( المجوس ) لإبراهيم الكوني

.. ( الموت رفيق الصحراويين، سرّ الصحراويّ أنه لا يخاف الموت. يقال إنّه نزل الى الحياة بصحبة الموت، وعندما استنشق الهواء وأخذ أوّل نفس من فتحتي الأنف، توقّف الموت ورفض أن يدخل الى الجوف. قال للإنسان: أنا افضّل أن أمكث هنا وأنتظر. حفر مأوى بين فتحتي الأنف والشفة العليا، في هذا الضريح يرقد الموت ) المجوس ج 2 ص 182.

في هذا الخضمّ من التنافر والتجاذب، بين السماء والارض، الروح والجسد، التبر والطهر، الحياة والموت، تبدو مصائر ذوات الرواية وشخوصها فجائعية، مهولة، تنقذف الى الموت بنفس القسوة والصرخة والألم التي انقذفت بها الى الحياة لحظة ولادتها، لأنها اقترفت ذنبا لا يغتفر، خدشت صمت الصحراء، جرحت سكونها، لم تعرف الإنصات لسكينتها، فقضت لا يداخلها الخوف ولا التردّد ولا الضعف، بل هي في تقدّمها باتجاه الموت كأنّها تتقدّم خطوة ربّما باتجاه حياة اخرى، في عيونها ترتسم أشباح وشياطين وفي قلوبها توق مرير الى ( واو المفقودة ) فردوس الامتلاء في فراغ الصحراء، فردوس الارتواء في صحراء الظمأ. ( الحنين قدر الصحراوي الأول. والانتماء المزدوج هو الذي خلق منه قدرا. فيوم انفصل عن أمّه الارض بقوّة الروح السماوية، الإلهية، التي نفخت من نفسها في كتلة الطين، كان عليه أن يعاني غربة مزدوجة. فهو نُفي من الفردوس السماوي وانفصل عن الله. نزل الى الارض لكنه لم يتّحد بالصحراء، لم يفز بامتدادها وعرائها وحريتها. حلّ في حفنة الطين قبل أن يبلغ الأصل الآخر، الأكبر، الأرحم، والأعظم: الصحراء. فظلّ المخلوق كائنا معلّقا بين السماء والارض. البدن يسعى للعودة الى وطنه الصحراء، والروح تحن عشقا لأن تتحرّر من المحبس الأرضي وتطير الى أصلها السماوي ) المجوس ج 2 ص 62.

ينتهي العبور الصحراوي الى الموت غرقا، ظمأ، ذبحا، خنقا … ولكن الدائرة لا تنقفل به على صعيد استمرار الجماعة وديمومتها فوق الصحراء، إذ تلوح تباشير الحياة فوق ركام الجثث وسواقي الدم المراق والحلوق الظمآنة، تلوح على هيئة الرحيل، رحيل رجل وامرأة بقيا فوق الأشلاء. امرأة حدسها الأنثوي العميق يدفعها لمطالبة الرجل جهارا كي يطأها حتى تستمرّ الذرية، لا ترى في الخراب العميم من حولها إلا طوقا، يكسره نسل مرتجى من صلب رجل حتى تستمر الحياة وتستمرّ الصحراء، المرأة نفسها التي أنزلت الرجل من “فردوس واو المفقودة” ولم تكن لتخشى النزول. أبدا ارتضت الديمومة للحياة والبقاء فهي من جنس الطبيعة تعصى على الفناء. سوف تبقى المرأة الى الأبد في الثقافة الذكورية موسومة بلعنة الخطيئة، مقترنة بها، لا تستطيع منها فكاكا. وستبقى مصدر الغواية، الأفعى تغوي بالحبّ والجسد والغناء، وتفعل ما لا تستطيع فعله إلا الشياطين والجنّ. تملك نداء الميدوزيات يحطّمن سفن البحارة الأشدّاء على صخرة الضياع والتيه. المرأة لن تفلت أبدا من وشم الخطيئة، ولكنها في المقابل امتلكت سلاحا فعالا وناجعا ضدّ التهمة الأزلية، رشف رحيق الغواية واجتراع طيب الخطيئة حتى الثمالة، التحصن المكين ضد التوق الى ( واو المفقودة ) واو المرأة في جسدها، في غنائها، برسم الفرسان والنبلاء يهيمون بها، فتكون هي الشمس وهم الظلال الهاربة، هي الأنثى وهم العابرون. لن تلعن نفسها ولن تشعر بالذنب، وسيبقى حدسها جسر عبور ولغة إشارية تواصلها مع الطبيعة الأمّ. الرجال وحدهم من سيلعنونها وسيلعنون قبلها أنفسهم وهم وحدهم المذنبون. وإن حمّلوها الوزر، لن تطيق أجسادهم الناحلة متعة الخطيئة، ولكنها هي الأنثى تطيقها، لن تطيق أرواحهم الهائمة متعة الاغتراب والضياع في المتاهة، ولكنها الأنثى تجرّيها في دمها، وستبقى أبدا هي، وهم الآفلون.

تحضر الطبيعة ـ عناصرها وأشياؤها ـ كموجودات حيّة تتنفّس وتحيى في علاقة وطيدة مع الإنسان، الذي يمتلك تصوّرا خاصا عن حياة مبثوثة في رمل الصحراء الحارق ورياحها العاصفة وسلاسل جبال آيدينان في جلستها الوقورة الرزينة تراقب باهتمام وهدوء الصحراء ـ المسرح، هدوء القويّ المسيطر على أشيائه، فلا تخذله قوّته ولا يخذله اتباعه وتقديرهم وتبجيلهم لحقيقة السطوة الفعلية لهذه الكائنات الخرافية، المعمّمة بالضباب والغموض والأسرار العصيّة على البشر.

ينفتح منجم الأساطير والحكايات والمرويات، ويختلط وينشبك مع الأحداث والوقائع، ليختلط الأسطوريّ بالواقعيّ، والسرابيّ بالحقيقيّ، وعناصر الطبيعة بشخصيات الرواية، فلا يعود التمييز ممكنا بين الادوار، وما من سرد خاصّ بالبشر، بل هو يسيل على لسان الجماد والحيوان بلغة الرمز والإشارة، ويصبح التخاطب ممكنا بل مفتوحا بين الجماد والإنسان، الحيوان والإنسان، كلٌّ يفهم تماما ما يريده الآخر، وما هي حدود دوره في هذا العبور الصحراوي وإن بدا الخلود والبقاء للطبيعة وأشيائها، فالصحراء نداء، يدوّخ المنادى ويسلبه عقله ( الصحراء مثل الأغاني السماوية، إذا لم ترتو من لحنها قتلك العشق والجنون ) المجوس ج 1 ص 79.

يبدو جهد إبراهيم الكوني تأسيسيا في سياق كتابة رواية عربية صحراوية بامتياز، والمفارقة هي في المخالفة الأصيلة والمبتكرة التي تتمثل في التوظيف المبدع لجنس أدبي غربي قائم على الاجتماع والمدينة أساسا، وتكريسه للكتابة عن الصحراء القائمة على الانفصال والوحدة. الأمر الذي ألمح إليه الروائي المصري يوسف القعيد في إحدى المقابلات التلفزيونية. ويبدو نجاح الكوني معتمدا بالدرجة الاولى على التواصل العميق والقدرة على التخاطب واستنطاق الصحراء ومفرداتها بلغة شعرية حيّة ( لا أرى أنّ باستطاعة أيّ قوّة أن تمزّق الحجاب الذي يلفّ الصحراء غير الشعر ) المجوس ج 2 ص 45.

والأمر الآخر هو تمثُّلُ ثقافة شفوية موغلة في القدم والبكارة، وإعادة إنتاجها كتابيا لتحتل مكانها اللائق في ثقافات العالم وآدابه العظيمة. ( وتقول الأسطورة أنّ الخالق فضأ العالم وجرّده من الحياة كي يتفرّغ لخلق المخلوق فصنع الصحراء الكبرى. خلق المخلوق وراقته سكينة الصحراء فباركها وخلق في قلبها “واحة واو” وتنفّس الصعداء. ولازالت التنهيدة الجليلة تسمع في سكون الصحراء حتى اليوم، والأصوات التي تدمدم في الفراغ كالأنغام هي أنفاسه الجليلة فأصبح الإنصات للصمت عبادة. ولم يكن لغير المعمّرين، الذين ذاقوا طعم السكينة، أن يفهموا سرّ هذه اللغة. فاتّخذوها ” واوا ” أخرى يقضون في رحابها اللحظات المعدودة من حياتهم الفانية. وكثيرا ما يضرب الحكماء منهم صدورهم النحيلة ليردّدوا: ” واو الحقيقية هنا. قفص الصدر أسوارها والسكون لغتها ” ) المجوس ج 1 ص 278.

رواية المجوس ـ جزءان ـ

المؤلف : إبراهيم الكوني

الناشر : دار التنوير للطباعة والنشر ـ تاسيلي للنشر والإعلام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This