المرأة في دوائر العنف

من المقدمة

هنالك قضايا في الحياة لا تفسح في المجال لتناسيها أو إهمالها والابتعاد عنها، وذلك لكثافة حضورها، ومدى تأثيرها، وعمق تجذرها في المجتمع. بالتالي نحن أمام قضية متدفقة كالسيل، حاضرة كالضوء، وكظلام الليل. يندر أن تمر ساعة لا تقدم وسائل الإعلام ومجريات الحياة وحراك الناس دلائل على انتشارها الواسع والدائم، بأشكالها القديمة وما ولّدته الأيام من أشكال وقنوات حديثة.

فقبل يومين من كتابة هذه المقدمة (أواخر نيسان 2009) تناقلت الأخبار نبأ تزويج فتاة في الثامنة من عمرها في السعودية من رجل في الخمسينات، وكيف أن تدخلات سلطوية على مستوى عالٍ – وليست القوانين –  قد تكفلّت بإبطال هذا الزواج. وكانت الصفقة قد عقدت بين الرجل (العريس) ووالد الفتاة مقابل مبلغ من المال، أي كانت صفقة بيع واضحة، ما يجعل الهجوم على العقل الفقهي الإيماني يجد مبرراته، باعتباره لا زال راعياً بشكل أو بآخر لمثل هذه الحالات من الزواج المتعسف والإجرامي، أي لا زال العنف ضد النساء مستمراً بتوجيهه.

وقبل ساعات، يورد تلفزيون BBC استطلاعاً للرأي أجري في مصر، أظهر أن 83% من المستطلعات تعرضن لشكل من أشكال التحرش، وأن 70% ممن تعرضن للتحرش من المحجبات، ما يعني أن الحجاب ليس حامياً فعالاً. وكان مبرر إيراد هذه النتائج هو الحديث عن سعي الفتيات لتعلم الفنون القتالية في نوادٍ خاصة، للدفاع عن أنفسهن؛ وهذا معيب للبنية الاجتماعية والسياسية الأمنية.

بالتالي، فإن كثافة حضور القضية تجعل من يفكر بها يرى أن كل ما قيل ويقال عنها لا يشكل إضاءة كافية على المسألة، ولا بد من تتالي الأصوات والأبحاث وإلقاء الأضواء والمصارحة مهما كانت صادمة أو فجة وفاضحة لكل القوى التي تشكل غطاء للقضية، وتبرر أي شكل من أشكال العنف حسب قياساته بمناظير العصر، لا كما تم توارثها مع مبرراتها.

لا يزال الواقع يؤكد ضرورة تكثيف الجهود والدراسات والأعمال الجادة في جميع الحقول، في الفن والفكر والقوانين والسياسات، ما جعل من كل جهد إضافي في مواجهة القضية مبرَّرا، إذ لا تزال كتلتها تتفوق على الجهود المبذولة للتغلب عليها. وربما سيستمر ذلك طويلاً، فالمسألة مرهونة بمدى التحركات الجادة لكل القوى التقدمية وقوى المجتمع المدني والسلطات ذات العلاقة. فالقضية مترابطة إلى حد ما مع قوى المجتمع الأهلي بطوائفه ومذاهبه وأقوامه وعشائره وكل تجلياته، القديمة والحديثة، الخشنة والمخملية. فهذه الكتل لا تزال تشكل المناخ الضامن لاستمرار القضية ولإفشال الجهود المبذولة لتجاوزها. المسألة تعني هدم ثقافة قارّة وبناء أخرى.

***

القضية اجتماعية بجدارة، وهي في أساسها نتاج علاقة الأطراف الاجتماعية ببعضها، والأطراف في هذه الحالة ذات صفة جنسية: رجال ونساء، ذكور وإناث، امرئ وامرأة. هذان الجنسان أو العنصران هما مكوّنا المجتمع الوحيدَين، فهو لا يعدو أن يكون هؤلاء وهؤلاء فقط.

بالتالي فكل طرف يتعين ويتحدد بالطرف الآخر، ﻓ"الرجولة" كمفهوم ومعنى تحدِّد وتتحدَّد بمقابلها: "الأنوثة"، الجنس الآخر. وبعيداً عن المدلول البيولوجي والفيزيولوجي، تكتسب كلا الحالتين (الرجولة والذكورة) معنى قيمياً يصعب أن نستدل عليه من البيولوجيا والفيزيولوجيا، يصعب ذلك إلا من خلال الحديث عن الأنوثة (الجندر) كمقابل للرجولة، والعكس، فهما حالتان معياريتان كل منهما للأخرى. لأن الرجولة عنت فيما عنت، القوة والشدة والمواقف الصلبة ومواجهة الصعاب والقوة البدنية، فيما عنت الأنوثة الرقة واللين والضعف والابتعاد عن الخشونة. وهذه المعاني لا يمكن أخذها بإطلاق، لكن جرى إكسابها المصداقية عبر تاريخٍ حشر المرأة في خانة الضعف والتضحية بقوة الشكيمة والمواقف الصلبة، حفاظاً على صفة النعومة الرخوة والرقة الملازِمة للشخصية النسوية، والتي تم التوافق عليها وتصنيفها ذكورياً، بالترافق مع استسلام المرأة لذلك، لا بل انغماسها فيما تم ترسيمه وترتيبه لها. على أن صفة الرقة والنعومة والمسالمة اللصيقة بشخصية المرأة ليست صفات سلبية ولا نقائص، بل هي المعبرة عن جمالية الحياة وما فيها من قيم رفيعة، لكن تم تبخيسها من قبل الذكور لاستكمال حلقات التحكم بحياة المرأة التي نُزعت منها قوة الشكيمة. فصفتها السلبية آتية من كونها النقيض للأدوار التي أسندها الذكور لأنفسهم وجعلوها الأسس المعيارية لقيام المجتمعات القوية، فكل ما ينقض أو يعاكس الرجولة مُدان وبخس؛ مع أنه لم يتخلق الدليل على أفضلية أحد المعنيين حياتياً.

العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة تناحر، وليست علاقة ثأرية، كل طرف فيها يسعى للنيل من الآخر. بهذا المنطق (منطق التناحر) نحن أمام استمرار الكوارث في هذا المجال، أمام إبقاء الساحة المجتمعية مشحونة بالريبة وعدم الرضا وتحيّن الفرص. العلاقة بين الطرفين علاقة تكامل لا فكاك منه، فلا يستطيع طرف من الطرفين أن يكون بذاته، أو يوجِد بديلا آخر. هما محكومان بذلك بقوة البيولوجيا والفيزيولوجيا وضمان الاستمرارية. فإلى أي مدى سيدركان ذلك بطريقة تختلف عن طرائق إدراكه السابقة، كي تكون الحياة أجمل وأفضل؟ إلى أي مدى سيساهم ذلك في تنازل طرف عن بعض الامتيازات وعن الشعور بعظمة التفوق ومشاعر الغلبة؟

***

من الخطورة بمكان، ومما يجب تجنبه والتنبيه إليه، أن يتم النظر إلى قضية المرأة من خلال المرأة التي حققت حضوراً جيداً، أو تلك التي تعيش في بحبوحة من العيش، أو تلك التي حازت مكانة علمية أو دوراً متحصلاً عن موقع اجتماعي أو وظيفي معين، واعتبار هذه الشرائح مقياساً لما وصلت إليه المرأة من حضور ومكانة، ولمدى حصولها على حقوقها ومكانتها، فنحن بذلك نتجاهل الغالبية من النساء، أولئك المهمشات المنسيات والمهملات، وهن السواد الأعظم من نساء العرب والمسلمين وربما العالم، فهؤلاء مستبعدات إلى حد كبير من جوانب الحياة الفاعلة.

إن مثل هذه النظرة الإيجابية التي تقيس وضع المرأة إلى نسبة ضئيلة في المجتمع، وصلت في إطار ظروف مررنا عليها، هو مما درجت عليه بعض السلطات والمنظمات المرتبطة بها. فلكي تبرهن سلطة ما على أحقيتها ومصداقيتها ودورها الفاعل، ولكي تصنع الالتفاف حولها، يكون بين يدي مسؤوليها صور مصنعة مزينة ومزخرفة، مقاسة إلى أمثلة نادرة تم تصنيعها لتكون في مواجهة الاتهام بالتقصير وإهمال الشأن الاجتماعي وعدم إيلائه العناية الكافية، خاصة ما يتعلق منه بالمرأة وأوضاعها، فتتم الإشارة إلى المرأة الوزيرة أو النائبة أو القاضية… الخ، وهن كورود الزينة على موائد الكبار، لا يعني وجودهن أكثر من هذه المفردات المبعثرة، التي تسلط عليها الأضواء. لكن الملايين المسحوقة من النساء والقابعة في سجون العصور الوسطى والمحرومة من نور الحياة الكريمة، لا تتم الإشارة إليهن، ولا يوضعن بالمقارنة.

كذلك يفعل أنصار العقل الإيماني، أيضا، حين يقدمون أمثلتهم مِن المنخرطات في جمعيات أو تنظيمات تقدم الخدمات لقطاعات من المجتمع تحت نظر الإعلام، وهن صور مصنعة أيضاً يستغلها رجال الدين، أو بعض من يوصفون بالمتنورين منهم، للتدليل على الدور الإيجابي والفاعل، أو الحضور المشهدي للمرأة (المؤمنة)، وعلى الإشارة إلى رفع الغبن والظلم عن النساء. لكن ليس لدى هؤلاء وأولئك الجرأة على تقديم الإحصائيات الدالة على نسبة هؤلاء النسوة اللاتي أصبح لهن هذا التأثير وهذا الدور الاجتماعي إلى مجمل النساء، بل يكتفون بتبرير كل الارتكابات وبتجاوز وتناسي القضية الشاملة لنساء الوطن والأمة. وهنا نشير إلى أن نسبة من حصلن على شهادات ما، أو من دخلن سوق العمل، مع أنها مؤشر على حالة إيجابية، لكن ليست بالضرورة مؤشراً على الحرية أو تجاوز الإعاقة.

***

درستُ القضية في إطار الخط المغلق (الدائرة)، كما هو موضح فيما سيأتي، وذلك لأنني رأيت المسألة لا تحيل إلى نهاية، كما أن الخط الدائري لا بداية ولا نهاية له، وكل نهاية فيه تسلّم إلى بداية جديدة. هنا تتعلق المسألة بعدم وجود إرادة فاعلة تمسك بطرف الخيط وتقوّمه، دون أن تجعل له بدايات جديدة لا تنتهي. إذاً هي خيط متصل قد تتغير ألوانه لكن لا ينقطع.

والدخول إلى هذه الدائرة، يفضي إلى دوائر متناسلة ومتداخلة ومغلقة. وهكذا تتشابك الخطوط وتتقاطع وتتلازم، فلا يُتصور أن نجد امرأة مقموعة جسدياً دون أن تكون مستبعدة عن حقول الحياة الفاعلة.

لقد أوضحت في المدخل أن تقسيم الدراسة إلى دوائر، لا يعني انفصال دائرة عن غيرها، كما أن تقسيم الدراسة إلى دوائر عنف مباشر، أي واقع على كيان المرأة الوجودي، وعلى شخصها الشاخص، لا يكمل الصورة إلا بدراسة وضعها في حقول الحياة والأدوار الممكنة، وأساليب القمع والاستلاب، واستبعادها كنتيجة ومحصلة للعنف المباشر واستثمار لهذا القمع.

***

صحيح أن المرأة العربية في مطلع القرن الواحد والعشرين، وبعد كل المخاضات والنضالات وما تحقق من تقدم اجتماعي، ليست هي المرأة في القرن التاسع عشر وما قبل، وأنها قد حققت نجاحات وأثبتت وجودها الفاعل في كثير من القنوات والمجالات. وبالقياس إلى ذلك فإن الرجال أيضاً قد حققوا نجاحات وقفزات في حياتهم، وبنسبة أكبر. وهذا ما ساعد في إيجاد مناخات مختلفة لعل استثمارها ينعكس خيراً على واقع المرأة وتحررها، وهذا ما يزال يحتاج إلى الكثير والكثير من الجهود، وإنّ ما تم تحقيقه يحتاج إلى ترسيم وتثبيت، فهو لا يزال هشاً وعلى قشرة المجتمع والحياة، ولم يصبح حالة بنيوية أصيلة. كما أن نسبة التقدم بين النساء لا تبلغ تلك التي تحققت في مجتمع الرجال، فهي أضعف منها، علماً أن الضعف والتخلف في الحقلين الرجالي والنسائي، لا يزال من سمات الواقع.

إن مهمات الخروج من المأزق تحتاج أن تنتصر المرأة على ضعفها أولاً، وما لم تفعل لن ينتصر لها الآخرون بالفاعلية المطلوبة. لكنها لو بدأت مسيرتها على الطريق الصحيح من التحرر العقلاني الفاعل، والذي يتجاوز التحرر الشكلاني المشاهَد، فإنها ولا شك ستجد الكثير من الرجال يقفون إلى جانبها ويشجعونها ويأخذون بيدها، خاصة ممن تشكلت قناعاتهم بالاحتكاك بثقافات العالم المنفتحة، وممن صدمتهم الثقافات التقليدية. فطبيعة الإنسان أن يتعلم من الإيجابي فيقلده ويزيده، وأن يتعلم من السلبي عندما يشكل له حالة صدمة. فيهمّ بالخروج من حالة السالب ويصنع حالة نقيضة، فلحظة القبح قد تكون لحظة إدراك الجمال وأهميته، وضرورة مواجهة هذا القبح.

لقد كان العنف أحد الشواغل الفكرية التي شغلتني، وذلك لانتشاره على كل المستويات. وعندما أردت تناوله من باب دراسة وضع المرأة، وجدت أن ذلك يحتاج إلى المرور بحقوله المنتشرة في المجتمعات، فأنجزت كتاباً سابقاً بعنوان "العنف من الطبيعة إلى الثقافة – دراسة أفقية"، كان المدخل والمحرض على دراسة العنف ضد المرأة دراسة شاقولية.

أرجو أن يكون فيها ما يقدم الفائدة ويساهم في إضاءة هذا الجانب من حياة المجتمعات ونشاطاتها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق