المد الشيوعي نحو بعض المجتمعات الإسلامية ” الملتزمة” : أكراد سوريا نموذجا

{{سيدة كردية (سوريا)}}

انطلقت مع بدايات القرن العشرين الحركة الواسعة للفكر الشيوعيّ بأسسه الماركسية- اللينينية لاجتياح مناطق واسعة من العالم دعّمت وبقوّة بانتصار ثورة أكتوبر في الإتّحاد السوفييتي السابق في العام 1917 حيث تسلّم الشيوعيّون السلطة وبدؤوا بدعم الحركات الشيوعيّة وأحزابها في مختلف أرجاء العالم وبكافّة الوسائل الممكنة.

ولقد اختُلِف في طبيعة الانخراط الكرديّ مع هذا الفكر وعمقه ومدى الاستفادة منه أو تعرّضه لبعض المظاهر السلبية الناتجة عن هذه الحالة فيقول الأستاذ عبد الله خليل عضو مجلس الشعب السوريّ عن الحزب الشيوعيّ السوريّ:” لقد كان الوضع الكرديّ المزري ورزوحه تحت نير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السيّئة جدّا بنية مناسبة لقبول السوفييت لدعم مثل هؤلاء وغيرهم من الشعوب ولقد قبل الكرد هذا الدعم لتوافقه مع متطلبات الحركة الكرديّة وأهدافها وخاصة وأنّ الإتحاد السوفييتي شكّل القطب السياسيّ الأساسيّ في عالم يحكمه قطبان وحيدان”، ولكن إلى أيّ مدى كان هذا التأثير في الشارع الكرديّ عميقا وهذا هو السؤال الذي توجّهنا به إلى السيّد فوزي درويش مسؤول منطقية القامشلي للحزب الشيوعيّ فأجاب بأنّ:”الحزب الشيوعيّ المدعوم بأفكار قوية وقوّة عسكرية كبيرة استطاع أن يأخذ إلى جانبه أعدادا هائلة من أبناء الكرد المتعطّشين إلى الظهور بمظهر القوّة، وبدأت النشاطات الشيوعيّة تملأ كلّ فراغ وأكثر ما أدّى إلى تعميق هذا الوجود هو ظهور حركة إقطاعية واسعة حاولت الاستيلاء على أراضي الفلاحين في السبعينات وبما أنّ الحزب الشيوعيّ هو الداعم الأساسيّ للفلاحين فلقد التفّ حوله لفيف هائل من فلاّحي الكرد وتحوّل إلى حزب مصبوغ بالصبغة الكرديّة من حيث الأعضاء وهوياتهم، إضافة إلى ارتفاع سوية الثقافة الجمعية الكرديّة نحو الفكر الاشتراكيّ وأفكار الثورة وذكريات غيفارا وستالين وأقوال ماركس ولينين وتطبيقات ماوتسي تونغ”.

ولم يكن هذا التأثير ليقف عند هذا الحدّ فلقد” تحوّل الفكر الحركيّ للأحزاب الكرديّة نحو مبادئ الحزب والتنظيم اللينيني فتحولت بذلك معظم الأحزاب إلى ملتزمة أو مسترشدة بالماركسية – اللينينية، وكان أوّل تقسيم للحزب الكرديّ الأوّل في سوريا لأسباب الاختلاف حول مصطلحات اليمين واليسار والتزام اليسار في بداية الستينات وحلّت الماركسية والأفكار الطبقية محلّ القضية الكرديّة إلى حدّ ما “على حدّ تعبير خير الدين مراد الأمين العام للحزب اليساري الكرديّ في سوريا السابق.

ولقد انبثقت مميزات كثيرة من هذا التواجد كالاضمحلال شبه التامّ للحركات الإسلامية بين أكراد سوريا وتعذّر نموّها وتطوّرها فيؤكّد السيد فائق رمو عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعيّ السوريّ بأنه:” انتفت في تلك الفترة وإلى الآن الحركات المتطرفة وخاصة الدينية حتى أننا كنا نعرف الكثير من رجال الدين ممن أظهروا ودّا للشيوعيين ومحاولة التلاؤم معهم وخاصة وأنّ الحزب الشيوعيّ تميّز بمضمونه المختلف عن المرسوم في الأدبيات الشيوعيّة بتوجيه يشبه التوجهات الماوية في تطبيق النظرية على الواقع المحلّي، فالكرديّ المنتسب للفكر الشيوعيّ من حيث التسمية كان محاورا واقعيا لهذا الفكر ومنطلقا نحوه بكونه مسلما، فاستطاع أن يعادي الإقطاع متمثّلا نقطة التلاقي ما بين الفكر الإسلاميّ والشيوعيّ بأخذه الحدّ الأعلى من التوافق فالابتعاد عن الفلسفة البحتة والانطلاق نحو الوقائع العملية كان عنوان المرحلة”.

ولكن هل كان هذا الودّ في حالة ديمومة أم أنّ التنازع والمدّ والجزر في هذه العلاقة كان السمة الطاغية وحين طرحنا هذا السؤال على السيد إحسان العلي (ناشط كرديّ في مجال حقوق الإنسان ) قال:”كان هذا التوازن بين الفكر الأصليّ حينها المتجذّر في المجتمع الكرديّ (الديني سمة) والفكر المستورد (الماركسي عنوانا) هو السبب في حالة التلاقي والقطيعة المتتالية ما بين الكرد والأحزاب الشيوعيّة وأفكارها بين الحين والآخر.

فمن التنظيمات ذات الفكر الماركسيّ والتي تغيرت هيكليا وعقائديا وفق هذا الفكر منذ الخمسينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي إلى مرحلة القطيعة بعد انهيار السوفييت حيث رجعت البرامج الحزبية إلى الأفكار القومية وأحيانا القومية المتعصبة “، وإذا كنا ومنذ بداية هذا التحقيق بدأنا بسرد آراء تؤكد على عدم وجود أحزاب دينية سلفية في الواقع الكرديّ بسبب هذا المدّ الشيوعيّ فإنّ انحساره يؤدّي عكسا إلى ظهور هذه الحركات، فهل من دليل؟ وهنا أفادنا المحامي عمر الأحمد ببعض اللملمات وقال:”إن مرحلة الانحسار الشيوعيّ عن المجتمع الكرديّ أدّت لظهور أحزاب كرديّة نمت وتطوّرت إلى حدّ التطرف في بعض الأحيان إلى جانب بعض الحركات الإسلامية كما نرى الآن كالمدّ الخزنوي” ولكنه أكد بأن الحزب الشيوعيّ عاد ليأخذ دورا فعالا مجددا وخاصة بعد انطلاق الدعاوى القضائية للإقطاعيين (الملاك الزراعيين) ضد الفلاحين واضعي اليد حسب قانون العلاقات الزراعية الذي صدر في سوريا وأدت تطبيقاته إلى لم شمل الفلاح مرة أخرى نحو الأحزاب الشيوعيّة وهذا ما ظهر في قضايا ديرنا آغى وقضية قره تبه وغيرها “.

وإذا كان تجوالنا بين الأسئلة الماضية وأجوبتها قد أغدق علينا كما من المعلومات حول ماضي هذا المد وحاضره فإنّ السيد ل.ع (عضو اللجنة المركزية لحزب آزادي الكرديّ في سوريا) قد نقلنا بمعونة التساؤل إلى المستقبل ويقول:” إن طبيعة المجتمع الكرديّ غير المحرر وتعرضه الدائم لأنواع مختلفة من المظالم يؤدي بالكرديّ إلى اللجوء المستمر إلى ما يشعر ويتنبأ منه المعونة على سوء حاله وأعتقد بأن زوال الشيوعيّة من المجتمع الكرديّ رهن بتغير الظروف بدءا من التسلط الإقطاعي إلى الرأسمالية المتوقع نشوؤها في مجتمع كرديّ محرّر ولذلك فإنّ المستقبل غير واضح المعالم ولا يجوز البتّ في مصير هذا المد الآن” وعن أهمية هذا التوارد بين الحين والآخر للمد الشيوعيّ حدثنا الكاتب الكرديّ محمود شيروان قائلا:” لنبدأ بالسخرية التي تناقلتها وسائل الإعلام وتهكّم تشافيز من بوش واصفا إياه بالرفيق اليساريّ نتيجة ما طرأ على الرأسمالية من أزمة عالمية اضطرت بموجبها اللجوء إلى التأميم (وهو فعل يساري) لبعض أسهم الاحتكارات الكبرى داعمة إياها في أزمتها وبذلك فإنّ أهمية المدّ قد تكون كبيرة مستقبلا كبر ما قد تؤدي إليه من سلبيات إذا ما تخلّى الكرديّ عن عزلته وقوميته (التي حافظت عليه وعلى لغته إلى الآن) لصالح الانخراط في هذا المدّ بشكل كامل”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق