المرأة أُمّاً.. بين ليليت وحواء

من "فضائل" المجتمع على المرأة تكريمها كأمّ، حيث اختير الحادي والعشرون من آذار عيداَ للأمّهات في عدد من البلدان العربية وبلدان الشرق الأوسط. تبدأ وسائل الإعلام على اختلافها ببثّ البرامج الخاصة بإحياء المناسبة، ناهيك عن إبداعات الشركات التجارية وحمّى الإعلانات في الأسواق لاقتناص المناسبة كغيرها، باعتبارها فرصة لزيادة الربح، والترويج لسلع قد لاتهمّ أيّ أُمٍّ في شيء! كما تُقام الاحتفالات الخاصة والعامّة تكريماً لمكانة الأمّ العظيمة.

الكلّ يعمل وفق آليات مختلفة، ولكن تحت شعار واحد هو تكريس ثقافة الاحترام والتبجيل والتقديس لهذا الكائن الذي يُدعى"أُمّاً". ويُدعم ذلك بالأدلة والبراهين الدينية التي تحضّ على احترام الأمّ وتقدير مكانتها، حتى يظنّ المتابع للفعاليات المحتفلة بهذا اليوم، والدموع تترقرق في عينيه، أنّ البشر اكتشفوا خلاصة الحياة والسعادة متمثّلةً في هذا المخلوق، وأنّهم جميعاً يعنون ما يُقال حقّاً ويؤمنون به، وأنّ الجنّة قد تجسّدت ولا بدّ على هذه الأرض التي تمشي عليها الأمّهات، وهاهم الأبناء "المَرْضِيّون" يقومون بواجبهم تجاه أمّهاتهم، فلا خوف من شيء إذاً في ظل هذه الطمأنينة السائدة تحت أجنحة الأمّهات؟!

لا أقصد الإساءة لدور الأمّ ولا التقليل من ضرورته وأهمّية وجوده في الحياة، وأؤمن بالعطاء والعاطفة الفريدة والمتفردة في الطبيعة كلها التي ينطوي عليها هذا الدور، ولكنّي أودّ هنا أن أعلن رفضي الشديد لهذه الأيدولوجيا التي ترسّخ جيلاً بعد جيل مفاهيمَ مشوّهةً عن الأمّ، وتختصرها بهذا الدور فقط، فتنسى أو تتناسى أنّ هذا الكائن قبل أن يكون "أُمّا" هو إنسان جنسه أنثى ويدعى مجتمعياً امرأة. حيث يتمّ تضخيم دور الأنثى أو المرأة (كأمّ) على حساب غيره من أدوارها في الحياة، بحجّة أنّه الأهمّ، وأنّ المرأة تتفرد فيه عن الرجل، وهو ما لا يختلف به اثنان. لكن إلى أيّ مدى يجب أن يبقى هذا الدور مستحوذاً كلياً على المرأة، لاغياً أدوارها الأخرى ومستلباً شخصيتها وكيانها وحاجاتها النفسية، والجسدية والاجتماعية ؟

لعبت المرأة دوراً لا يقلّ أهميةً عن دور الرجل في تكريس هذه الثقافة، وباعتقادي أنّ الجنسين عملا بطريقة متشابهة ولكن لتحقيق أهداف مختلفة. فالرجل وجد أنّ هذه وسيلة لكي يزيد من سلطويّته ويقصي المرأة عن ساحات يصول ويجول فيها على هواه، تاركاً للمرأة الاكتفاء بالتربّع على عرش الأمومة بفخر واعتزاز، فلا تنافسه في ما يريد ويشتهي، وبذلك يريح باله من نقاشاتها ومجادلتها وندّيتها له بما يفعل.

المرأة عالجت القضية من وجهة نظر أخرى، حيث جعلت من هذه "المكانة" وسيلة لتعويض ما هي محرومة منه في مجالات كثيرة. بدأت بترسيخ مكانتها كأُمّ تمعن في عطائها وحنانها لأطفالها وأسرتها، مستفيدةً من كلّ ما تبثّه ثقافات مجتمعها، متحوّلةً ـ بدون إرادة ووعي أحياناً ـ إلى ضحيّة تدافع عن نفسها من خلال استلاب أطفالها وأسرتها عاطفياً، وبذلك تنتقم باللاوعي من الرجل والمجتمع اللذين أقصياها بعيداً عن كلّ ما ترغب فيه.

هذا الأمر أدّى إلى عواقب وخيمة نعيش نتائجها في عديد من جوانب الحياة. لست بصدد التعميم ولكنّ كثيراً من الأفراد يعانون ما يمكن تسميته "عقدة ذنب" تجاه أمّهاتهم، نتيجةً للتنشئة الاجتماعية الخاطئة بشكلٍ عامّ، ولأسلوب تربية الأمّ لطفلها بشكلٍ خاصّ. فآلام حمل الأمّ وعذابات مخاضها أثناء ولادة الطفل، ومعاناتها سنوات طويلة في تربيته والسهر عليه وتأمين ضرورياته، وكلّ ذلك عطاء مذهل، على حسابها ومن روحها وجسدها وطاقتها.. لكنّه يتحول إلى ذنب كبير وعبء ثقيل يقضّ مضجع الطفل داخل كلّ إنسان. معاناة الأم قد انتقلت إلى طفلها لاشعورياً وخلقت عنده الّشك في حقّه بالحياة ونقصاً في قيمته الذاتية، والطفل من حيث هو الكائن الموجود داخل أحشاء أمّه والمسؤول عن سنوات عمرها التي ستفقد فيها استقلاليتها بوجوده، سيشعر أنّه السّبب في التأثير على شكلها جسدياً ونفسياً، وفي تقييد حريتها والحدّ من حركتها، والوقوف في وجه طموحها. كلّ هذه أمور قد لا تدركها كثيرٌ من الأمهات بشكل واعٍ، بل ويرفضن حتّى الاعتراف بها لأنفسهنّ إن راودت واحدة منهنّ  فكرة من هذا القبيل، فهي في الوقت نفسه تعطي بكلّ حبٍّ وتفانٍ، سعيدة في هذا العطاء مُمعنة في زيادته بكلّ طيب خاطر، ولكن لم هذا التناقض في المشاعر إذاً؟!

 تنتشر في المجتمع حالات مختلفة يشخصّها الأخصائيون بأسماء مثل "اكتئاب ما بعد الولادة" أو "الفقدان النفسي للأمّ" أو "الاضطرابات المبكرة عند الأطفال" ..الخ. كلّ هذه وغيرها نتائج لعوامل مختلفة يلعب فيها رفض الأمّ لطفلها دوراً هامّاً إلى جانب رفضها الاعتراف بهذا الرفض لاعتبارات نفسيّة ومجتمعية متراكمة. جذر المشكلة يوضّحه بالتفصيل الطبيب والمحلل النفسي (هانس يوآخيم ماس) في دراسته عن عقدة "ليليت" (منشورة على موقع مركز الدراسات النفسية م د ن). وهو الجانب المغفل والمغيَّب في ثقافة كثيرٍ من المجتمعات، فقلّة هم من يعرفون "ليليت" زوجة آدم الأولى حسب الروايات اليهودية. و"ليليت" تعني في العبرية "العتمة"، وتسمّى في الأساطير "جنّية الليل المجنّحة" وقد صوّرها الأشوريون والكنعانيون والفرس وغيرهم غاوية قاتلة للأطفال. وبحسب (سفر التكوين) خلق الله آدم وليليت من طينةٍ واحدة، ولم ترضخ ليليت لسيطرة آدم، وعبّرت عن مساواتها له ورفضت أن يلقي بجسده عليها، فهي تريد أن تمارس الجنس مثله وتنام فوقه، إضافة إلى أنها ترفض الأمومة لما تجرّه عليها من تبعية وتقلّل من استقلاليتها. هذا التمرّد ضايق آدم فشكاها للإله. هربت ليليت من الجنّة، وعاقبها الله بأن تظل غاوية مرعبة قاتلة للأطفال. وكثيراً ما صُوِّرت "ليليت" كرمز للأنثى الشهوانية، وآلهةً للدعارة والجنس والاستمناء.

وليعوّض الله "آدم" خلق له زوجة أخرى هي "حوّاء" ولكن هذه المرة من ضلعه لتكون تابعة له، على عكس "ليليت" المتمردة، فحوّاء الخاضعة لسيطرة "آدم" هي الأُم الحنون المتعبِّدة في محراب الأسرة، والمشيعة أجواء الأمن والسعادة فيها، البديل المثالي الذي يطمح إليه أدم. ولولا "ليليت" المتجسّدة بالأفعى التي أغوت "حواء" لما خرج الزوجان السعيدان من جنّتهما الأبدية.

على مرّ التاريخ قُسّمَتْ الأنثى إلى: "حواء" المرأة المنشودة، و"ليليت" المرأة المنبوذة. رغم إغفال اسم "ليليت" إلاّ أنّ صفاتها لا تغيب عن أحد، حيث أنّ داخل كل امرأة تكمن "حواء" و"ليليت" معاً على تناقضهما ونفورهما من بعضهما، والرجل توّاق إلى كلا المرأتين، حواء الأنوثة الرقيقة والأمومة والوفاء والاستقرار والخضوع، و"ليليت" الرغبة والشهوة واللذة والاستقلالية والتمرد، وفي الوقت نفسه هو خائف من كلا الوجهين، وفكّر لحلّ مشكلته بأن يتزوّج "حواء" ويجعل من "ليليت" عشيقته! عاكساً بذلك قبول المجتمع الذكوري لنموذج "حواء" ورفضه نموذج "ليليت"، الأمر الذي أدّى وباللاوعي إلى إنكار "ليليت" داخل كل امرأة حتى لا تصبح مرفوضة وملعونة.

وحيث أنّ هناك أنثى داخل الذّكر، وذكرا داخل الأنثى، لأنّهما يشتركان بالهرمونات الجنسية التوستيرون (الذكري) والبروجسترون (الأنثوي)، وإن بنسب مختلفة، وكذلك نجد حسب الفلسفة الطاوية Taoistic أن هناك مبدءان يحددان ديناميكية الحياة: اليانغ Yang الذكوري و الين Yin الأنثوي. وأيضاً نقرأ عند كارل غوستاف يونغ مبدأين شبيهين أطلق عليهما مفهومي الأنيموس والأنيما Animus & Anima، الروح الذكورية والروح الأنثوية. فقد رُفضت "ليليت" كذلك وقُمعت داخل كلّ رجل.

نستنتج من التحليل النفسي السابق أنّ إنكار كلّ من الرجل والمرأة لنموذج "ليليت" يخلق نموذجاً سائداً للمرأة يجعلها ـ حسب تعبير (بيير داكو) ـ كما الماء عذبة وصافية تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه، سلبية لا تعاكس التيار، ولكنها في الوقت ذاته ملحاحة تريد ما تريده فلا تترك ثقباً في الجدار أو في نفسية الرجل إلا وتنفذ منه متغلغلة فيه لتحقيق رغباتها. حتى عندما تنضغط  وتنكبت لا تنفجر ولكنها تستطيع أن تفجر الحواجز التي تعيقها بشكل سلمي. و"ليليت" المقموعة والمكبوتة داخل المرأة تجعلها تعيسةً ظمآنةً لوجودها، لأنّها اختارت (أو أُجبرت) أن تكون في مرتبة أدنى مجتمعيّاً من الرجل، فتحاول أن تعذّبه بأشواقها وحنانها وتستغلّ معاناتها وشكواها للتعويض عما فقدته من السلطة والحرية، وساحتها المثلى لتحقيق ذلك: الأمومة!

أمّا الرجل في عقدة "ليليت" فهو الخائب دائماً، وغير واثقٍ بذاته، ينظر بنقص إلى رجولته، ويحاول إخفاء ضعفه بزيادة سلطته ونفوذه. الطامّة الكبرى عندما يتحد هذان الكائنان لإنتاج طفلٍ يرث عقدهما، والتي أصبحت مركّبة ومضاعفة نتيجة لتشوهات المجتمع المتوارثة بأمانة جيلاً بعد جيل.

ورغم تعقّد المشكلة على الصعيد النفسيّ، وانعكاس نتائجها على المجتمع من خلال مظاهر مرضيّة مختلفة، إلا أنّ علاجها بسيط ولا يحتاج لغير القليل ـ أو الكثير لا أدري ـ من الشجاعة في مواجهة الحقيقة، والإجماع على وجوب الاعتراف بحقوق المرأة من منطلق حقوق الإنسان، وترجمة هذا الاعتراف إلى سلوك واقعيّ محسوس، من خلال تحقيق الفهم الجندريّ المبنيّ على التكامل الحقيقي لدور الجنسين، لا الصراع بينهما. بذلك ستتمكّن المرأة من أن تعيش جميع أدوارها التي تتكامل شخصيتها الإنسانية بتوازن من خلالها، فلا يطغى دورٌ على غيره.

ليس من باب المبالغة، ولا هو تفاؤلٌ مفرط، لكنّ البدء بمواجهة الحقائق وإعادة الاعتبار لدور المرأة وفهم حقيقته، سيكون بلا أدنى شك المدخل الملائم لبناء أفراد أسوياء يجعلون مستقبل مجتمعاتنا أفضل.    

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق