المجتمع والعنف

مهما تكن الأهميّة التي تمنح للحرب، والمستقبل الذي نتوقّعه لها، فإنّها شكل شائع من العلاقات بين المجتمعات في العصور التاريخيّة. إنّها كذلك إحدى طّرق استخدام العنف كصيغة من صيغ تسويّة النّزاع. ومع ذلك فغالبا ما يتدخّل هذا العنف لحلّ النّزاعات الدّاخليّة في المجتمع، حيث أنّه يحق لنا التساؤل إن كان لا يتعايش مع الحياة الاجتماعيّة. فاستخدامه ليس مخصوصا بالجنس البشريّ فحسب، إذ تلجأ إليْه المجتمعات الحيوانيّة أيضا، وسوف نقدّم بعض التدقيقات حول هذا الموضوع قبل أن نحاول الإجابة عن هذا السّؤال.

{{1 ـ دروس المجتمعات الحيوانيّة :}}

ـ العدوان داخل النوع و مابين الأنواع :
AGRESSION INTRA – ET INTERSPECIFIQUE
إنّ كلّ تمظهر للعنف ليس بالضّرورة أمرا عدوانيّا. وذلك هو شأن الصّيد، فالحيوان الذي يقتل فريسته من أجل التهامها مثله مثل الصيّاد الذي يقتل طريدته دون نوايا عدائية. ولارتباطها بالعلاقات العدائيّة فإنّ العدوانيّة يمكن أن تتخذ أشكالا متعدّدة.
فهي إماّ أنْ تُمارس بين أفراد من أنواع مختلفة (عدوان ما بين الأنواعagression interspécifique )، ومثل هذه الحالات نادرة جدّا وتظلّ عواقبها ضارّة لأنّ هذه الصراعات ليس ذات طابع توافقيّ، ولكنها ذات طابع تدميريّ أساسا. أو أنّها تتدخل كثيرا ما بين أفراد النّوع ذاته (عدوان داخل النّوع وما بين الأفراد intraspécifique interindividuelle). وأغلب علماء الاتنولوجيا يعتقدون أنّ هذا النوع من العنف لا يضرّ بالحياة الاجتماعية إلاّ عرضا. وبصفة عامّة فإنّ وظائفه ـ هي على العكس ـ تعود بالنّفع على النّوع الحيوانيّ حيث تضمن المحافظة عليْه. فهي تسمح أوّلا بتوزيع محكم لحيوانات من نفس النّوع على مساحة ما من الأرض، فإذا ما استطاعت أنواع مختلفة من التعايش دائما على نفس الأرض لأنّها لا تستغلها بنفس الكيفيّة، فإنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى أفراد من نفس النّوع، ذلك أنّه لا يمكن لأرض ما أن تهبهم إلاّ قدرا معيّنا من الثروة. إنّ العدوانيّة يمكن أن تصلح لتثبيت الهرميّة الاجتماعيّة. ففي حال وقوع تمرّد فإنّ الأقوى، أو من يحتلّ مكانة عليا في السلّم الاجتماعي، سيفرض نفسه على الأضعف أو من هو في الأسفل. وفي كلّ الحالات فإنّ العدوانيّة لا تهدف في أغلب الأحيان إلى القضاء على أحد الزعماء ولكن تهدف إلى إبعاده أو الحصول على طاعته. وتتحقّق هذه النتيجة بأقلّ كلفة للمجتمعات من عدّة صراعات شّكليّة وذات آثار محدودة تتمّ عبر طرق مختلفة مثل مواقف التهديد الّرادعة (رفرفة ذيل من سمكة في اتجاه سمكة أخرى) ومثل معارك الشرف( تشابك سمكتيْن بفكّيْهما وتجاذبهما، وهو ما قد يتطلّب وقتا طويلا دون أيّ خسائر تذكر، وهو موقف قارنه ك.لورنز k.Lorenz بالقرويين السويسريين حيث يمكن للمتصارعيْن التجاذب طيلة ساعات عدّة ..من السراويل).

وأخيرا يمكن للعدوانيّة أن تولّد صراعا بين مجموعات ـ أو بين أفراد مجموعات ـ تنتمي إلى نفس النوع (عدوانيّة داخل النّوع وما بين المجموعات agressivité intraspécifique intercommunautaire)، فإذا نُقل أحد الفئران من عائلته إلى عائلة أخرى فسوف يقتل في الحال، لأنّه توجد حالة من الحرب المستمرّة بين هذه المجموعات المختلفة. وخلافا لشكل العدوانيّة داخل النوع سالف الذّكر، فإنّ ّ هذه الأخيرة لا تحقّق أيّ وظيفة لصالح النوع التي استشهدنا به. إذ بتصفيّة المجموعات الأقل قوّة تضمن بقاء المجموعات الأكثر قوّة أو الأشدّ عدوانيّة وتوسّعها. وحسب ك. لورينز k.Lorenz فقد نكون هنا أمام طريق مسدود للتطوّر، إذ أنّ العدوانيّة داخل النّوع وما بين المجموعات intraspécifique) et intercommunautaire) قد لا تؤدي إلى أيّ نتيجة تذكر. ومثلما هو حال عدوانيّة ما بين الأنواع ( agressivité interspécifique ) فإنها مضرّة بطبعها ولكنها تختلف عنها بكونها أكثر شيوعا وهذا ما يجعلها أكثر خطورة.

وخلافا لذلك، فإنّ العدوانيّة داخل النوع وما بين الأفراد لا يمكن لها أن تحاكي أيّ شكل مرضي من العلاقات الاجتماعيّة، وقد تبدو هذه الملاحظة أكثر ثباتا في أنّ درجة العدوانيّة الخاصة بمجتمع معيّن ترتبط ارتباطا مباشرا بوجود روابط شخصيّة بين أفراد من نفس النّوع. فالحيوانات التي تعيش ضمن عصابات سميكة(الرنكة، العصافير، القوارض) هي أقلّ عدوانيّة، ولكنّ تضامنها معدوم إذ أنّ الرّوابط فيما بيْنها ليست روابط فرديّة individualisés . وعلى العكس فإنّ ما يمكن تسميّته بالصداقة والوفاء بيْن اثنيْن أو بين العديد من الأفراد المتميّزين جدّا لا توجد إلاّ عند الحيوانات التي تكون درجة العدوانيّة فيها مرتفعة ( كالذّئاب). إنّ الحبّ والكره قريبان جدّا من بعضهما، وهو ما تعبّر عنه الحكمة الشعبيّة منذ عهود طويلة. إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك دوْما فالعدوانيّة تعقب الحبّ والمودّة منذ ملايين السنين (وكذلك الزّواحف والحيوانات القديمة جدّا، فهي عدوانيّة ومجرّدة من العواطف). إنّ الرّوابط الشخصيّة لم تظهر إلاّ عند كاملات العظام والعصافير والثدييّات و الحيوانات التي ولدت بثلاثيّة سفلى(منذ مليون سنة تقريبا)، ومعها وجدت إمكانيّة الرّوابط العاطفيّة أو الودّية. وبعبارة أخرى، إذا وجدت العدوانيّة دون حبّ فإنّ الحبّ لا يمكن أن يوجد دون عدوانيّة. إنّ العدوانيّة وإضفاء الطّابع الشخصي على العلاقات بين الأفراد وكذلك المودّة والحبّ هي المثال التراكميّ للتطوّر.

{{مقارنة بين المجتمعات الإنسانيّة والحيوانيّة:}}

إنّ لدى علماء الإثنولوجيا اتّجاها نحو التشكيك في جدوى المقارنات بين المجتمعات الإنسانيّة والحيوانيّة. فممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المجتمعات منفصلة عن بعضها باختلافات جذريّة. وبصفة أدقّ فإنّ مجرّد إعطاء قيمة للشخص الإنساني ـ هذه القيمة مختلفة كذلك حسب المجتمعات وهي ليست إلّا أثرا من آثار النّظريات العنصريّة ـ يمنعنا من تشخيص العوامل الخالصة للعدوان داخل النّوع وما بين الأفراد تشخيصا إيجابيّا. فليس مبرّرا لاستبعاد فرد أن يكون الأضعف أو الأقلّ موهبة من الآخرين.

غير أن ّ هذه الاختلافات لا تمنع حسب وجهة نظرنا أيّ مقارنة. فالإنسان رغم قدرته على التفكير ليس كائنا عقليّا. إذ لازال ـ وقد يكون في الغالب ـ خاضعا لعاطفته. إنّ العدوانيّة تقوم دائما بدور في الصلات التي يعقدها الإنسان مع الآخرين. وكما هو شأن الحيوان فإنّ هذه العدوانيّة لا تقود بالضرورة إلى العنف، ففي حالات عديدة تعوّض بتحويلها إلى صراعات شكليّة تحديدا. وعندما يقع حلّ نزاع بالعنف رغم كلّ شيء، فإنّ استخدامه يخضع عادة لقانون وهذا ما سنلاحظه في دراستنا للنظام الثأري * فلا يتمّ الانتقام بشكل أعمى ولكن من خلال الخضوع لقواعد اللّعبة. ومن ناحيّة أخرى فإنّ الكائنات البشريّة تظهر عدوانيّة وعنيفة أكثر أو أقلّ تبعا للإطار السوسيولوجي الذي تنشأ فيه علاقاتهم، وفي هذا المستوى يوجد تواز ما مع المجتمعات الحيوانيّة. إنّ الإنسان عامّة لا يبرهن على عدوانيّة ما بين الأنواع agressivité interspécifique، فمجتمعات الصيّادين تقتل من أجل الحاجة مثلما هو الشأن عندما ندجّن حيوانات كي نأكلها، ومجتمعاتنا الحديثة تهتم كثيرا بحماية بعض أنواع الحيوانات النّادرة أو المهدّدة بالانقراض.

إنّ العدوانيّة داخل النّوع وما بين المجموعات تؤدّي غالبا إلى استخدام العنف. وهي مع ذلك متطورة جدّا حتى وإن برهنت في أكثر من مرّة على ضررها. ومثلما رأينا فإنّ الحرب ظاهرة عامّة في العصور التاريخيّة. ورغم ذلك فإنّ العدوانيّة داخل النوع وما بين الأفراد وإن لم تكن متواترة جدّا فإنّها أقل خطورة لأنّها لا تؤدّي مباشرة إلى العنف. ويتوقّف كلّ هذا أيضا على درجة المسافة الاجتماعيّة الفاصلة بين الأفراد، فبقدر ارتفاعها يكون استعمال العنف محتملا والعكس صحيح.

سنتبيّن فعلا أنّه عندما ينشب صراع بين أفراد ينتمون إلى نفس المجموعة في مجتمع ما فسيكون من الأفضل تسويته بالطرق السّلميّة، وفي مقابل ذلك، عندما يتنازع أفراد ينتمون إلى مجموعات مختلفة فإنّ اللّجوء إلى الثأر سيكون دائما ضروريّا. إنّ البعض من هذه الأفكار يمكن أن يسمح حسب رأينا بالإجابة جيّدا عن سؤال حتميّة العنف في المجتمعات الإنسانيّة.

سؤالان يمكن طرحهما فعلا. هما: هل العنف حتميّ؟ وما هي الأسباب التي تفسّر عدم شيوعه في كل المجتمعات؟

{{أ ـ هل العنف حتميّ؟}}

حتى لو افترضنا أنّ العنف متأصّل في الطبع الإنسانيّ، فقد يعتقد المرء بأنّ واحدا من أهمّ إنجازات الثقافة إفادة ستكون في إزالته. فما بين 1946 و 1950 عرض بعض الكتاب الأمريكيين ( تافت Taftو ألنسكي Alinski و قالتونغ Galtung) نماذج من المجتمعات التي قد يستبعد فيها العنف والجريمة، وتتمثّل الحلول المقترحة بوجه عامّ في جعل القيم الثقافيّة متجانسة، وفي التقليص الجذريّ من انعدام المساواة على الصعيديْن السيّاسي والاجتماعي الاقتصادي(أو إزالتها). إنّ نظريّة د. سزابو D.szabo ذات طبيعة وصفيّة أكثر. فعند هذا الكاتب ينجم العنف عن عوامل فيزيولوجيّة (متأصّلة ضمن جينات تطوّر الدّماغ البشري)، وكذلك عن عوامل اجتماعيّة وسوسيولوجيّة. وتتكوّن هذه الأخيرة ضمن درجة التماسك بين مختلف المجموعات الفرعيّة لمجتمع ما. فبقدر ما يكون قويّا يقلّ ازدياد العنف. وهي ملاحظة دقيقة، إذ سنتبيّن أنّ مجتمعات الصيّادين ـ القاطفين هي جماعيّة أكثر من مجتمعات المزارعين المستقرّين عموما، وهم يفضّلون الصيغ السلميّة لتسويّة النّزاعات. ولكن ينبغي الذّهاب بعيدا في تحليل الأسباب إذ أنّ درجة تماسك مجتمع ما تقتضي تضافر العديد من العوامل التي ينبغي أنّ نحدّدها.

وعلاوة على ذلك، فكل مجتمع ولو كان متكاملا فإنّه يبدو لنا قد شهد أشكالا من العنف. فنحن نعتقد دون حرج مع العميد ف. بولون F.Boulan أنّ تصوّر مجتمع خال من العنف غير ممكن، لكن في المقابل من الممكن الحدّ من مظاهره. وبدقّة أكثر نعتقد أنّه إذا كانت العدوانيّة حتميّة فإنّ العنف يمكن أن يكون قيدا. إنّ العدوانيّة أمر حتميّ لأنّ الإنسان ـ كما تبيّنا ذلك ـ لم يستطع أن يبرهن إلى حدّ الآن أنّه قادر على حكم نفسه بواسطة عقله فحسب، ومن ناحيّة أخرى فإنّ العدوانيّة باعتبارها تصعيدا يمكن أن تكون لها آثار خلّاقة ومفيدة للمجتمع. وبناء عليه فهي تحمل وجه يانس (( Janus* إذ لا يمكن التخلّي عن محاسنها ولا تجنّب كل مساوئها.

ومع ذلك ليست كلّ المجتمعات عدوانيّة ولا عنيفة بنفس الدرجة. وفي هذا الصدد فإنّ التجربة الانتروبولوجيّة لا تؤكد النظريّة التي تجعل من التعدّدية الاجتماعيّة محدّدة لدرجة العنف. ومن جهة أخرى فإنّ الطريقة التي تنظر بها الفئات المهيمنة في المجتمع للتعدّدية تكتسي أهميّة أكثر من مستواها، إذ تعتبر أمرا نافعا وليس مولّدا للعنف، والعكس بالعكس. ومن ناحيّة أخرى فإنّ الملاحظات الاثنوغرافيّة تجنح إلى التأكيد على عوامل أخرى ينبغي علينا الآن النّظر إليها.

{{ب ـ النّزوع إلى العنف : مقاربة ما بين الثقافات:}}

إنّ المعطيات الاثنوغرافيّة تسمح لنا بملاحظة أنّه إذا ما استخدم كلّ مجتمع طرقا سلميّة وعنيفة لتسويّة النّزاعات فإنّه مجتمع غير متوازن في توزيعه. ومن جهة أخرى فعندما يكون الاختيار الفعليّ لصالح الثأر فإنّه لا يطبّق بنفس الحدّة في كلّ المجتمعات. إنّ اللّجوء إلى العنف وأبعاد التضامن في الثأر هما الإشكاليتان اللّتان ينبغي علينا الآن دراستهما.

{{ـ اللّجوء إلى العنف:}}

تضفي بعض المجتمعات قيمة على السّلم. فالرّجل الحقيقيّ عند هنود “الزّوني” Zuni ( أمريكا الشماليّة) أو عند “المبوتي”Mbuti(صيادون ـ قطّافون في الكونغو) هو الذي يعرف كيف يتجنّب العراك. وعند الآخرين نجد العكس مثل “الندمبو ” Ndembu في زمبيا إذ يتخذ الصراع مكانة هامة في الحياة السيّاسيّة والاجتماعيّة ويتواتر اللّجوء إلى العنف بكثرة. فلا يتأسّس أيّ تلازم ذي دلالة بين مختلف هذه المواقف تجاه العنف والمعطيات البيولوجيّة I (فإذا كانت هناك شعوب ميّالة إلى الحرب فعلا أكثر من شعوب أخرى فليست طباعها الفيزيولوجيّة هي الدّافع إلى ذلك بقدر تاريخها ونظام القيم الذي يخصّها). وعلى هذا الأساس، ينبغي علينا الاتجاه إلى البحث عن عوامل تتصل بالنّظام الثقافي.

إنّ وجود بعض العوامل المؤسّساتيّة (القانونيّة) قد يبدو مساعدا على تسويّة سلميّة للصراع. وخلافا لذلك يدفع غيابها إلى اللّجوء الدّائم إلى العنف. وكذلك فإنّ حضور طرف ثالث قادر على حمل أطراف النّزاع إلى حل سلميّ (وسيط، حكم) أو فرضه عليهم( قاض، سلطة سياسيّة) قد يكون عاملا مشجّعا.

وسيكون دور تدخّل الطرف الثالث وبالأحرى مؤسّسات الدّولة هو الحدّ من العنف. وهنا يُعترف بأطروحة الاتّجاه التطوّري الكلاسيكيّة التي يستعيدها دائما مؤرّخو القانون. إلاّ أنّها أطروحة غير مكتملة وقد تكون غير دقيقة كذلك.
فمن جهة تبيّن المعطيات الاثنوغرافيّة أنّ الكثير من المجتمعات التي تضفي قيمة على السّلم لا تعرف وسائل لتسوية الصراعات يتدخّل فيها طرف ثالث أو أنّها تعرف قليلا من ذلك.

ومن جهة أخرى، بيّن ك. ف. و س.س.أوترباين K.F. et C.S Otterbein في مقال هام أنّه لا يوجد تلازم بين تطوّر مركزيّة السلطة وتدنّي الثأر وهو ما يوضّحه الجدول الموالي:

|||||
|{{درجة مركزيّة السلطة السّياسيّة}}|{{عدد المجتمعات التي تثمّن على السلم}}|{{عدد المجتمعات التي تثمّن على العنف}}|
|مرتفع|7|11|
||13|20|

المجموع = 51 مجتمعا

كما توجد فرضيّة أخرى مقبولة في الغالب، وهي أنّ الحرب من المفترض أن تعزّز التماسك الدّاخلي للمجتمع، وأنّ المجتمعات الأكثر قتالا قد تشهد كذلك بين المجموعات المكوّنة لها أقلّ نسبة من الثأر. إلاّ أنّه، وضمن هذا المقام أيضا أُنجزت دراسة حول العيّنة ذاتها فلم تثبت إلاّ تلازما نسبيّا بين هذه الخصائص، فلا يُرصد هذا التلازم إلاّ إذا كان المجتمع مقاتلا(حربيّا) ويملك سلطة سيّاسيّة داخليّة شديدة المركزيّة..أما في المجتمعات التي تكون فيها السلطة السيّاسيّة ضعيفة فإنها يمكن أن تظهر ميلا قويّا إلى الثأر كميلها إلى الحرب في نفس الوقت.
ونتبيّن أيضا دون حرج وجود علاقة بين تنوّع بعض العوامل البيئيّة واللّجوء إلى العنف. كما أنّ”رابابور”Rappaport يؤكّد كذلك على حقيقة ما إذا كان تنامي عدد السكّان وعدم تزايد المساحة المطلوبة ـ وهو اختلال عموما ـ مولّدا لصراعات تنتهي بتجريد مجموعة لصالح مجموعة أخرى بشكل عنيف. غير أنّه ينبغي أن نفهم لماذا يفضّ هذا الصراع تلقائيّا بواسطة العنف أكثر من فضّه بطرق أخرى من جهة، ولماذا يوجد عدد من المجتمعات فاقدة للزعامة تسوّى نزاعاتها المتعلّقة باستخدام الأرض بطريقة سلميّة من جهة ثانيّة؟

إنّ مختلف هذه النّظريّات غير مقبولة على الإطلاق. فهناك نظريّات أخرى تملك قدرة تفسيريّة أكبر.
وبصورة عامّة سنلاحظ في البداية مع س. روبارتس S.Roberts أنّ نسبة العنف تتوقف على نموذج القيم الثقافيّة الخاصة بمجتمع ما. فعندما ترفع هذه القيم من قيمة الفرديّة والتنافس والعدوانيّة، فإنّ العنف ما بين الأفراد يغدو مهماّ(كما يوضّحه مثال المجتمع الأمريكي). ومن ناحيّة أخرى، إذا كان العنف ما بين الأفراد مرتفعا فإنّ ما يوجد داخل العلاقات بين المجموعات الفرعيّة هو أيضا عنف مرتفع (كما يبيّنه مثال بعض المجتمعات في غينيا الجديدة). ومع ذلك فلا يتعلّق الأمر هنا إلاّ بملاحظات. فهل توجد عوامل محدّدة لاختيارات ثقافيّة لمجتمع ما لصالح العنف؟ يمكن ذكر عامليْن حاليّا:
ـ الأوّل: يتّصل بنموذج التنظيم العائلي:
إنّ دراسات ك.ف .و س.س. أوترباين K.F et C.S Otterbein تثبت تلازما واضحا بين تواتر اللّجوء إلى الثأر والمجتمعات التي يسود فيها مبدأ السكن الذكوري، سواء كان هذا السكن أبوّيا أو خاصّا بالخال أو سكنا رجاليا. إنّ التلازم يتأكّد إذا أضيف إلى هذا العامل (الذي يظل رئيسيّا) عامل آخر هو تعدّد الزوجات (خلافا لذلك يكون اللّجوء إلى العنف ممكنا بشكل أقلّ إذا ما تواجدنا في مجتمع نظام الزواج الأحادي: نسائي وأموميّ السكن وذو سكن جديد).

|||||
|{{ }}|{{وجود للثأر}}|{{انعدام وجود الثّأر}}|
|مجتمعات أبوّية وذات نظام تعدد الزوجات|11|4|
|مجتمعات ذات نظام تعدد الزوجات أو أبويّة|6|10|
|مجتمعات لا تعدد زوجات فيها ولا أبويّة|5|14|

المجموع = 50 مجتمعا

ومن المعلوم حقاّ أنّ غالب المجتمعات الإنسانيّة محكومة بمبدأ الهيمنة الذّكوريّة، وأن الأنشطة الحربيّة هي من فعل الرّجال في أكثر الأحيان. وعندما يشجّع التنظيم السكني تجمّع الأفراد من جنس الذكور أجيالا تلو أجيال، تتشكّل جماعات ذات اهتمامات أخويّة أكثر تماسكا ونجاعة، للردّ بواسطة التضامن الثأري على الأضرار التي تستهدف واحدا من أفراده عندما يتزوّج، ويظل الإخوة قريبين من بعضهم البعض ومتّحدين جماعيّا مدى الحياة.

إن هذا التضامن السكني يتزايد إذا كان الرّجال مولودين من نسل قائم على تعدد الزوجات. وفي الواقع، ففي المجتمعات القائمة على تعدّد الزوجات يكون زواج الأبناء متأخّرا أكثر من مجتمعات الزواج الأحادي، فمن المفترض أن يزداد ترابط الإخوة غير الأشقّاء قوّة أثناء تربيتهم مع بعض طيلة فترة طويلة . يضاف إلى ذلك أنّ المقارنات بين الثقافات تبيّن أنّ السكن الأبويّ يقترن بالحرب الدّاخليّة وأنّ السكن الأمومي يقترن بالحرب الخارجيّة.
الثّاني: يتصل بنموذج التنظيم الاجتماعي ـ اقتصادي.
تفضّل مجتمعات الصيّادين ـ القاطفين ** الرّحل أو شبه الرّحل الصيغ السلميّة في تسويّة النّزاعات خلافا لمجتمعات المزارعين المستقرّين.
وفي الواقع تقدّم مجتمعات الصيّادين ـ القاطفين الرحّل العديد من الملامح التي تشجّع على التسويّة السلميّة للنّزاعات. فمن جهة لا تُعتمد هذه التسويّة إلاّ في المشاكل العائليّة أو تتعلّق بسبل الحصول على مواد استهلاكيّة قابلة للتلف، في حين أنّه يوجد لدى مجتمعات المزارعين المستقرّين تحديد قويّ للفرد أو المجموعة في مجال ترابيّ، وكذلك نزوع إلى الملكيّة الفرديّة، وهو ما يولّد مزيدا من فرص الصراع، ويشجّع تبعا لذلك على تنامي العدوانيّة. ومن جهة أخرى فإنّ التّرحال يسمح بحلّ التناقض الذي يوجد ما بين الأفراد عبر التباعد أكثر من الصدام. فالملاحظات الاثنوغرافية تبيّن أيضا أنّ التشتّت هو الأسلوب الأكثر اعتمادا في فضّ النّزاعات (إذ يقول مثل بدويّ: لتقريب قلوبنا علينا مباعدة خيامنا)، شرط ألاّ يكون المناخ الطّبيعيّ قاسيّا جدّا (إنّ التحاشي شائع عند قبائل “الهازدا” في تنزانيا كما أنّ قبائل “الكونغ بوشمان” في صحراء “الكالهاري” ترغب قبل كلّ شيء في تجنّب انشطار المجموعة وهي تفضّ الخصومات بسرعة كي تتجنّب بلوغها مرحلة خطرة). ولكن في كلّ الحالات فإنّ طريقة التسويّة السلميّة هي المعتمدة، فإذا ما سمحت بها البيئة يكون هناك التّشتت، وإلاّ فإنّ الصّراع يسوّى دون عنف لتجنّب انقسام المجموعة. إنّ الصراعات تسوّى من طرف الزعماء أنفسهم دون توسّط طرف ثالث. وخلافا لذلك فإنّ الوساطة في مجتمعات المزارعين ـ المستقرّين تبدو إجباريّة، حسب الصيغة المتّفق عليها وهي متداولة كثيرا، أمّا الإبعاد والتفرّق فإنهما نادران جدّا لأنّه تنجرّ عنهما دائما انعكاسات وخيمة أكثر من مجتمعات الصيّادين ـ القاطفين.

ومن ناحيّة أخرى، فإنّ نمط حياتها يفرض على هذه المجتمعات تنظيما جماعيّا متقدّما، فالبحث عن الطريدة وتوقيت الارتحال ومساره، تقتضي قرارات ينبغي أن تتخذ بشكل جماعيّ، في حين أنّ العمل الزراعي وإن كان خاضعا للضوابط الجماعيّة فإنّه ذو تنظيم جماعيّ من درجة أقلّ غالبا. وتبيّن هذه الضرورة القصوى أنّ تلك المجتمعات تعرف في أغلب الأحيان عادات جماعيّة في الإمساك بالطريدة واقتسام الغذاء لها أثر وقائيّ ضدّ الصراعات، ذلك أنّ اقتسام الغنيمة أفضل من الاستيلاء عليها. إنّ السمة الحيويّة دوما للاندماج في المجموعة تبيّن فعلا أنّ العقوبات الاجتماعية ـ النّفسيّة ( توبيخ، تأنيب، تهكّم، إبعاد وقتيّ كما تقوم بذلك قبائل الإنويت*** فعلا عندما تقع مناداة السّارق باسم الشيء المسروق، أو بعدم التواصل معه من خلال استخدام العبارات الدّالّة على العلاقة الأبويّة مع المخاطب التي تشبه لدينا الإنكار)، والمرتكزة على الفضح وإثارة السخريّة هي عديدة وناجعة. فعند قبائل المبوتي Mbuti يقع الإيماء بشكل مبالغ فيه إلى حدّ السخريّة من تصرّف المذنب، وعند الإنويت Inuit les يقع تنظيم منافسات في الغناء لفضّ بعض النّزاعات إذ أنّ المنتصر ليس من يكون على حقّ ضرورة، ولكن من يتوصّل إلى إجبار منافسه على الانسحاب. لقد لاحظنا أنّ منافسات الغناء هذه توجد خصوصا في مناطق القطب الشماليّ، حيث تكون البيئة الطبيعية أشدّ قساوة والمجموعات محدودة جدّا من الناحيّة الديمغرافيّة . وهو ما يؤكّد أهميّة العوامل البيئيّة في اختيار طرق فضّ النّزاعات. وخلافا لذلك ففي مجتمعات المزارعين المستقرّين تُستخدم بتلقائيّة أكبر عقوبات تمسّ الشخص جسديا أو الأملاك الماديّة لفرد من الأفراد.

وهنا علينا الحذر من التبسيط الساذج للمقابلة الثنائيّة بين المجتمعات البدويّة والحضريّة فالعنف يوجد أيضا عند البدويين (القتل متواتر عند البدويين والإنويت)، والمزارعون لا يسوّون جلّ نزاعاتهم بالقوّة. ومع ذلك يظلّ الجنوح إلى العنف بارزا عند المزارعين أكثر من البدويّين.

لكن يوجد نمط آخر من تنوّع استخدام العنف، وهذا التنوّع يرتبط كذلك بأحجام التضامن الثأري.
ـ أحجام التضامن الثأري:
إنّ الثأر غير موجود في بعض الحالات ـ وهو في الحقيقة نادر جدّا ـ .فهو من صنع الجماعات أكثر من الأفراد. إلاّ أنّ المجموعات التي تختصّ عادة بهذه القدرة وتحديدا “مجموعة الثأر”لا توجد. (توجد فعلا مجموعة عائليّة ولكنّها لا تستطيع الثأر لأحد أفرادها). وكذلك هي قبائل القامو Gamo في أثيوبيا فهي مجتمع لا ثأريّ، لأنّ الأعمال التي قد تؤدّي إلى إثارة الثأر يعاقب عليها من المجتمع برمّته.

إلاّ أنّ مجموعات الثأر موجودة في غالب الأحيان وأحجامها مكوّنة لحدود الانتقام في نفس الوقت. ذلك أنّها قاعدة مشتركة بين كلّ بين كلّ المجتمعات التي تعرف الثأر مهما كان ميلها للعنف، إذ لا يمارس الثأر إلاّ بين المجموعات المختلفة وليس داخل مجموعة في حدّ ذاتها فمخاطر تفكك هذه المجموعة كبير جدّا. وكذلك هي قبائل”الماسا”Massa (الكامرون ـ تشاد) التي لا تسمح إلاّ بنزال بواسطة العصي بين أفراد العشيرة الواحدة، فلا تؤدّي إلاّ إلى جروح خفيفة غير قابلة للثأر في حين يمكن استعمال الرمح المسيل للدماء والمثير لأعمال الانتقام في النزاع بين العشائر المختلفة.
كما أنّ لبعض الحدود سمة خاصّة. فبعضها يتوقف على تصرّفات الأطراف المعنيّة بالنّزاع. فقد تحاسب المجموعة فردا من المجموعة شديد الشراسة وتتخلّى عنه سواء كان جانيا أو متضرّرا. فعند الإنويت يعتبر من يعود إلى الجرم بشكل آليّ أو من يتّهم بأعمال مضرّة، مجسّما لحالة خطيرة وتتملّص منه كل من المجموعة والمجتمع. فهو إمّا أن يبعد ( تعني عبارة qivituk التّخلّي وهي مرادفة للانتحار… ) أو أن تكلّف مجموعته منفّذين لحكم الإعدام يكونون عادة من أقارب مثير الشغب، وهو احتياط حكيم يتّخذ تجنّبا لاحتمال إثارة ردّ الفعل أو الثأر . وعلاوة على ذلك فإنّ حجم الجماعات المعنيّة بالثأر يختلف باختلاف المجتمعات. ففي بعض الحالات تكون المجموعة المرجعيّة هي ذاتها سواء كانت عشيرة بأكملها أو فرعا منها أو سلالة أو جزءا من سلالة. وفي حالات أخرى تختلف هذه الأحجام باختلاف المسافة الاجتماعيّة بين الجاني والمتضرّر، فعند البدويين إذا كان القاتل ينتمي إلى قبيلة معادية أو غريبة، فإنّ قبيلة الضحيّة هي وحدها المعنيّة. وإذا تعلّق الأمر بمزيج أو تحالف بينهما فإنّ أولياء الدّم هم المعنيّون.

{{الهوامش:}}

1 ـ Cf. Infra 193 à 197.

2 ـCf. Supra,177-178.

3 ـCf. Infra, 182.

4 – Cf.D. Szabo , Agression, violence et système socio- culturels: essai de typologie, revue de sciences criminelles,1976,p.383 sq.

Cf.F .Boulon , Violence et société ,RRJ,3(1981),p.342 -352 ـ 5

6 _Cf .S. Roberts, Oder and Dispute. An Introduction To legal Anthropology , Penguin Books, 1979,p54.

7 -Cf. K.F et C.S Otterbein , An eye for an eye, a tooth for a tooth . A cross cultural study of feuding American Anthropologist ,67(1965),p.1450 -1482 Cf. également dans le même sens : K.F. Otterbein ,internal war : a cross-cultural study, American Anthropologist 70 -2(1968),277-289.

8 -Cf.K.F et C.S Otterbein , op, cit ., 1476.

9 -Cf. S. Roberts ,op.cit .,p 157.

10 ـأخذ الجدول من K.F . et C.S Otterbein, op, cit., p,1475

11 ـ يمكن أن نلاحظ مع س.روبارتس أنّ هذه النّظريّة تطرح سؤالا دون جواب .فهذه المجتمعات ذات السكن الذكوري تعرف نسبة من العنف مرتفعة جدّا بين أفراد المجموعة الواحدة في حين أنّه عندما نفسّر النزوع نحو الثأر بين المجموعات عبر التضامن القويّ بين كل مجموعة من هذه المجموعات فإنّنا نتوقّع أن تفضّل كلّ مجموعة طرقا لتسويّة سلميّة لنزاعاتها الدّاخليّة… و نضيف أنّ المقارنات ما بين الثقافات تبيّن أنّه إذا كان السّكن الأبوي يقترن بالحرب الدّاخليّة فإنّ السكن الأمومي يقترن بالحرب الخارجيّة .و نلاحظ أيضا أنّ أ. أ.هوبل E.A. Hoebel (la vengeance,DC,15-16[1988],160-170-) ينقد الطريقة التي كوّنا منها السيدة و السيّد أوترباين Otterbein مثاليْهما و عبّر عن شكوكه حول استنتاجاتهما.

12 ـCf. N. Rouland ,les modes juridiques de solution des conflits chez les Inuit, Etudes Inuit 3 (1979),p.96 -101.

13 – Cf. Verdier, Le système vindicatoire. Esquisse théorique, dans la vengeance dir. R. Verdier. I. Paris ,Cujas,1980,p.20-22.في مجتمعاتنا الحاليّة تعتبر الحرب الداخليّة غالبا أسوأ من الحرب ضد دولة أخرى أفلا يصدر هذا التصوّر بدوره عن الآليّة الذهنيّة ذاتها؟

14 ـCf. N. Rouland op,cit.,p.70-75.

* يانس أوJanus : أحد آلهة روما الأقدمين .هو حارس الأبواب يشرف على مداخلها و مخارجها .لذلك يتمثّل بوجهيْن .كان هيكله في روما مفتوحا زمن الحرب مغلقا دائما زمن السّلم.

** صيّادون ـ قطافون: ترجمة لمصطلح chasseurs- cueilleurs : اعتمدنا على معجم الاثنولوجيا و الانتروبولوجيا ترجمة مصباح الصمد .تحت إشراف :بيار بونت و ميشال إيزارPierre Bonte ,Michelle Izard. ص.609ـ 611.

*** الإنويت: les Inuit: يعني الكائنات البشرية حسب لغة شعوب الاسكيمو قديما.هم ساكنو المناطق الشماليّة:سيبيريا و آلاسكا ومناطق القطب الشمالي بكندا…(راجع معجم الاثنولوجيا و الانتروبولوجيا السابق الذكر :ص227 ـ 230).

{{نوبار رولان.
الأنتروبولوجيا القانونيّة. ص 300 ـ 308.

Norbert Rouland : Anthropologie juridique : p: 300 – 308. PUF.1988.

ص :297 ـ300. بيف :1988.
Norbert Rouland: anthropologie juridique :
P 297-300. PUF:1988.
système vindicatoire .}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق