المرأة التونسيّة والثّورة ما أكثرَ ما أعْطت، ما أقلَّ ما أخذت

بزخم كبير وعناد أكبر ساهمت المرأة التونسيّة في ثورة 14 جانفي 2011. الجذلات المنتشات بهبّة الحريّة، الأيقونات، المتشحات بالسّواد حدادا على جرحى الثورة وشهدائها، الأنيقات المتعطّرات في بذخِهنّ السِتّيني، نساء البيوت الصابرات الطاويات صدورهن على الضّيم، الأمّهات ذوات الفلذات تمشي على الأرض تحت رحمة رصاصة غادرة، الجدّات الحافظات للذاكرة، الطالبات في اندفاعهنّ، العاشقات المعجبات دهشة بجرأة فرسانهنّ، العاملات المتأججات شوقا إلى غد أفضل، النقابيات، المتحزّبات والمتحرّرات من كل أسر، البُنيّات الصغيرات المزهوّات بالأعلام في أيديهنّ… كلهنّ خرجن إلى الشّوارع في أيّام الثّورة الأولى، هتفن، صرخن، غضبن، غنّين، كتبن بالأبيض والأحمر على وجوههنّ، ضُرِبن، حُمِلن على أعناق الأحرار، فجّرن بلاغةُ مستحدثة… عدّد انتماءاتهن الاجتماعيّة والسياسيّة واختلاف مستوياتهن التعليميّة وتباين أجيالهن لم يمنع نساء تونس وهنّ يهتفن للثّورة أن يتوحّدن في شوق واحد، الشّوق إلى الحريّة. التعدّد لم يمنع الوحدة. وحدة تاريخ مشترك من الإحساس العميق بالقهر والفقد ووحدة رغبة في الانعتاق. في بداية الثورة، وكان الحدث الجَلل قد احتل مكانه في التّاريخ، كان كلّ شيء ممكنا. باتت الثورة ممكنة بإطلاقٍ. في التّظاهرات والاعتصامات وأشكال التحدّي المبتكرة ضدّ سلطة السّلطة وسلطة الأمن وسلطة الأولياء وسلطة الأزواج وسلطة الأخوة وسلطة الإعلام وسلطة الثقافة وسلطة الخوف… ضمن هذه الإمكانات المنفجرة كانت مشاركة النّساء التونسيّات في أيام الثّورة الأولى لافتة، وإبداعهن متفرّدا، وحراكهن مؤثّرا. وضمن هذا المُتاح تجاوزت النّساء التونسيات حدود ما سبق من تجاربهنّ الفرديّة والجماعيّة، اغتنت تجارب الجميع في عمليات الاحتجاج والتمرّد والتحدّي وإعلاء الصّوت وتفجير المكبوت. كان الحدث صاعقا ومُزلزِلا، فانبثقت إمكانات فعل وتفاعل هادرة غير محدودة. تعلّمت نساء الثورة كيف يعالجن أثار الغاز المسيل للدّموع، وكيف يراوغن رجال الأمن، وكيف ينسّقن جهودهنّ، وكيف يستدرجن ويدفعن ويتبعن الأبناء والأزواج والأشقاء إلى ساحات النّضال وكيف يصمدن فيها. هذه الخبرات الجديدة وهذه الثقة المكتسبة استثمرتها نساء الثورة في مواصلة الحركة عبر أشكال أخرى من النّضال المُؤطر والمُنظّم. مئات من جمعيات المجتمع المدني انخرطت فيها نساء الثّورة وترأسن العديد منها. مهنيّة، تنمويّة، نسائيّة، جمعيات للتثقيف السياسي والتأطير الاجتماعي وأخرى من أجل صياغة دستور ديموقراطي. جمعيات تعوّدن أن يكنّ حرّاس الضّمير والفكر والقلم، ونساء ترأسن رجالا ما بعد الثورة. نقابة الصحفيين، نقابة القضاة، جمعية القضاة، حتى رجال الأعمال ائتمنوا سيّدة على مصير ثرواتهم ونفوذهم، ولقيادة منظّمتهم بعد الثّورة. الثورةُ لم تصنعها المرأة وحدها. ولكن كيف نفسر حضورها الباهر بها؟ وكيف نفهم هذا الكثير الذي أعطته المرأة للثورة؟ يقول الطاهر لبيب إنّ الثورة فاجأت المعرفة ولكنه يضيف إنّ المعرفة التي لم تفاجئ لم تكن معرفة. لسنا في مقام التحليل السوسيولوجي لهذه الظاهرة، بل قد يشكّك البعض من علماء الاجتماع في أنّها ظاهرة يمكن أن نبني عليها. فليكن لهم تقديرهم الخاص، وليكن لنا تقديرنا. فمهما كانت السياقات النظريّة التي نستنجد بها لمحاولة الفهم، ومهما كانت أدوات التّحليل التي يمكن أن نتوسّل بها ذلك، ثمّة جملة من الحقائق هي من شبه البديهيات التّي يجب أن نتوقّف عندها. أولى هذه البديهيات هي أن عند المرأة رغبة في أن تقطع مع متصوّر الأنوثة كما ارتسم في المتخيّل الجماعي. أنوثة مكْر واستدراج أو أنوثة استكانة وخُنوع. الأنوثة في الحالتين لا تصلُح لمواجهة واقع خارجي في أعلى درجات شراسته وجلاء غيريته. مع الثورة أعلنت المرأة الماكرة والمتغنّجة أن الثورة ثورتها والمدينةُ مدينتها. مع الثورة وضعت المرأة اسما على مسمّى هويتها هو الوطن. مع الثورة اندمجت المرأة في السياسي بجماعية أكبر وببذاخة أقل. لم يعد السياسي شأن بعض أيقونات النضال ولم تعد المساهمة في الشأن العام تعبيرا عن “تطوّر في الوعي” و”تسام في نضج تشكّله” بل تعبيرا عن حضور حقيقي تشكّل في مسار الثورة وشكّل وجها من وجوهها، صاغه تاريخ تونس الجديدة كما أرادت لها أن تكون شعار “ارحل” الذي هتفت به آلاف النّساء في شوارع المظاهرات وميادين الاعتصامات في كبريات المدن وفي الحوض المنجمي وفي أرجاء الوطن المنسية الأخرى لم يكن دعوة لرحيل الاستبداد السياسي والإداري فحسب، بل كان في الآن ذاته هتافا ضدّ كل أشكال الاستبداد الأخرى التي عطّلت قدرات المرأة وقدرات الرجل على حدّ السواء. عطّلت تحقيق وجودهما الإنساني في مدينة حرّة، تهب الحياة ولا تأخذ منها قسرا إلا ما يحتّمه الموت الذي حُقّ علينا جميعا. وحتّى هذه الموت فيها ما لا تقبل قسريته. في بلاد “تهيّأت لاحترام حريّة الفكر والانتصار للحياة” كما كتب الطاهر الحداد ذات يوم من أيّام أكتوبر 1930، غنّت شابّةٌ صادحة “أنا مرا حرّة” وهي محمولة على الأعناق في أحد أيام جانفي 2011 بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة. كنت أسمعها لأول مرّة، ولكن صوتها كان كأنه يأتيني من غابر تاريخ القهر الإنساني مردّدا للمرّة المليون أنّات المعذّبات، السّوداوات في أغلالهن، والسبيّات في حريمهنّ، وزوجات الصيّادين يصارعون الحوت الكبير بمجرّد رباطة الجأش وخبرة ذوي العزم. على الرّغم من الصيغة التوكيديّة لطالع الأغنية، ليست الحريّة معطى طبيعيّا، وإن كانت جوهر الوجود الإنساني. هو جوهر ينحته الأفراد وتحميه الجماعات فلا يتحقّق إلا في المدينة لتحفظه ذاكرتها. ولأنّ شطر المدينة قد يذهب إلى تأديب أبنائها المتمرّدين عندما يشبّون على التوق فإن ثمن حريّة الأفراد كثيرا ما كان مُكلفا. “إنّ هدف الثورة هي الحريّة” تكتب الفيلسوفة حنّا أرندت، وقد كانت الحريّة مبتغى الثورة التونسيّة ولا تزال هدفها الأوّل. ومن خلال حضورها فيها اختارت المرأة أن تكون اختيار مصير، وإبداع وجود، رسْمًا على غير منوال وضربا في غير طريق من طرق الحريّة وطرائق اكتسابها. لم نقرأ شعارات نسويّة أيّام الثورة الأولى، ولم تُرفع مطالب خاصّة بهذه الفئة من المجتمع، ربّما لأنّ نُذر الشرّ لم تكن قد طلّت بعد على المشهد السّياسي والاجتماعي التّونسي، ولم تكن رياح الردّة قد انطلقت من عقالها للعمل على تطويق إحدى مفاخر دولة الاستقلال وما بعده، مجلة الأحوال الشخصيّة، بل خاصّة لأن حركة المرأة قد تماهت مع الحركة العامّة، وجدت فيه ضالّتها ومُبتغاها ولم تتفطن إلى أن وراء الأكمة ما وراءها. كانت ضالّتها حريّة للجميع ومبتغاها مدينةٌ للجميع. عديدة هي مؤشّرات هذا التماهي، كما هي عديدة العلامات على استتباعاته الكثيرة. على رأسها تحوّلات علائقيّة مسّتْ العلاقات داخل الأسرة وخارجها. الزّوجات المرفوقات بأزواجهنّ في المظاهرات، البناتُ المفتخرات بوجودهنّ إلى جانب أمهاتهنّ في ذات ساحات الاحتجاج وميادين التمرّد على السّلطة، الجدّات المنشغلات بتربية الأحفاد يسترْجعن رفاقهنّ في النضال الستّيني، مكالمات الهواتف النقاّلة التّي تشتغل لترتيب مواعيد التظاهر وأماكنها ثمّ لترتيب مواعيد الزّيارات الميدانيّة للأماكن الفقيرة ولبؤر اشتعال الشّرارات الأولى للثورة، حضور المرأة الكثيف على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث الفضاء مفتوح على الكلّ ومن أجل الكلّ، النساء المحمولات على أعناق الرّجال في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة وفي شوارع أخرى، غياب التحرّش الجنسي من أماكن التظاهر، خلافا لما حدث في مصر حيث أُطلقت العديد من الجمعيات صرخة فزع لإيقاف هذا السّعار. ربّما قادنا هذا إلى القول إنّ علاقات مغايرة قد استجدّ نسجها إبّان الثورة بين الجنسين من جهة، وبين المرأة ومحيطها الاجتماعي، من جهة ثانية. صيغُ تعبير جديدة عن الوجود وعن علاقة مع الآخر لم تترسّخ بعد ولا شكّ، لا في ثقافة المرأة ولا في ثقافة المجتمع، ولكنّها أعلنت عن بداية تشكلها ويمكن أن نرصدها في تجاربنا الصغيرة وفي تجارب من حولنا. أشكال وجود جديدة فرضت ديناميات جديدة للعمل السياسي والحزبي لنساء الثورة. انخراطات كثيفة للنّساء في الأحزاب السياسية لم تُعهد إلا في ما كان مألوفا من “انخراط” في الحزب الحاكم، حضور كبير في تظاهراتها، تولّي بعض النّساء تأسيس أو قيادة أحزاب سياسية، احتلال العديدات منهنّ مواقع في مكاتبها السياسيّة، انتشارٌ غير مسبوق لوجودهن في العمل الجمعياتي ذي الأهداف الحقوقيّة والسياسيّة المعلنة أو المُضمرة. أصبحت السّاحة تتّسع لأكثر من أيقونة واحدة للمعارضة السياسيّة والحقوقيّة النسائيّة كما كان مألوفا في ما قبل الثورة، ومن خلال كلّ هذا إصرارٌ على أنّ المساواة بين الجنسين هي إحدى الرّكائز الأساسيّة للديموقراطيّة، وإدراك أنّ الديموقراطيّة ليست معطى جاهزا، وأنّ تحقيقها يتطلّب تظافر جهود الرّجال والنّساء من أجل أن تُتَدبّر أحوال المدينة بشكل جديد، وأن ترتب أوضاعها حسب قواعد جديدة وأن تستخدم في ذلك آليات جديدة لا تُستثنى منها المرأة، ولا يُقصى منها أحد. من أجل تحقيق هذا المسعى خاضت نساء الثورة معارك عديدة. لم ترتق هذه المعارك في كل الحالات إلى المستوى المطلوب، ولم يتم تدبيرها بالوسائل المناسبة، فلم تدكّ حصون التخلّف الثقافي والسياسي التّي تقف بكل عنادها وشدتها. بعدّتها وعتادها، كانت قوى الردّة تردّ بشراستها المعهودة وأكثر، ولكنّ معارك النّساء فتحت ثغورا في الحصون، وتدعّمت قوى الممانعة ضد إرادة التجهيل وحجب الوعي وحُجُبِهِ، ومن أجل انتصار إرادة الحياة تحقيقا لنبوءة الشابي. أُولى المعارك التّي خاضتها نساء الثورة كانت معركة حجب الجسد. الجسدُ هو الحقيقة الأولى للإنسان وهو خط دفاعه الأوّل. في الثورة وفي ما بعدها، أصبح الجسد وسيلة من وسائل النّضال من أجل تحقيق المساواة، ومن أجل تحقيق العدالة. يصح ذلك أكثر ما يصُحُّ على المرأة. جسدُ المرأة هو ما يحقق لها مساواتها واختلافها أيضا. إرادة حجبه هي تعبير عن رفض الاختلاف ورفض المساواة في الاختلاف. وتعبير عن تصميم على إقصاء المرأة واحتقارها في خصوصيتها. معركة النقاب في كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة وبكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، والتي تواصلت عبر وسائل الإعلام وفي بعض تظاهرات تونس العاصمة، لم تكن فقط لأغراض “بيداغوجية” فحسب، بل كانت أيضا من أجل قبول الاختلاف وعدم تجريمه وعدم توظيفه للالتفاف على الديموقراطيّة السياسيّة والديموقراطيّة الاجتماعيّة والديموقراطيّة الثقافيّة، ومن أجل أن لا تكون المرأة القارة السوداء للإنسانيّة. لخوض هذه المعركة استنجدت المرأة، من جملة ما استنجدت، بالذاكرة الثقافيّة والوطنيّة . في حلقات النقاش الفكريّة، وفي وسائل الإعلام، في الكتابات، وأثناء المظاهرات والتظاهرات، كان المصلح الكبير الطّاهر الحدّاد حاضرا وكان بورقيبة أشدّ حضورا. كنّا قد حاربنا هذا طلبة ونقابيين وسياسيين. وها أنّ بناته وحفيداته يتصالحن معه ويطلبن اعتذارا من التاريخ عن عدم حرصهن على تملّكٍ أكثر صلابة وأقدَر كفاءة في حماية “المكاسب” وإن كانت موهوبة من عَل. لم يحدث أن تردّد الحديث وتواتر عن مجلّة الاحوال الشخصيّة كما تردّد وتواتر بعد الثورة .كانت مجلّة الأحوال الشخصيّة، قبل الثورة، من قبيل “البديهي” الذي توطّن في النّسيج الاجتماعي وفي الحياة اليوميّة وفي التفاعل وبناء الصلات الاجتماعيّة. وعندما بلغ التهديد موقع هذه البديهة في الأعيان ومعناها في الأذهان استنفر المجتمع ما تمكّن من استنفاره، مهما بدا من ضآلته وقلة حيلته أحيانا، فقد كانت على رأسه نساء الثّورة. امتدادا لنوع من التّصالح مع بورقيبة كانت المصالحة أيضا مع حركة الإصلاح الوطنيّة في بعدها الثقافي والحضاري فكان الذهاب إلى منابع الإسلام المستنير. من لم تقرأ من التونسيات هذا الإرثَ الديني والفكري والحضاري في بليغ عربيته قرأته مترجما إلى الفرنسيّة بل محتفى به فيها أو مُحلّلا أو مبسّطا أو منقولا. أصبحت مؤلّفات عبد المجيد الشرفي وألفة يوسف هديّة البنات للآباء وهديّة الصديقات للأصدقاء. تقابل الشّغف باستحضار الذاكرة الوطنيّة والثقافيّة مع قطيعة حادّة في أدبيات الردّة معهما. هي تغرق في ظلمات التّاريخ وغياهب جغرافيا الخرافات البعيدة وحفيدات الحداد وبورقيبة يقفن على أرضهنّ ويستندن إلى تاريخ بلادهنّ المخصوص. اغترابٌ مزعوم وغربة حقيقية. تلك صورة الهوّة المتسعة يوما فيوما بين المُحتفيات بالحياة قُدُمًا وبين الغابرين في مُضيّهم إلى الخلف. هذا التغيّر وهذا الحراك في مشهد الثورة لم يأت من فراغ. ارتفاع نٍسب تعليم المرأة، خصوصيّة المدرسة التونسيّة مع كلّ نقائصها، وانفتاحها على مكتسبات الحداثة، احتلال المرأة موقعها الهام في سوق الشغل مقارنة بنظيراتها العربيّات، تمكّن التونسيون من وسائل الاتصال الحديثة، تحمُّل المرأة هشاشة الأوضاع الاقتصاديّة للعديد من الفئات والجهات، خوف المرأة على أسرتها من انتكاسة سريعة للثورة، إحساسها الأنطولوجي العميق الذي لا يشاركها فيه أحد بأنّها مانحة الحياة، كلّ هذا أشعل فتيل اللهب في رماد اللامبالاة تجاه الفعل السياسي التي كانت تعيشها المرأة التونسية، وغذّى الاتجاه الحقوقي والسياسي والتنموي لفعل المرأة في انطلاقة الثورة وما بعدها. الاتجاه الأكثر ارتباطا بالشأن العام وإرادة تغييره. كانت هنالك أيضا بيئة عربيّة حاضنة ومُحفّزة على الحركة النسائيّة قبل الثورة وعند بدء انطلاقتها. المتابعون لشبكات التواصل الاجتماعية وقفوا على الدّور الذي لعبته المرأة المصريّة في قدح شرارة الثورة في بلادها، خاصّة بعد مقتل خالد سعيد على أيدي الجهاز السرّي لمخابرات مبارك. في ميدان التحرير أيضا دعت حقوقيةٌ المصريين إلى أن يتركوا شاشات التلفزيون وينزلوا إلى الميدان لإسقاط نظام الاستبداد. في صنعاء كانت هنالك توكّل كرمان التي تحوّلت إلى أيقونة للثورة اليمنيّة. وفي ليبيا والبحرين وسوريا تحرّكت النّساء من أجل أن لا يغبن عن هذه المواعيد التاريخيّة في بلدانهنّ. صحيحٌ أنّ الثورة التونسيّة أعلنت عن ثورات الرّبيع العربي الأخرى، و لكن الحركة النسائيّة في الدول العربية لم تكن منفصلة. على مدى العقدين الأخيرين تشابكت العلاقات بين المناضلات الحقوقيات والباحثات والإعلاميات والكاتبات في الدّول العربيّة حتّى تلك التي لم تشهد ثورة. فمن ينكر على سبيل المثال حضور المغربيتين فاطمة المرنيسي الفكري وعائشة التاج الحقوقية في تونس؟ هذه الحركة النسائيّة العربيّة إبّان الرّبيع العربي اْثْرته، ولا شكّ، التجربة التونسيّة التحرّريّة في ريادتها ولكنّه عاضدها بدوره، وبتلوّن أشكاله وتعدّده، وشجع مبادرات حضور المرأة التونسيّة في مسار ثورة بلادها. حضور المرأة التونسيّة، اللافت في الثورة لم يكن منفصلا أيضا عن سياق دولي رحّب بهذه الثورة وربط عمليّة الانتقال الديموقراطي بتفعيل جملة من القيم والحقوق وعلى رأسها المساواة بين الجنسين، واعتبار دور المرأة في عمليّة الانتقال دورا لا غنى عنه. هذا التّرحيب تجسّد، في ما تجسّد، في العديد من المساعدات التي قدّمتها جهات دوليّة للعديد من جمعيات المجتمع المدني التونسيّة التي رفعت راية هذه القيم والحقوق، والتي اشتغلت على النّهوض بوعي نساء الفئات المهمّشات وإيجاد موارد عيش كريم لهنّ. ولكن، هل ثمّة فعلا تغيير عميق في شكل الحضور المدني للمرأة التونسيّة إبّان الثورة وما بعدها؟ أوَلمْ تكن المرأة حاضرة في المشهد المدني العام لما قبل الثورة أيضا؟ وإذا ما كانت المرأة قد أعطت ما أعطت للثورة فماذا حققت لها هذه الأخيرة؟ وأيّ غُنم تحقّق لها؟ صحيح أنّ المرأة التونسيّة قد مُكِّنت من جملة من الحقوق تراكمت على مدى عقود من تاريخ الدولة الحديثة. الحقّ في التّعليم، الحقّ في العمل، الحقّ في الطلاق أمام المحاكم المدنيّة، الحقّ في منح جنسيّتها لأبنائها، الحقّ في الانتخاب، وغير ذلك من الحقوق التي أمنتها الدولة. ضمن مشروع التّحديث الذي تبنّته دولة الاستقلال يمكن الحديث عن تغيير في موازين القوى بين المرأة والرّجل. صار صوتها مسموعا، وأضحت حقوقها من البديهيات التي لا تناقش إلا على استحياء ومن دون جهر. ولكنّ المرأة لم تكن تتسلّح بسلاح الممانعة الاجتماعيّة لتثبيت ما وُهب لها. كانت الدّولة تذهب في اتجاه المرأة وكان هذا الموقف يعضُد حضور النّساء في المشهد الاجتماعي والسّياسي ويعزّزه. ولكن “نسويّة الدّولة” لم تنجح في تحويل هذه الحقوق إلى أفعال ووقائع “لا رجعة فيها”، ليس فقط بسبب صلابة البنى الثقافيّة التي قاومت فعل التّحديث هذا، بدرجات لم تفْشِله تماما، ولكن أيضا لأنّ عمليّة التّحديث هذه تمّت بصفة قَسْريّة وفوقيّة، ودون نقاش حقيقي بين أطراف المجتمع أو اعتماد طريقة يكون اتجاهها من المجتمع إلى الدّولة، لا العكس. كانت الدّولة هي المانحة، أعطت بسخاء باليد اليمنى لتسترجع أكثر ما أمكن باليد اليسرى ولاءات ثقافيّة، مشروعيّة اجتماعيّة محدّدة الفئات والطبقات، تجفيف منابع التأييد على الخصوم الفكريين والسياسيين، أصوات انتخابية، تسليم مقاليد السلطة لمرفهي المدن الساحلية، وتأبيد لسلطان الواحد الأحد في الحكم العضوض. كان للفئات الشعبية هويّتها الثقافية والدينية التي تعسفت عليها عمليات التغيير الاجتماعي، فراكمت ردود فعل ظلّت تمور في الأعماق ونجحت قوى الردّة في استغلالها ضدّ سيرورة التّحديث ومن أجل التسريع بتآكل شرعية الدولة الثقافيّة. مع الثورة قويت هجمة قوى الردّة. انتصبت سلطة النّهضة بقواتها تنظيما وتصميما وتمويلا وإدارة للصّراع. بدت بكل أدواتها هذه لتبدو أقوى بكثير من قدرة المرأة على مواجهة المعركة والدّفاع عن قضيّتها. اندلعت المعركة على أكثر من مستوى، واحتدمت في أكثر من فضاء. على مستوى صياغة الدّستور، وفي فضاءات العمل، وفي المؤسّسات التربويّة، في الفضاء العام، ومن خلال ممارسة أشكال مختلفة من العنف المادّي والرّمزي. دستوريا لم تُحسم بشكل نهائي قضيّة مدنيّة الدولة ولا قضيّة الحريات الفرديّة. الفصل الأوّل من التوطئة مفتوح على كلّ القراءات التي يمكن أن تراجع مبدأ مدنيّة الدولة، ويمكن توظيفه وتوظيف الفصل الخامس عشرة من المسوّدة للتراجع على العديد من الاتفاقيات الدوليّة وعلى رأسها اتفاقيّة القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة، والفصل الخامس من المسودّة الثانية ينصّ على المساواة أمام القانون وليس في القانون، وغير ذلك من الثغرات التي يمكن أن تتسلّل منها دعوات تضليل، يمكن أن تُطلق باسم قراءة معيّنة الدّين، للتراجع بحقوق المرأة التونسيّة وتقليص حضورها في الفضاء العام والحطّ من قدراتها ومن مساهمتها في بناء دولة القانون ودولة الحريّات الفرديّة والجماعية المرتقبة. دستوريا، إذن، خسرت المرأة التونسيّة، ومن ورائها القوى الديموقراطيّة ، معركة دسترة صريحة لحقوق المرأة. سياسيا، تقوم الدّولة، حاليا، بتطبيق استراتيجيات ترتكز على بسط أقصى ما يمكن من السّيطرة على المجتمع، رجالا ونساء، من خلال التدخل في وسائل الإعلام، والتّأثير في أجهزة الإدارة، ومن خلال تأجيل إحداث الهيئات العليا الضامنة لاستقلال القضاء، واستقلال الإعلام الخ… كما تقوم بعمليات الفرز الحزبي والسّياسي في التعيينات الإداريّة وبعمليات التمييز الجنسي في المناصب السّامية، وفي كلّ الحالات تظل المرأة بهشاشة أوضاعها هي الخاسر الأكبر. اجتماعيّا لم يوفّر مسار الثورة، كما قادته الترويكا الحاكمة، إجابات خصوصيّة على أوضاع فئويّة وعلى رأسها أوضاع الشباب والنّساء. تواصلت عمليّة قولبة صورة المرأة بدلا من مساعدتها على بناء هويّة نسويّة مخصوصة، بما هي بناءٌ خاص يعتمد أساليب خاصة. ولكن الحديث عن بناء هويّة خاصّة لا يعني سلب المرأة دورها المدني في بناء دولة الاستقلال الثانية بل يعني رفض قوْلبتها في صورة أو حتى صور نمطية للتمكّن من السيطرة عليها. قادت هذه القوْلبة الجديدة للمرأة التونسيّة العديد من النّساء إلى الانخراط في النّسق الثقافي والاجتماعي الذي تطرحه القوّة الغالبة على جهاز الدّولة، قناعة، ربّما، ولكنّ، من المؤكّد، أيضا، مُخاتلة اجتماعيّة وتنازلا لعدم توفّر شروط معركة ناجحة على أمل تحسّن ميزان القوى. مُخاتلة جعلت العديد من مسؤولات الإدارة التونسيّة ومن الأستاذات الجامعيات تلبسن الحجاب، فجأة، بعد الثورة. “فكريّا” و”ثقافيّا”، وباسم حريّة الفكر والتعبير، سمحت العديد من وسائل الإعلام المسموعة والمرئيّة ذات الجذب الجماهيري باستباحة موائدها الحوارية من طرف أصوات الشذوذ الفكري والنفسي الدّاعية إلى تعدّد الزّوجات وزواج القاصرات وإلى تشريع أشكال من الزنا تتقنع تحت مسميات عدّة. الجامعات، حيث يفترض أن تُصنع النّخبة، ويبني قادةُ الرأي ملامح مشاريعهم الأولى التي تطرح على المجتمع لتقود حركة تحرّره الاجتماعي والسّياسي، لم تكن هي أيضا بمنأى عن أشكال الشذوذ هذه. منظمات المجتمع المدني والأطباء تحدّثوا عن ضياع الطالبات المتورّطات في عمليات الزواج العرفي واستتباعاتها القانونيّة والصحيّة – النفسيّة والاجتماعيّة. ولم تُثر المسألة من اهتمام السلط المعنيّة إلا تعليقات خَجْلى وعَجْلى من الوزيرة المسؤولة عن شؤون المرأة. عديدة هي السجلات الأخرى يمكن أن نتحدّث فيها لا عن انهزام المرأة التونسيّة ولكن عن اتساع للهوّة متعاظم بين المنشود والموجود. ولكن هل يعني هذا أنّ المرأة التونسيّة قد خسرت بثورة الحريّة ما كانت قد كسبته في ظلّ السلطة الأبويّة لحكم سياسي ديكتاتوري أناب عنها في تحقيق المكاسب ولكنه لم يستطع أن يفعل بالمثل في تثبيتها؟ وهل يعني هذا أنّ غُنم المرأة من الثورة كان أندر من عطائها لها وفيها؟ كسبت المرأة التونسيّة ولا شك خبرات نفسيّة واجتماعيّة وسياسة عديدة تزودت بها من خلال تورّطها في الثورة وعبر أشكال من الحضور فيها مختلفة، إبّان انطلاقتها وخلال سيرورتها وفي تلافيف تعثّرها المتعرج. حلّقت عاليا بأجنحة الحلم بالحريّة، ولكن الثورة لم تنصفها، إذْ أخذت منها أكثر ممّا أعطتها عندما لم تتح سُبُلا جديدة للتغيير الاجتماعي ولم تفتح مصرعيها لآفاق رحبة له، بل جعلت من استحقاقات الثورة إطارا مرجعيا لم يستجب لما تتطلّبه خصوصيّة المسألة النسويّة في مجتمعات التغير الاجتماعي عالي المخاطر ومنفتح الإمكانات. وحتّى تلك الاستحقاقات تبَعْثر أكثرها بين ورقات الضغط الحزبي المتنازع وخرائط الطرق فاشلة التنفيذ. من منظور نسائي، ربّما كانت استجابة الثّورة لمقتضيات وضع المرأة تتطلّب إيجاد مزيد من الحلفاء بين القواعد الرجاليّة المناصرة للقضيّة النسويّة، ومزيدا من التنظيم الهيكلي الذاتي للأنشطة والنّضالات، وإعادة النّظر في استراتيجيات العمل والانتصار لقضاياها. ولكن ربّما الأهمّ من كلّ هذا مزيد من الاشتغال الانعكاسي الواعي على مسألة عسر ميلاد الحداثة وضعف مكاسب التحديث في ثقافة يبدو أن من سماتها تداخل الأزمنة، وتراكم “لفائف الحضارة” حسب تعبير جون جاك روسو، دون حوار وأخذ وعطاء. يتطلب ذلك ولا شك نوعا من التّسامي عن أسْر لحظة الجيشان الاجتماعي الأقصى التي نعيش، بما يسمح بشحذ نسائي أوّلا ولكن رجالي كذلك لأدوات التّفكير النّقدي التي تستنهض العقل وتقدح الفكر وتقيم جسور التّواصل بين الفئات والأعمار والجهات… والجنسين. عندها، ربّما، نحرز من النّجاح في تحقيق استحقاقات الثورة ما يجعل الثورة غير قادرة أخلاقيّا واتيقيًا على قتل أمّها…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق