المجتمع المدني ومستقبل الديموقراطية في العراق

يتغافل عدد كبير من المتحمّسين للتصوّر الليبراليّ عن المخاطر المحتملة التي بمقدور المجتمع المدني وضعها أمام الديمقراطيات، الناشئة منها خصوصاً، والتي قد تقود إلى إخفاقها تماماً وتؤول إلى تقويض المبدأ الديمقراطي بالذات. وبخلاف المجتمعات المدنية الفعالة والحيّة، التي تشكّل خنادق دفاع قويّة عن الديمقراطية والمساواة، فإنّ هذه المجتمعات المدنية التي اصطلح عليها بـ”السيّئة” أو “الهشّة”، وتفتقر إلى استقلال تواصليّ، وتسطو عليها السلطة أو المال أو كلاهما، وتستبدّ المؤسّسات الجشعة، الإعلامية والأيديولوجية، بمجالها العامّ وتحتكره، تعاني من تشظٍّ وانقسامٍ في السّطح والعمق. ويقودنا هذا الشكّ إلى التساؤل مع عدد من النقّاد: إذا كان المجتمع المدنيّ يشكّل عتبة متينة لمقاومة الاستبداد والتسلّط، فما الذي يحول دون تحوّله إلى محالة لتقويض الديمقراطية، في الوقت نفسه، وتدميرها؟؟ ويشير هؤلاء إلى جمهورية فايمار الألمانية التي حمل مجتمعها المدني نظاماً نازياً إلى مسرح التاريخ. وفي إيطاليا تجاوبت مؤسّسات المجتمع المدني بقوّة مع صعود موسوليني. وبالمثل في روسيا وجمهوريات أوربا الشرقية التي شكّلت مجتمعاتها، في العقد الأخير من القرن العشرين، موطئ قدم قويّة لصعود أحزاب قومية وفاشية، قادت الأوضاع، في يوغسلافيا مثلاً، إلى حرب أهلية وانقسام وتناحر حادّ.

ونرى اليوم في مكان أقرب إلينا، حيث تبدو الأوضاع في العراق، حتى هذا الوقت، مؤهّلة أكثر للارتداد على نفسها. واستحال المجتمع المدني الناشئ إلى موطن للحركات الدينية المتطرفة، وملجأ للميلشيات المسلحة التي تنتظم حول أيديولوجيات مناهضة للديمقراطية، وتعتمد كراهية الآخر والتعصّب وسيلة لها. وبدا جليّاً هنا تقهقر الشعور بالمواطنة والمساواة لدى الأفراد، وتراجع لديهم الإحساس بالتضامن المشترك، وانقسم المجتمع إلى فئات معزولة ومتناحرة، في جوّ عموميّ تسوده الكراهية وفقدان الثقة، وبالتالي انعدم التواصل المطلوب. إذن كيف بالإمكان حماية النظام الديموقراطي الناشئ من مثل هذه المخاطر الماثلة للعيان؟؟

بالطبع، فإنّ ما يهدّد مستقبل الديمقراطية في العراق ليس انتظام الناس والأفراد في الكيانات الروحانية المختلفة أو المؤسّسات الدينية، التي تعدّ الفرد للحياة المقدّسة، فهذا شأن خاصّ. إنما هو طغيان التعصّب والكراهية وغياب الفضائل المدنية كالتسامح والحوار العقلاني في المجتمع، عبر هيمنة الأغلبية الدينية أو المذهبية بـشرعية انتخابية واحتكارها للمجال السياسيّ. إذ أنّ هيمنة هذه الأغلبية ستعيد إنتاج أشكال جديدة من عدم المساواة وأنماط أخرى من التمييز المصحوب بالعنف السياسي والقهر، وخاصّة حينما تغدو تلك الأغلبية مستأثرة بالسلطة السياسية وتكون مصدراً للتشريع والقوانين، فتعمد إلى إقصاء الأقلّية وتهميش إرادتها. إنّ كلّ استبعاد صريح أو ضمنيّ للأقلية يتنافى مع قاعدة العمومية والمساواة، ومطلب خضوع الأقلية ديموقراطياً للأكثرية لا يعني بالضرورة انتهاك حريتها والإخلال بمبدأ المساواة وإقصاء الأقلية، لأنّ الغاية من ترجيح إرادة الأكثرية ليست فرض هيمنتها أو طغيانها، بقدر ما هي ضمان حقوق الأقلية وممارستها. إنّ الديمقراطية هنا كوسيلة ستؤول إلى تقويض ذاتها كغاية وتتعارض معها، وخاصّة عندما تمتصّ فئة معيّنة أو طائفة إرادة الكلّ في إرادتها الأيديولوجية أو المذهبية الخاصة، وتطابق بين إرادتها وإرادة الحكم فلا تعود تهدف إلى الخير العامّ والمنفعة المشتركة.
وهكذا تكون الأغلبية خطرة بحكم أنّها أغلبية نمطية في السلطة، كذلك تكون الأقلية مشبوهة ومارقة في نظر سلطة الأغلبية، لا بموجب واقعها، وإنما بموجب نواياها ومقاصدها المختلفة وطموحها إلى المساواة، وأيضاً بموجب حذرها الدائم وارتيابها في ادّعاء الأغلبية في السلطة بتمثيل الإرادة العامّة وتجسيدها. إنّ الكفاح ضدّ هذه العلاقة غير السويّة نابع من الخوف المشروع من رؤية الديمقراطية وهي تندحر على يد الأغلبية لتستحيل إلى أشدّ أشكال الاستبداد تخلفاً.

الخطر الثاني، يتمثل في تنامي دور المؤسسة الدينية وبيروقراطيتها من رجال دين. إنّ كلّ سلطة دينية أو مؤسّسة ليس لها أن تخضع بكامل إرادتها لأية سلطة دنيوية أو بيروقراطية سياسية، كما ليس لها أن تقبل بأيّ تهديد لنفوذها أو منافسة لها. إنها من هذا الموقع لا تكتفي باحتكار حقائق السماء فحسب، وإنما تفرض نفسها وصية على وقائع الأرض وشؤون الدنيا. من هنا، فإن القول بالمصدر البشري الدنيوي للسلطة وشرعيتها يتعارض تماماً مع عقيدتها الدينية الراسخة التي تقول بالمصدر الإلهي للحكم والوصاية السماوية، وترفض النظر من هذا الموقع، إلى رعايا الدولة على قاعدة المساواة في المواطنة وفي الحقوق الطبيعة التي تفرضها صفتهم كبشر، وتكمن في طبيعة الإنسان بالذات. فحسب الكائن أن يكون إنساناً حتى تكون له تلك الحقوق، فهي حقوق سابقة على أيّ انتماء أو وضع ديني أو قومي. وبما أنه لا يمكن لأيّ إنسان أن يكون إنساناً أكثر من سواه أو أقلّ، وبما أن صفته كإنسان لايمكن استعارتها أو التخلّي عنها، مثلما أفادنا فلاسفة الحقّ الطبيعيّ، فإنّ كلّ فرد يحمل في ذاته حقّه كإنسان وهذا الحقّ واحد لجميع الناس، بصرف النظر عن هويتهم الدينية أو القومية. هذا القول يتنافى مع النظرة الدينية السابقة لمصدر الحكم والغاية منه، بل وحتى مع التصور الديني للإنسان. فإذا كان النظام الديمقراطي هو شكل الحكم الذي يجسد المساواة في شعب من المواطنين، فإنّ الأيديولوجية والمؤسسة الدينيتين تقولان بالنظام القائم على شعب من المؤمنين وتفرضان نمطاً معيناً من الطاعة هي طاعة” ما فوق الدولة”. وكل من يتعارض في إيمانه أو رأيه مع النسق المعتقدي السائد ويختلف عنه يصبح كافراً ويغدو خارج نطاق الرعاية ويحكم عليه بالحجر.

ما يجدر التنويه به هنا، أنّ وجود منظومة حقوق مدنية، مع ضمانات دستورية لها، لا تكفل وحدها الحفاظ على عدالة دائمة ومساواة. وبالمقاربة مع حالة الولايات المتحدة فإنّ قوانين تحرير الزنوج، وضمانات المساواة الدستورية والإصلاحات التشريعية في الستينات وحقوق الانتخابات، عجزت كلّها عن تحقيق النجاح على صعيد المساواة العرقية، وكان لا بدّ من إستراتيجية تهدف إلى التخلّص من ثقافة التمييز العنصري وحالة اللاـ ثقة وانعدام التواصل في المجتمع المدني، التي قادت أخيراً إلى تسيّد أمريكي من أصول إفريقيّة.

إنّ حالة التآكل الثقافي القيمي الملحوظ في المجتمع العراقي، نتيجة العقود الطويلة من الاستبداد وما تلاها من سنوات الاحتراب الداخلي، تستدعي الآن إعادة إنتاج مواطنة جديدة تحظى بقبول الجميع واحترامهم، في مواجهة جماعات الكراهية العرقية والمذهبية وثقافة الإقصاء والعنف السائدة لديهم. حينئذ يمكن تهميش دورها وفاعليتها في مناهضة الديمقراطية وقيم المساواة، وبالمقابل يتعزز دور القوى الجديدة والناشطة، التي تجد مصلحتها الحقيقية في ترسيخ القيم الديمقراطية، وتسهم في تشكيل الهوية وتنمية الشعور بالانتماء، وتكريس الفضائل المدنية الجديدة.

وبموازاة ذلك فإن حالة اللامبالاة والسلبية التي أخذت تتنامى لدى فئات المهمشين والمحبطين كالنساء والفقراء، وضحايا العنف والحرب، والأقليات الدينية والعرقية المهدَّدة(كالمسيحيين والشبك والصابئة)، التي تفتقر إلى التأثير السياسي الفاعل، تشكل بدورها سريراً للاستبداد، وبؤرة لانعدام المساواة، ومن الضرورة بمكان إنجاز تحول حاسم لديهم عبر الانخراط الفعّال في الشأن العام والمساهمة فيه، وتحريرهم من العوائق الموضوعية والبنيوية التي تمنعهم من الوصول إليه، وتحول دون مشاركتهم الحقيقية في الحياة العامة. ولأجل تحقيق هذا الهدف فإنّهم بحاجة إلى مؤسسات مدنية قويّة مشجعة تمكنهم من تخطي مأزق العزلة السياسية والانطواء واللامبالاة، وترقى بهم إلى المواطنية الديمقراطية الايجابية.

إنّ خندق الدفاع الحقيقي هنا هو وجود مجال عامّ مدقرط ومستقل يمكّن الجميع من المساهمة والتواصل بحرية. وفي هذه التحصينات بالذات تقوى الفضائل المدنية ويترسّخ معنى المواطنة الحقيقة والمساواة، وتتعمّق ثقافة التواصل وتتكرّس قيم التعايش والتسامح.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This