المرأة كنموذج معد مسبقاً

تحاول العقول البشرية في كثير من الأحيان إيجاد نقاط التقاء أو تشابهات تجمع الأشياء وحتى الأشخاص. هذه العوامل المشتركة للحالة تخلق أوتوماتيكياً نمطاً stereotype) ) يسّهل على العقل التعامل معها.

وكي لا نرهق تفكيرنا، خلقنا أنماطاً لكلّ شيء، حتى ذهب بنا التنميط إلى التعميم. كثيرٌ ما نسمع أقاويل على شاكلة: “لا تستطيع النساء صبراً”، “كيف تلتزم بموعد وهي امرأة؟!”، “الأنثى متقلّبة المزاج”، “النساء أهل النميمة”، “لا تأخذ وعداً من امرأة”. بل إنّ هذه الأقاويل أصبحت أمثالاً شعبية في ثقافات عدة، فالمرأة لا تبتلّ في فمها فولة لكثرة إفشائها السرّ، وهي تلميذة الشيطان في نصب المكائد…إلخ.

إن خلق نموذج واحد للطبيعة الأنثوية أراح فكر الرجل وأطلق الصفات وعممّها وتصرّف على أساسها. توازت ذهنياً الأجوبة على أسئلة مثل: ماذا تريد النساء، إلى أين تصل ردود أفعالهن، وكيف يفكرن بأنصاف عقول، فلا يستطعن سوى أنصاف الحلول..!

غالبية الأعمال الدرامية جاءت تثبت صحّة هذا التنميط، كأن يتوقّع الممثّل ردّة فعل معيّنة من الممثّلة فلا يجد سواها، وبالتالي يكون الذكر على حقّ كامل ويجب علينا مرّة أخرى الاستماع له والتسليم برأيه. الإعلانات الاستهلاكية ومعظم البرامج المرئية والمسموعة، وحتى بعض رسائل المجموعات البريدية الالكترونية كرست للتعامل مع المرأة كنموذج بعينه. فالوصول للرضا الأنثويّ له خط واضح متمثل في استعمال كذا، ولإسعاد العائلة على الأمّ اتخاذ طريق أوحد عبر الالتزام بكذا وكذا، الشكل الخارجي لا بدّ له من ذاك التعديل، والمضمون يجب عليه ألا يحيد عن تلك المشورة. حتى العلاقة مع الرجل أصبحت آخذة في التسطيح، لأنه هو أيضاً طاله التنميط، وصار هناك نموذج للرجل الخليجي، وآخر للغزاوي وغيره للعصبي، وهناك الرجل “ابن أمّه”، وهناك وهناك…إلخ.

حتى المرأة الغربية أو الأجنبية غير العربية خلق معظمنا – رجالاً ونساءً- نموذجاً مغلوطاً لها، يقضي بانتقاص عفّتها وانحلالها وابتذال سلوكها، لمجرّد اختلاف بعض قيمنا ومفاهيمنا عن مجتمعاتهم. في أوقات أخرى يخدم هذا التنميط المرأة الأجنبية، فنجد الرجل العربي لا يقبل أن تكون لزوجته أي تجارب سابقة، ولا يقدم على الارتباط ممن قد يسمع عنها شيئاً من ذاك، في حين لا يستطيع مجادلة الأجنبية في ماضيها كثيراً، إذا أراد الزواج منها.

هناك أيضاً الأنماط الفرعية للتشكيلة الأنثوية في ذهنية المجتمع الخربة: بنت الجامعة – كانت سابقاً بنت مدارس- وقد تكون فيلسوفة لسانها يطول ويصعب مجاراتها! العاملة في النشاط النسوي، حيث يكون سلوكها موضع شك! الفتاة التي انفصل والداها، وما يحتمل أن استقته من والدتها من طباع تودي بالحياة الأسرية! وحتى التي تربّت بعيدة عن الأب لأسباب غير الطلاق، كوفاته أو سفره، تبقى تربية (امرأة)!

تسبق تلك النماذج: المرأة المطلقة، والمرأة العاقر، جالبة النحس، صاحبة الإعاقة، سيئة الحظ، غير المحجبة، أسيرة سابقة، فنانة، مدخنة، منقبة… وغيرها من أنماط يعجّ بها العقل العربي والفلسطيني، لا تلبث أن تتنوع وتتخصص وتتفرع لمزيد من التكريس الدوني لنساء وفتيات اختلفت أقدارهن سواء بقرار منهنّ أو من غيرهنّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق