المجنون والميت… لا يغيّران رأييهما

عندما أنتقد الوضع العربي لست في ذلك أمارس مازوشية، ولكن أريد أن أوجد ثغرة في جدار اليأس، أن اصطاد جزءا من نور مخبوء تحت ركام اليأس.

الغرب تطور بالنقد، وليس بثقافة التبخير، وحرق البخور، أو استخدام الأصابع المستعارة.

دعوتي للسباحة في البحيرة الغربية ليس المطلوب منها السباحة بلاسترة نجاة تأصيلية، أو من دون مجاديف الثوابت، وإنما الهدف هو أخذ أجمل ماعندهم.

غاندي طرد الإنجليز بالسلم في الهند، ولم يدخل الهندوس، أو المسلمين في لعبة الطائفية. أخذ من الإنجليز أفضل مالديهم،كمافعل نهرو.

لم يعش عقدة الآخر، بل أخذ أجمل ما عندهم من علم وعبقرية تنظيم وحرية. استفاد من حضارتهم من دون أن يضع الهوية الهندية في أفران الحداثوية الغربية.

الزعيم السياسي، عندما يصبح بلا عقد وبلا مخاوف وبلا رهاب، يستحيل أسطورة لشعبه، ويقودهم إلى الرفاه الاقتصادي والنعم السياسية. مافائدة القائد الذي يكلف بلاده أطنانا من القتلى تحت حجة العنترية، والعنصرية أو أي مبررات سياسية كما فعل هتلر؟

العالم العربي ليس بحاجة إلى صراخ، ولا إلى مزيد من مكبرات الصوت وفتل العضلات. اليوم نحن بحاجة إلى عقل.

{{التماهي بالمعتدي}}

مانديلا، بقي 27 عاما في الزنزانة، خرج بعد ذلك بعقلية أكثر ديموقراطية، ولم تصبه العقدة السيكولوجية التي تسمى في علم النفس“التماهي بالمعتدي”، وهو أن يمارس المقموع دور القامع، أو المسجون دور السجان والجلاد على أحبته وشعبه سواء فكريا أم جسديا. بعض سجناء العالم العربي يخرج بعقدة السجن، فيقمع صحبه وعائلته، وكل من يختلف معهم، وهنا يكون الانفصام ويبدأ تشكل العفريت والملاك في شخص الإنسان العربي، ويبقى كلاهما يقود هذا الإنسان.

مشكلة سيد قطب في كتابه (معالم في طريق ) أن ظلم السجان اختلط بالحروف والأفكار، فخرج الكتاب مفخخا بعقدة جاهلية القرن العشرين.

مانديلا خرج من السجن، ورشح رئيسا منتخبا للبلاد، وتعهد بفترة ولاية واحدة فقط، ووفّى بعهده. أو موقف سوار الذهب.

ليس مطلوبا أن تكون للعالم العربي معجزات، ولكن شيئا من التعقل، وتفهم متغيرات العالم، فبدلا من هذه الفوضى الفكرية، وتوثين البشر، واستعباد العادات، وتحول المفاهيم البشرية إلى يقينيات، يجب أن نطرح أنفسنا على العالم..كل العالم، بشرقه وبغربه كأصحاب حق لا كخصوم.

إن التحرش بعقائد الطوائف والأديان يقود العالم، كل العالم إلى الموت والعنف، ويثبت نظرية فوكويوما، في أننا بشر، نعيش ما قبل التاريخ.

مهماكانت الديموقراطية العربية تعاني من أنيميا حادة، أو كساح، أو لين في العظام، فإن العنف لن يجعلها تمشي على رجلها! سيقودها إلى مزيد من الإعاقة.

لم أر أمة دخلت حربا وباركتها، وقالت أيام الحرب أفضل من أيام السلام، مهما كابرنا.

الدخول في مواجهات دامية في العالم العربي، خصوصا ما يجري من فتن بين الحكومات العربية والحركات الإسلاموية لا يمكن أن يقود إلى خير هذه البلدان، أو إلى مستقبل زاهر لهذه المجتمعات.

إن مقولة “لايفل الحديد إلا الحديد” ،و“لا يرد الحجر إلا الحجر”، يجب أن تؤخذ بسياقها التاريخي، لا أن تحشر في كل زقاق سياسي، فنقع في الفخ، ونتورط، ثم نبحث عمن يخرجنا ويحفظ ماء وجهنا.

لوكان التمرد بلاحدود، أو النرجسية، والديكتاتورية أوجدت حلا لما تدمرت ألمانيا.

الإسكندر الأكبر أراد حكم العالم بالعنف والعنجهية، ولم يستطع. وفي نهاية المطاف مات بالملاريا، إثر لدغة بعوضة يصعب رؤيتها بالعين المجردة. مات ولم يعثر على رفاته، وكذلك كان مصير هتلر.

{{القلوب كانتونات}}

لماذا لا نستفيد من الغرب، وسياسة التحالفات فيه. فرنسا وبريطانيا بقيتا قرونا في حروب متواصلة لكن في سنة 1904 وتحديدا في أبريل،،وقعتا التفاهم الودي بينهما.

ليس عيبا أن نخطئ، ولكن العيب أن نستمر في ارتجال حروب بعضنا ضد بعض، إلى أن بقينا نعاني هذه الهزيمة الكارثية بكل المقاييس.

حروب طائفية كلامية، تبدأ كلاميا ثم تستقر فى مواجهات على الأرض، خصوصا إذا ما توافر السلاح كماحدث مؤخرا في لبنان.

ذهبت إلى بيروت، فذهلت. وجدت كل شيء مقسما، والقلوب مقسمة إلى كانتونات وطوائف، فضلا عما هو موجود على الأرض. وكذلك العراق، وكل يوم يتم تخريب جرة جديدة.

صحيح أن العربي متذمر بطبعه، لا يعجبه العجب، لكن ليس أن يصل به الحد إلى نتف شعره بيده وتخريب أوطانه بهذه الطريقة!..ورحم الله جميل البارودي، وبلاد العرب أوطاني…إن نار الطائفية ستحرق البقية الباقية من خيم التصالح، ولم يبق في حديقة الإنسانية العربية إلا بقية زهور أمل للأخوة، يراد إحراقها.

إنه زمن القلق كما يعبر علماء النفس، فهل بعد ذلك كله، لا يزال الرحم اللبناني أو العربي، قادرا على إنجاب قادة ورموز وأدباء كأمين نخلة وسعيد عقل أو عبدالله العلايلي أو يوسف الحاج أو حسين مروة، أو طه حسين، أو محمد عبده، أو جمال الدين الأفغاني؟

كما يقول سمير عطاالله،كل انحطاط سياسي يتبعه انحطاط عام. وهل يوجد وضع أكبر من هذا الانحطاط؟. لست يائسا، لكننا بحاجة إلى مزيد من المواقف السياسية والثقافية الجريئة ضد العادات المتخلفة التي شوهت إسلامنا وبلداننا ثقافيا وسياسيا. ويجب ألا نضع رؤوسنا في الرمال مخافة نقد المتوحشين أو الإنكشاريين، أو أن نوضع في مفارز التخوين.

علينا الجأر بأفكارنا الوسطية كما يجأرون بالأفكار المتشددة، وعصفور واحد يغرد في الصباح كفيل بعودة الربيع.

العملية مكلفة، وستكون مملوءة بالعض والرفس والركل المعنوي، ولكن في النهاية لايصح إلا الصحيح. وصرخة جاليليو مازلت ترددها الأرض عمليا على أنها كروية، ومازالت تدور. فعلا كما قال نزار قباني: الكتابة بلاحماقة موعظة في كنيسة. يجب أن نكون كشهر آذار، انقلابي ولايعرف الهدوء.

وكما يقول المثل البوسني، المجنون والميت هما الوحيدان اللذان لايغيران آراءهما. وما أكثرهم في هذا العالم الكاره للحياة والجمال والتصالح مع باقي الشعوب والحضارات!

نشرت في جريدة أوان في 7/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This