياسي لا يتم بالطريقة البدائية، بل يتم بآليات إنتاج واستهلاك مترافق مع تعددية حزبية وصحافة حرة وفصل للسلطات مما يموِّه العملية، ويجعل الاستبداد ذا عباءة ديمقراطية (ماركيوز). كما يتم خلق حاجات وهمية تحقق شعوراً بالسعادة لكنه شعور زائف كونه يمنع الفرد من إدراك الشقاء العام، و بعبارة أخرى “تجعله يرى الرفاه في الشقاء”.
 
 يمكن القول انطلاقا مما سبق أن ثقافة الاستهلاك كأحد مميزات المجتمعات ليست فقط الرأسمالية، وإن كانت هي المركز. إلا أن المغلوب – كما رأى ابن خلدون مند قرون- مولع بتقليد الغالب في نحله وسائر أحواله، هذا الأمر يبدو في حالة الاستهلاك أكثر حضورا؛ فالتبعية ليست فقط على المستوى السياسي والاقتصادي وإنما أيضا على المستوى الثقافي. إلا أن هذا العنف الرمزي لم يتم استدماجه وقبوله بشكل كبير، فالمغلوب قد يحاول بآلياته البسيطة مقاومة العنف بعنف آخر، قد يتجلى في الاحتماء أكثر بالثقافة الأصلية والرجوع إلى الذات والانكماش حولها، ولعل هذا ما يفسر ما دهب إليه البعض من أن الحرب والصراع الحالي لم يعد على المستوى السياسي والاقتصادي وإنما على المستوى الثقافي، إنه صراع الحضارات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق