المذكرات / رستم محمود

خطط لكل تفاصيل حياتنا، لكننا لم نكن نعرف عنه أي شيء، سوى بعض النثرات من حديث العامة وتكهناتهم وتحليلاتهم، لكن كل ذلك، كان يساوي لا شيء. دع عنك أهازيج البطولة والمديح والثناء والتفاخر، التي يبذلها مادحو البلاط ولاحسو اللعاب، وكذلك لا تبالِ بالشتم والقدح والذم المبذول من الآخرين، فهذه كلها مجتمعة، تكاد لا تقول شيئا على الاطلاق. بل إن وصفهما الوحشي، على كلا الطرفين، يخفيه ويغربه ويبعده عن سدرة المعرفة والبيان. كان يخطط كل تفاصيل ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ونحن لم نعرفه، عوالمه وتفاصيله، أحاسيسه وأفكاره وأطباعه وخيالاته. أي نوع من الأطباق كان يحب؟ وأيها كان يعاف؟ هل كان يحب رياضة المشي أم السباحة أم الصيد؟ هل يحب النكت والروايات الأدبية وألعاب الخفة، هل كان يشرد؟ متى كان يغضب ولماذا، ومتى كان يضحك وكيف؟ كان في كل تفاصيل حياتنا منذ الطفولة الأولى، ونحن لم نكن نعلم أي شيء تفصيلي او عمومي عنه.

لم يكتب مذكراته، كي تقرأها الأجيال المعاصرة والتي سوف تأتي، فالظاهر، ولسبب أول فحسب، أنه لم يكن يحب فنون الأدب، الآداب كان مضيعة للوقت في عرفه وذهنه، فكل انشغاله وانهمامه كان بالرؤية والمعركة الكبرى. بذل لها كل ذاته ووقته وانشغاله، فالآداب تطري الأفئدة وترطب الأرواح، وهذا لزوم ما لا يلزم في حقبته الاستثنائية. والآداب قبلها فن طيران وخيال وسرحان، الآداب فن عكس الجدة المطروحة وصلابتها. الأدب فن حرية وفردية وتمرد، عوالمه عكس فضاءات الاتساق خلف رمز أو قائد أو مُلهم. الأدب انعتاق من اللمّ والجمع والرص، الآداب منازلُ للخلاص من الانسياق. وهل لشيء مثل هذا قد يجلب القلق لعوالمه وخواصه التي حددها لذاته وصورته ومعناه، فقد كان الأب والملهم والراصد والمتحدي.

 

وصولية

لم يكتب مذكراته، فهو لم يكن يريد أن يتذكر، من باب ثان. أين هم صحبة الدراسة والطريق، ماذا جرى بمصائرهم ولماذا؟ لماذا سقطوا كلهم على أرصفة الدرب الطويل، ووصل وحده؟ ما الذي يقولونه عنه، قبل أن يغدو بما هو عليه الآن، من مكانة ورمزية؟. هل كان يقسم قوت يومه وخبزه وفكره معهم، كما أراد فيما بعد أن يبذل نفسه ووقته في سبيل شعبه. أم كان أكثرهم حذرا وقلقا ووصولية ودراية بالمخاطر. على كتف من منهم صعد، ومن منهم كان منافسه الأول؟ وماذا كان مصير هذا الذي كان منافسه الأول. لا يريد تذكر هذا، ولا يريد تذكر حارته القديمة وحكايات الجيران عن أهله، فكيف لمن يكون غير عادي أن يكون ابن عائلة وحارة عادية؟. ففي وعيه لذاته وفي صورته عنها، تلك التي أملى عينا حفظها عن ظهر قلب، لم يكن ابن حارته ورفاقه وظروفه وتفاصيلها، كان ابن التاريخ ونتيجته. لم يكن في مقدورالعدسة المركزة على الشخصي والذاتي أن ترصده، بل كان فقط للرؤية الكبرى أن تفهم وجوده. فتاريخ الأمة وجغرافيتها تضافرتا معاً، للوصول للحظة ظهوره، وألهمته ليقود الشعب. فكافة الأحداث والأهوال والمصائب والحروب والنذر والتوقعات والحكايات والنبوءات والتطلعات، منذ زمن غابر، كانت تقف خلف صعوده وإلهامه. لم تكن تناقضات الآخرين وظروفهم، حركة المرحلة ونوعها، طبيعته الوصولية واستغلاله للتنابذ بين الفرقاء ودهاؤه وجبروته أحيانا، هي من أوصله لما هو به. لم يكن دربه وصعوده عاديا، كي لا يحلم أحد آخر بسلوك الدرب نفسه.

لا مذكرات له، فهو دون أخبية وكمائن ومركبات داخلية، تلك البديهيات في نفس الناس كلها. هل كان يحزن حزنه العادي، وكيف يحزن؟ بعدما عرفنا فقط حزنه الكبير على قضيتنا الكبرى. هل يبكي، متى يبكي وكيف يبكي؟ هل فقد حبيبة أيام الصبا؟ هل اعترض على سلطة أبيه وعادات العائلة؟. لكن السؤال الأصعب الذي لم يرد الإجابة عنه، ولأجله لم يكتب مذكراته: هل يخاف؟! الخوف البديهي من الأشياء التي ترهب الناس العاديين، والخوف الذي هو مفتاح البشر الخالد، الخوف الذي هو نتيجة ذلك التناقض الجوهري المحض والخالد بنا، التناقض بين رغبتنا وهيامنا بالخلود، وبين عمق حضور الموت والفناء فينا. ولماذا لا يكن يريد أن نعرف إن كان يخاف ويوجل أم لا؟ أليس الخوف والحذر هما منبع كل أجوبتنا وكل دوافعنا نحو الأسئلة العميقة كلها. أم أنه كان يرى في الخوف إغراء للآخر لدحره، من على القمة وبلوغها. بالنسبة له، كانت المعضلة أكبر: إذ كيف لخائف أن يحكم كائنات يريدها خائفة!!. ومن أسئلة العوالم الدفينة التي لم يجب عليها في مذكراته التي لم يكتبها: هل يحن؟ يحن لبساطة عيشه ومسكنه وعاديته؟ هل يحن لرفاق الدرب الذين سقطوا بغير سهو، وهل يحن لصديقته الأولى؟ وفوق العوالم تلك كلها، هل كان يندم، وهل سبق له أن ندم؟ على ماذا وكيف يبدو ندمه، ما الذي فعله حين ندم؟

 

هالة

لم يكن له من مذكرات، فكل كتابة إقرار، وكل إقرار قابل للدحض أو الشهادة عليه. أراد أن يكون أشبه بهالة، يؤول نفسه وسلوكه وتاريخه وإرادته بالشكل الذي يريد، وحسب الظرف الذي يكون. ليس من أي مستمسك عليه، فهو كان دوما ضد التعيّن والتحديد والتفصيل. ولم يكتب مذكراته لأنه لم يكن يتخيل أي عصر بعده، أي عصر دونه. فكل العصور عصره وستبقى. فأي شقاء تجلبه فكرة تتصور شابا يافعا بعد رحيله، وهو يقرأ هذه المذكرات التي يكتبها. فكل ما بنى وعيه وروحه وطباعه وخططه عليها، مجبولة بروح الخلود والبقاء.

لأنه بنى من نفسه هالة، ولأنه خطط ونفذ كل تفاصيل حياتنا ومستقبلنا ومستقبل العامة كلهم، لذا لم يكن دوره وتأثيره كدور شخص وفرد ومثال واحد. كان نموذجا ونمطا في كل بقاع البلاد وذوات ساكنيها. كان بطبائعه الفردية ونمطه العام، تشخيصا وتعبيرا عن مرحلة غير قصيرة، اندرج في الكثير من المستويات والتعبيرات. فكانت لغة السياسة انعكاسا لما أراده لشخصه، هالة من الكلمات تحتاج لترجمة لمن تنطق باسمهم، وتحتاج لشرح وتبسيط وتفهيم لمن تود أن تصل إليهم. لم تكن الوزرات قائمة على الأرقام والإحصائيات والبراهين، بالضبط كالدوافع والدروب التي رسمها لذاته حين لم يكتب مذكراته، بل على الخطابات والعنفوان والمعاني. كانت التربية عنيفة قاسية صلبة ومحضة، كما كانت خيالاته عن طفولته. وكان الجيش والأمن والقضاء والمسرح والسينما والذاكرة، مؤسسات ومعان صلبة ولا تحب الدخول في التفاصيل. مؤسسات ومعان كعوالمه، هالات بهالات. كان كل شيء صنعه غامضا ومستترا وملتويا ومخبئا، كان كل شيء يشبه ما رسمه من صورة حول نفسه.

خطّ كل تفاصيلنا وأحلامنا وفهمنا لما مضى وما سيأتي، ولم يسمح لنا بمعرفته، لا وجه للعدالة في ذلك، ولا معنى للثورات التي تجري لو أعادت إنتاج من لا يعرفه الناس العاديون ولا يشبههم. بل بالأساس، لا معنى للثورة ان بقيت تسمح لشخص واحد أن يخطّ تفاصيل حياة البشر كلهم.

 

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق